ساطع نورالدين.. كاتب وباحث لبناني
حلف شمال الأطلسي لا يتمدد، وحلف بغداد لا يتجدد: حلف مكّة الثلاثي، هو التحول الاستراتيجي الأهم الذي يشهد العالم ولادته من رحم حرب إقليمية كبرى، فاشلة، والذي يعلن بما لا لبس فيه ان السعودية تحررت من الاعتماد المطلق على أميركا، في الحرب كما في السلم، وصدّت أحلام إسرائيل بالمساهمة في صنع الشرق الأوسط الجديد..وقدمت خياراً بديلاً، هو الوحيد الممكن، لوقف حرب الاستنزاف الخليجية الراهنة، واحتواء إيران بالأسلوب نفسه الذي جرى فيه احتواء الاتحاد السوفياتي..قبل تفكيكه.
الخطوة السعودية متقدمة، وعلى هذا القدر من الأهمية الاستراتيجية: أميركا أخفقت في إدارة الحرب الأكبر التي تخوضها منذ الحرب العالمية الثانية، والتي ارتكبت فيها من الأخطاء العسكرية ما لا ترتكبه دولة من العالم الثالث، مثلما أخفقت ولا تزال في إدارة التفاوض مع إيران، التي تشعر الآن ان الحرب هي فرصتها لإعادة فرض هيمنتها على دول الخليج العربي. القوة الأميركية الفائقة بلغت ذروتها في محاولة فرض الاستسلام على دولة انتحارية، وجاهرت بعجزها عن المضي قدما في المواجهة العسكرية، (نتيجة نقص الصواريخ الأميركية المضادة لصواريخ إيران المتناقصة أيضا) وعدم رغبتها باللجوء الى قواتها البرية، التي سبق ان استخدمتها في حرب خليجية سابقة أقل أهمية بكثير من الحرب الحالية، وتمكنت بسرعة من اسقاط النظام العراقي.
الاخفاقات الأميركية التي أوقعت العالم كله في كمينٍ إيرانيٍ محكمٍ نصب في مضيق هرمز، وضعت الاميركيين أمام خيار وحيد هو البحث اللاهث عن مخرج سريع وآمن من الحرب، بغض النظر عما يوفره هذا المخرج من حماية لدول الخليج العربي..هي وحدها التي دفعت السعودية الى طلب الاستعانة بالمظلة التركية والباكستانية، العسكرية والسياسية والحصول على استجابة فورية من الدولتين القويتين، اللتين تعانيان أيضاً من فوضى الإدارة الأميركية للحرب، ومن احتمال ان تتصرف إيران كقوة إقليمية كبرى تستطيع التحكم بخطوط النفط والسياسة في الشرق الأوسط.
لكن ذلك الحلف الثلاثي لا يسد فراغاً أميركياً ملموساً، في الخليج العربي يمكن ان يصل الى حد إغلاق القواعد العسكرية الأميركية التي تعرضت لضربات إيرانية مباشرة، ونقلها الى إسرائيل حسبما هو متداول في واشنطن حاليا، وبناء على عقيدة معلنة ( مشروع 2025 الشهير) تقلص أهمية منطقة الخليج للمصالح الأميركية. كما أنه لا يرفع مرتبة إيران وقيمتها الى مستوى الاتحاد السوفياتي، وبالتالي لا يستدعي تعبئة بعيدة المدى لحرب باردة مع الجمهورية الإسلامية، تبدأ باحتوائها وتنتهي باسقاطها.
كلمة السر الان هي الاحتواء. والمهمة أسهل بكثير من التجربة السوفياتية، برغم ان النظام الإيراني، شمولي، عقائدي. إيران دولة محاطة من كل جانب بدول حاربتها او نبذتها او خاصمتها، بما فيها تركيا وباكستان بالذات، برغم ان هاتين الدولتين تساهمان حاليا في تزويد إيران بحاجاتها الأساسية من المواد الغذائية التي ندرت في الأسواق الإيرانية نتيجة الحصار الأميركي. لمصلحة تركيا وباكستان ان تتواضع إيران، وان تعود الى داخل حدودها وان تتوقف عن اطلاق الصواريخ والميليشيات في كل اتجاه. وهي مصلحة تترفع على الكلام السطحي والساذج عن ان الحلف الثلاثي هو حلف مذهبي، موروث ومتجدد..لا يبغي سوى إنهاء التشيع الإيراني، الذي ليس له أساس في علاقات وصراعات عالم اليوم.
أما بالنسبة الى إسرائيل، فإن الحلف الثلاثي ينهي الى حد بعيد مغامراتها الخليجية التي بلغت حد التبرع في توسيع قبتها الحديدية الى دولة الامارات خلال الأسابيع الأخيرة من الحرب الراهنة، في خرق للضوابط والمحاذير الخليجية نفسها..التي لن يكون بإمكان أحد إنتهاكها، بوجود تركيا التي ستحرص على توسيع الهوة بينها وبين إسرائيل، وبوجود باكستان التي لا تعترف أصلاً بدولة إسرائيل.
الشروحات الرسمية التركية الأولى تحدثت عن حلف عسكري ثلاثي يشبه في بنيته التنظيمية حلف شمال الأطلسي يمكن ان يستوعب دولا عربية أخرى مثل مصر والأردن، ودولا خليجية تطرق الآن باب الدخول بإلحاح. لكنه لن يكون حلفاً لخوض الحرب، بل لاحتوائها، والحؤول دون السماح لإيران بإختبار الحلفاء الثلاثة على جبهات القتال. ولعل في ذلك ما يقنع القادة الإيرانيين المتنافسين في ما بينهم هذه الأيام، بأن الحلف نفسه، الذي سبق لطهران ان طالبت بمثله مراراً وتكراراً لضمان أمن الخليج من قبل بلدانه، هو نافذة جديدة تحتمل رفع الحجر عن بلادهم يوما ما.
بيروت في 10 / 8 / 2026