ساطع نورالدين… كاتب وباحث لبناني
يوماً بعد يوم، تنحدر الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران في مسار لامنطقي ولا عقلاني، لا يخضع لآي من أدوات التفسير والتحليل التقليدية المبنية على القوانين والتقاليد الدولية، والمجافية لحسابات المصالح والمكاسب العملية، ما يجعلها أشبه بحروب القراصنة، التي كانت، ولا تزال تدور منذ قرون في أعالي البحار، الاسيوية والافريقية، وحتى اليوم، وباتت تضم مياه الخليج العربي الضحلة ومضيقه الخانق.
تجدد تلك الحرب الآن، بعد هدنة مفاجئة قبل أقل من شهر، هو بمثابة نقض تام لكل النظريات الخيالية التي شاعت عندما وجه الاميركيون والإسرائيليون ضربتهم الجوية الأولى على طهران في 28 شباط فبراير الماضي، عن تشكل نظام عالمي جديد، محوره تصعيد الصراع الأميركي مع الصين، وروسيا، وصياغة شرق أوسط جديد، يبدأ بتغيير النظام في إيران، تمهيداً لتعديل موازين القوى الإقليمية التي تشمل تركيا.. بناء على خطوط إمداد الطاقة وأسعارها، وعلى أفكار أميركية وهمية شبيهة بتلك التي راجت في العالم كله في أعقاب هجمات 11 أيلول سبتمبر 2001، وأنتجت حربي أفغانستان والعراق، وحركة إصلاح سياسي في العالم العربي سرعان ما خبت ولم يبق لها أثر.
الحرب الحالية التي اندلعت بحجة درء خطر نووي إيراني وهمي، تحولت بسرعة فائقة الى صراع على صورة ومكانة وهيبة الدول الثلاث التي تخوضها، والتي استطاعت ان تحتوي العواقب الوخيمة، الاقتصادية والعسكرية التي كادت توحي بأن الكرة الارضية على وشك الانغماس ولو بدرجات متفاوتة في حرب عالمية ثالثة، تكهن البعض بانها يمكن ان تشمل اللجوء الى أسلحة الدمار الشامل، والتسبب بكارثة اقتصادية عالمية تفكك مراكز القوى الكبرى، وتنشر الفوضى والفساد في مختلف دول العالم ، وتعمم الفقر والجوع في بلدان الجنوب كافة.
الخرائط الجديدة التي نشرت للشرق الأوسط لا تنفك تصدر كل يوم، وتنذر بما هو أسوأ مما رُسم في اعقاب الحرب العالمية الثانية، على الرغم من انها لم تلحظ التوسع الذي أدخلته إسرائيل على حدودها مع غزة والضفة الغربية وسوريا ولبنان، وهو تعديل خطير، سابق للحرب الأميركية الإيرانية، ولا يخضع لأي من وقائعها اللاحقة. فضلا عن ان حدود إيران لم تتعدل، ولم يكن خطر التقسيم جدياً. كما ان تركيا لم تضطر الى تعديل أي من تطلعاتها الإقليمية، سواء نحو الشرق الإيراني او نحو الجنوب العربي.
اليوم تدخل الحرب مرحلتها العبثية الأشد وضوحاً، من دون أي أفق لتغيير النظام الإيراني ولا تعديل السلوك الأميركي أو التفلت الإسرائيلي، سواء بالضربات الصاروخية او الانتخابات التشريعية.. بل فقط بالاعتماد على بورصات الأسهم وأسعار النفط والسلع العالمية، التي ترتفع وتهبط حسب مشيئة القرصان الأميركي الأكبر دونالد ترامب ، ورغبة القراصنة الصغار في طهران الذين انتبهوا متأخرين الى أن مضيق هرمز هو وديعتهم الأثمن من البرنامج النووي وغباره. ودخلوا الأسواق من بوابتها الاهم.
لا كلام بعد اليوم عن استراتيجيات أميركية تدير الحرب ، بعدما جرى استبعاد الصين وروسيا وأوروبا من الصراع على الخليج العربي ، بأساطيل بحرية فائقة القوة ولا تستمد شرعية مهامها من قوانين البحار ولا من المرافئ والمدن الأميركية التي تتابع وقائع الحرب من بعيد كما لو انها تشاهد استعادة لسلسلة أفلام القراصنة المستوحاة من وقائع جرت، ولا تزال تجري، على السواحل الشرقية للقارة الافريقية، والسواحل الجنوبية للقارة الاسيوية، وبعض سواحل اميركا اللاتينية.
ليس هناك مؤسسة او هيئة او منتدى عالمي يناقش تلك الحرب وأبعادها وآفاقها. حتى في أميركا نفسها، أغلق النقاش تماما حول كلفة التورط في حرب عدمية، وحول آثار مثل هذه الحرب على الناخب الأميركي الذي لا يزال، لحسن الحظ، يجادل في حرب الإبادة على غزة، أكثر مما يجادل في الحرب مع إيران، وكلفتها التي كان يخشى ان تكون كارثية، لكن ثبت انها إختبار سهل للقوة والزعامة الأميركية في العالم.
من الآن فصاعداً، ضاق أفق الحرب (العالمية المزعومة) وإتسع مداها الزمني. صار قراصنة واشنطن وطهران يخرجون الى البحر، لصيد الناقلات والسفن التجارية العابرة لمضيق هرمز، الذي سيظل يفتح حيناً ويغلق أحياناً، ويتوقفون على سواحل الدول الخليجية الخمس الصغرى، سلطنة عمان والامارات العربية والكويت والبحرين وقطر، لتحصيل الجزية، والاستعداد لمواصلة حرب المئة عام الخليجية.
بيروت في 12 / 7 / 2026