خليل حسين محرر بموقع السفينة.
.لم يكن غياب الدور الكردي عن البرلمان السوري الجديد مجرد تفصيل سياسي عابر، بل جاء تتويجاً لمسار يتجه نحو تهميش الحضور الكردي في مؤسسات الدولة الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس من جلس تحت قبة البرلمان، بل من غاب عنها، ولماذا غاب.
من السهل أن نتجه بأصابع الاتهام إلى دمشق، وأن نحمل السلطة الجديدة مسؤولية إقصاء الكرد من معادلة الحكم. ومن المشروع أيضاً أن نتساءل عن تأثير الحسابات الإقليمية، وفي مقدمتها الموقف التركي، الذي لا يخفي رفضه لأي صيغة تمنح الكرد في سوريا خصوصية سياسية قد تُفسَّر على أنها سابقة يمكن أن تنعكس على القضية الكردية داخل تركيا. ومن المعروف أن الخطاب السياسي المتداول في تركيا خلال المرحلة الأخيرة ركّز بصورة كبيرة على مفهوم المواطنة والحقوق الفردية، مع التحفظ على أي ترتيبات تُفهم باعتبارها اعترافاً بكيانات أو خصوصيات سياسية ذات طابع قومي.
لكن، هل تكفي هذه العوامل وحدها لتفسير ما جرى؟
هنا تبدأ الأسئلة الأصعب، وهي الأسئلة التي غالباً ما يتهرب منها الجميع.
أين كان الموقف الكردي الموحد؟ وأين المشروع السياسي الجامع الذي يخاطب السوريين جميعاً، قبل أن يخاطب الكرد؟ وكيف تحولت الساحة الكردية، خلال سنوات مصيرية، إلى فضاء من الانقسامات والاستقطابات، بينما كانت القوى الأخرى تعيد ترتيب مواقعها في الدولة الجديدة؟
لقد اعتادت النخب السياسية الكردية، في كثير من المحطات، تفسير الإخفاقات بعوامل خارجية: مؤامرات، وضغوط إقليمية، وتفاهمات دولية. ولا شك أن هذه العوامل موجودة ومؤثرة، لكن اختزال الأزمة فيها وحدها يحجب جانباً لا يقل أهمية، وهو مسؤولية الأداء السياسي الكردي نفسه. فحين تغيب الرؤية المشتركة، وتضعف المؤسسات، وتتقدم الحسابات الحزبية على المصلحة العامة، يصبح التهميش نتيجة محتملة، لا مجرد مؤامرة خارجية.
إن القضية الكردية في سوريا تستحق خطاباً سياسياً جديداً، يتجاوز ثنائية التخوين والتبرير، وينتقل من ثقافة لوم الآخرين إلى ثقافة النقد الذاتي. فالشعوب لا تبني مستقبلها بالبحث الدائم عن المتهم، بل بالبحث عن أسباب الفشل وكيفية تجاوزها.
لقد تغيرت سوريا، وتتغير معها موازين القوى في الإقليم. وإذا أراد الكرد أن يكونوا شركاء حقيقيين في مستقبل البلاد، فإن ذلك يتطلب إعادة بناء البيت السياسي الكردي، وصياغة مشروع وطني ديمقراطي يجعل من الحقوق الكردية جزءاً من مشروع الدولة السورية، لا قضية معزولة عنها.
فالسياسة لا تعترف بالفراغ، ومن يغيب عن مؤسسات الدولة، أو يعجز عن التأثير في صياغة مستقبلها، يترك للآخرين حق رسم ذلك المستقبل.
ولعل السؤال الأهم اليوم ليس: من همّش الكرد؟ بل: ماذا فعل الكرد، وماذا لم يفعلوا، حتى انتهى بهم الأمر إلى هذا الغياب؟
إنه سؤال مؤلم… لكنه السؤال الذي لا بد من طرحه، إذا كان الهدف ليس تسجيل المواقف،
بل استعادة الدور.الأمم التي تمتلك شجاعة مراجعة ذاتها، لا تخشى الاعتراف بأخطائها؛ لأن الاعتراف بالحقيقة هو الخطوة الأولى نحو استعادة المكانة. أما تعليق كل الإخفاقات على شماعة الآخرين، فلا يصنع مستقبلاً ولا يبني شراكة في وطن يتشكل من جديد.”