ملخص
دخل السودان حرب الطاقة من أوسع أبوابه. فصارت شبكة الكهرباء في مرمى نيران “الدعم السريع”. وكان سد مروي، نوارتها، في مرمى نيرانه. فهو ينتج 1250 ميغاوات من استهلاك السودان البالغ 4000 ميغاوات. فعليه فهو منتج 40 في المئة من هذا الاستهلاك.
تقرأ من أخبار السودان وهو يلملم شعثه حيث خلا من قوات “الدعم السريع” أن الطائرة من البلد الفلاني هبطت بمطار الخرطوم. وبلوغ هذه الطائرة مرفأ لها ليس خبراً في عرف الخبر. فالخبر تعريفاً هو عن سقوط طائرة لا عن بلوغها كغيرها من آلاف الطائرات ميناء الوصول بسلام.
وضج السودان في الأسبوع الماضي عن حريق أدى إلى خروج تغذية سد مروي (476 كيلومتراً شمال الخرطوم) عن إمداد الخدمة في مطلع أغسطس (آب) الجاري. وسنقف عند منزلة السد في شبكة الطاقة السودانية في موضعها هنا. وصادف انقطاع التيار الكهربائي في غالب مدن السودان موجة حر صيفي قائظ، أو غائظ، جعلت منه نبأ تداولته الأقلام بعاصفة من الاحتجاج. وهو، والحرب العوان القائمة في السودان في إطار “عصر حرب الطاقة” كما سنرى، ليس بنبأ. ولم يكن كذلك حتى قبل الحرب. فكان انقطاع التيار الكهربائي وعودته فينا دورة كدورات الطبيعة. فأزمات الطاقة سنة فينا ولم يجد عليها سوى حدوثها في سياق حرب هذه المرة.
وللسودانيين طرف عن هذه السنة. فإذا انقطعت المياه لانقطاع تيار الكهرباء وعادت تنادي الصبية والصبيات “الموية جات أملاوا الباغات (أواني من البلاستيك)”. وروي عن سيدة أنه كان، متى انقطع التيار الكهربائي على أيام الرئيس نميري (1969-1985)، قالت “دي وردية الشيوعي” لما كان بينه والشيوعيين من خصومة. فالعادل علي إبراهيم، وزير الطاقة والتعدين في حكومة ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، لم يقل كلمة طيبة عن أوضاع الطاقة حتى قبل الحرب. فعرف عنها خلال ولايته الوزارة تسعة خوازيق، وفق ما قال. واشتكى في يومنا من استئجار بارجتين للتوليد الكهربائي في بورتسودان بينما كان إيجارهما كفيلاً بإكمال توربينات في محطات حرارية مخطط لها وفيها حل جذري للمسألة. وترك هو نفسه الوزارة والمدينة تلقى مددها الكهربائي من باخرة تركية مستأجرة مما اشتكى منه في يومنا هذا. وجاء الخبر منذ يومين بوصول محطة تحويلية عائمة لبورتسودان لنفس المهمة لأن كلفة المحطة الحرارية الموعودة 150 مليون دولار لم تنجح الحكومة في اقتراضها من البنك الأفريقي.
ندخل في أيامنا هذه “عصر حرب الطاقة” الذي رجح الكفة للمهاجم على المدافع باستخدامه المسيرات التي تستهدف شبكة الطاقة في مدينته. فتفيق الدول الآن إلى أن شبكة الطاقة فيها لم تعد محمية بالقانون الإنساني بعد قيام ما يعرف بـ”ديمقرطة” السلاح أي اصطناع المسيرات رخيصة الكلفة التي بالوسع أن تكون بيد أي جماعة مسلحة حتى. وأول ما ترتب له هذه الدول، طالما صارت الشبكة “هدفاً استراتيجياً”، هو لا مركزيتها فلا يجتمع الإمداد في صالة واحدة تكون في مرمي نار المهاجم.
وقياساً بحرب أوكرانيا لم تصمد الشبكة، التي هي ابتكار القرن الـ20، لحرب الطاقة مما احتاج إلى إعادة التفكير في تأمين معمار شبكة الطاقة ضد ما يعرف بـ”العملية الاستراتيجية لتحطيم الأهداف ذات الأهمية القصوى” (SODCIT). ففي حربها على أوكرانيا بدأت روسيا بقطع خطوط الإمداد فمكرت أوكرانيا وأمنتها لتنتقل روسيا إلى هدم مضخات التوليد. فضربت محطة ترايبلسكا في أبريل (نيسان) 2024 فأظلمت منطقة كييف. فبينما بالوسع إصلاح محطة توليد فرعية في غضون أيام يأخذ إعادة بناء صالة التورباين أعواماً. وتكلف بحساب اليوم 50 مليار دولار بينما كانت كلفتها الأولى 16 بليوناً.
وهناك آليات أخرى لا تُستورد لأنها تبنى بحسب الطلب المفرد. وما أسعف أوكرانيا، إلى جانب مكر مهندسيها، في حرب الطاقة هذه إلا وقفة أوروبا معها. فربطتها بشبكتها الكهربائية (1.7 غيغاوات) وأعانها البنك الأوروبي بـ3.1 مليار جنيه استرليني ليستقيم مددها الكهربائي. وأقرضها البنك الدولي للغرض 2.8 مليون دولار. وقاضت المحكمة الدولية قادة روساً على استهداف محطات الطاقة.
ودخل السودان حرب الطاقة من أوسع أبوابه. فصارت شبكة الكهرباء في مرمى نيران “الدعم السريع”. وكان سد مروي، نوارتها، في مرمى نيرانه. فهو ينتج 1250 ميغاوات من استهلاك السودان البالغ 4000 ميغاوات. فعليه فهو منتج 40 في المئة من هذا الاستهلاك. ويكاد ينتج كل التوليد المائي للكهرباء. فدونه سد الرصيرص الذي لا يزيد إنتاجه على 280 ميغاوات. وبالنتيجة شدد “الدعم السريع” النكير عليه. ففي الـ13 من يناير (كانون الثاني) 2025 استهدف “الدعم السريع” سد مروي بمسيرة حرقت محطة التوزيع إلى الشبكة. وكان ذلك للمرة الثانية في أسبوع. وتضرر السد من هجوم في الـ25 من يناير منه وكذلك محطة الشوك بولاية القضارف أظلمت الولاية بأثره. واستهدفت مسيرة أخرى السد في الرابع من مارس (آذار) منه للمرة الثالثة بعد ضرب محطة التوليد قبل أسبوع. وترافق ذلك مع استهداف محطات توليد حرارية في القضارف والنيل الأبيض والولاية الشمالية. واستهدفت محطة عطبرة الحرارية من قبل.
واستمر الضرب الشديد على السد من الساعة الـ11 ليلاً إلى الخامسة صباحاً وسط انفجارات ودوي المضادات الأرضية في قول شهود عيان. وضربت مسيرة السد في الخامس من أبريل منه ونقل مراسل صحافي في الـ11 منه شكوى جماعة من سكان أم درمان انقطاع الكهرباء والمياه بأثرها. وتلاه استهداف لمروي والدبة في الأول من يوليو (تموز) منه. ووقع استهداف آخر للسد في الـ13 من نوفمبر منه صحبت الخبر عنه صور لنيران مشتعلة تكتنف البنية التحتية للكهرباء. وشمل الضرب دنقلا والدبة. وفي الخامس من يناير الماضي تكرر الهجوم على السد بغير أضرار معلنة وشمل الهجوم محطة الأبيض الحرارية.
ودخل السودان حرب الطاقة بغير إدراك قلمه الصفوي والصحافي لفقهها، أو اعتراف بها. فرأى في انقطاع التيار نتيجة الحريق في سد مروي خبراً بينما، لو صح تقدير ما نحن فيه من شراسة هذه الحرب، لكانت عودة التيار، والمثابرة في عودته، هي الخبر. فلم يخرج هذا القلم لهذه الحرب ومترتباتها بغير مد أصبع الاتهام للحكومة حصرياً كما هي عادته. فلم تترك له الديكتاتوريات المتطاولة في حكم السودان من متنفس، أو مهارة، غير معارضتها. فلم يكن مدعواً لوضع بصمته في إدارة الحكم، بل كان طريداً كالأجرب عن ذلك. فتجد من بين من تناولوا أزمة الطاقة من حملها الحكومة في ما يشبه نظرية المؤامرة. ولا يجمع شتيتهم إلا اتفاق الإضراب عن اعتبار الحرب في تقليب الفهم للأزمة، أو حتى ذكرها نصاً في المقالة حتى صح ألا يعرف القارئ إنه مما كتب في يومنا أو في يوم سبق من أيامنا. فأزمات الطاقة سنة فينا بحسب ما تقدم. ولم يتغير شيء في نعيها صحافياً للناس.
ولكي يخلو وجه الحكومة للصحافي تراه ينفي الصلة بين الحرب وأزمة الطاقة. فالصحافي المخضرم محمد عبدالقادر يلح على التحقيق في الأزمة الناشبة “وبخاصة أنها لم تكن مرتبطة بمسيرات الميليشيات أو حالات الدمار الواسع الذي أحدثته الحرب في البنيات الأساس”. بل بنى الكاتب محمد برير إسماعيل الحرب للمجهول، إذا صحت العبارة، بقوله بحدوث الأعطال الفنية “بفعل الظروف التي تمر بها البلاد”. ولم يتفق للايفاتي الذي اشتهر بـ”الانصرافي” أن لانقطاع التيار الكهربائي صلة بالحرب. فقال لو الكهرباء انقطعت بفعل “الدعم السريع” سنقف مع الحكومة. بل اتهم الحكومة بأنها هي التي تزج بالحرب في أزمة الطاقة مكاء وتصدية. فأخذ على وزير الطاقة مأخذاً عصياً على الفهم. فقال إن الناس خرجوا محتجين على زيادة رسوم الكهرباء التي تأتي ولا تأتي ليستنكر عليه صدور بيان منه يعد المحتجين باسترجاع محطتي قري 1 و4 الحراريتين لتأمين الإمداد الكهربائي لهم. فاستغرب منه هذا التعيين للمحطتين لأن ذلك منه بمثابة إحداثيات مهداة لقوات “الدعم السريع” لتستهدفهما في جولة أخرى من حرب الطاقة. والأنكر أن وزير الطاقة، في قوله، سيأتينا معتذراً بأن التيار الكهربائي متعثر لأن “الدعم السريع” أهلك المحطتين. وهذا القول من الانصرافي المرتبك مصير من لج عن إدخال عامل الحرب في أزمة الطاقة.
وتوزير الحكومة للأزمة فاشٍ. فهي عند الصحافية أوشان أوشي مسؤولية خالصة للحكومة. فالحكومة عندها صفوة اعتزلت الشعب. فعنوان مقالتها كان “كيف يمول عطش المواطن رفاهية حكومة الخرطوم”. وصرفت تعذر الحكومة بقلة المال كمجرد تعلل. فلم يعجزهم توفير 100 ألف دولار لتأهل بيوت المسؤولين. فإذا انتقدت هذا التبذير، في قولها، اتهموك بالتآمر. وقالت إنها ستنشر “المستندات الرسمية التي تحصلت عليها على رغم تحفظها المبدئي والسابق على تداول وثائق الدولة في وسائل الإعلام إلا أن فداحة المشهد لم تعد تحتمل الصمت”.
ومن الصعب أن يعرف المرء مكاناً لتداول مثل هذه الوثائق، إذا صدقت، إلا في الصحف من صحافي في مثل متانتها إلا كان هذا ابتزازاً منها. أما الصحافية سهير عبدالرحيم فالأزمة عندها مجرد خرافة. فقالت إن هناك من جاء مشفقاً ليحدث رئيس مجلس السيادة الفريق ركن عبدالفتاح البرهان عن أزمة الكهرباء كمشكلة أمن قومي. فقبل البرهان منه ووعده بتوفير مال يحل أزمة المعدات. ولم يفعل. فسألت “أخبرنا يا رجل بالله عليك ما الأسباب التي حالت دون أن تقدم لمن جاء ليعينك حاجات قطاع الكهرباء؟ فقد فشلت في أن أجد سبباً”، بينما لم تكلف هي نفسها كصحافية ذات باع تحري وفرة المال بيد البرهان أو صدق الرواية، أو هما، معاً.
وحتى من رأى منشأ الأزمة في ضعف مخصص وزارة الطاقة المالي لم يرد هذا الضعف إلى تنازع الدولة بين منصرف الحرب، الذي لا يعلى عليه، ومنصرف الخدمات. فقال ياسر عبدالله إن المال كان يجري على الكهرباء حتى وقع خلاف في لجنة تهيئة البيئة لعودة السكان للخرطوم فانقطع المدد. وبدا لي ضرباً من الإهمال المهني أن يتوقع الكاتب منا سعة المال من حكومة في براثن حرب لها فيها من الإنجاز الباهظ ما قد تعتز به. بل وجدت إضراباً آخراً من الكاتبين وهو عن مطالعة موازنة وزارة الطاقة في إطار حرب تأكل الأخضر من الموارد واليابس. فتكبدت البلاد جراء عدوان “الدعم السريع” على شبكة الطاقة ما تقديره 150 مليون دولار في فبراير (شباط) 2025. وأنفقت الدولة في استعادة نظام الكهرباء في الخرطوم مالاً لبدا. فلما جاءت الحكومة للخرطوم، الأوسع في استهلاك الكهرباء، وجدت بنيتها مجرد خرائب وقد خضعت لتغنيم نهم من “الدعم السريع”. فكانت نشأت خلال احتلال “الدعم السريع” تجارة “النحاس الدموي” الذي استخلصه “الدعم السريع” باقتلاع الكوابل من تحت الأرض ومن بين الأعمدة وصهره وإعادة تصديره للعالم. وجرد “الدعم السريع” أحياء المدينة من محولاتها (7000 بأحجام مختلفة). وهذا ما ورثته وزارة الطاقة في شبكة المدينة لتستعيد الكوابل والمحولات ما وسعها وهي التي يشكو قلمنا الصحافي من جفاف التيار فيها. ولو أنصف لتواضع بالعرفان لمن أوجدوها من عدم.
ليس بالوسع إدارة الوجه للجانب الآخر من شرور حرب الطاقة التي صرنا فيها ثاني اثنين لسوء البخت. فهذه الحرب تكاد تمحي الحدود بين المدني والعسكري التي كانت المثال الذي احتذاه قانون الحرب الإنساني. وسيستدعي هذا التطور من جماعة “لا الحرب”، التي دعت لحماية المدنيين من أن يقعوا هدراً ضحايا للحرب، إلى مضاعفة جهودها مع أطراف الحرب والمجتمع المدني لصون مواقع الخدمات الإنسانية التي لا غناء عنها من الاستهداف.
وكان ميثاق تأسيس “تقدم” في عام 2024 نصَّ على قيام لجنة منها لتوفير هذه الحماية للمدنيين ولم تتنزل على الأرض. وسيستدعي هذا التطور نفسه، من الجانب الآخر، من المجتمع المدني وأهل الاختصاص التوافر على تصميم شبكة للطاقة تتحسب لانفلات الحرب مما راعته تقليدياً حول حماية مقار الخدمات الإنسانية، لا العودة كما كانت. فلن تنجح الحكومة، أو أي حكومة، في توفير الطاقة على المدى الطويل إذا كان ما تنشئه اليوم من محطات طاقة، كما يطالبها نقادها، يهدمه خصمها غداً بمسيرة لا تسوى.
