لم يسبق أن تغيّر السؤال المحيط بـ”الحزب”، منذ عام 2000 على الأقل، كما تغيّر في الشهرين الماضين. لم يعد السؤال عن إسناد إيران وأذرعها في الجبهات الأخرى، بل عما يمكن للمحور أن يسنده به إذا ما هوجم “الحزب” في تلّة علي الطاهر أو سواها.
ينشغل خطاب “الحزب” الموجّه إلى بيئته وجمهوره بهذه الرسالة تحديداً: “المحور لن يتركنا”. كان ذلك فحوى ظهور الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي على قناة “المنار”. قال إنّ إيران ملتزمة بالدفاع عن لبنان (الحزب) لمنع إسرائيل من التقدم إلى الجنوب والضاحية.
قبله، تحدث نائب رئيس المجلس السياسي في “الحزب” محمود قماطي عن لقاءٍ عُقد مع الحوثيين في طهران على هامش تشييع المرشد علي الخامنئي، سمع خلاله الحزب تعهداً بدعمه إذا ما تعرض لهجوم إسرائيلي. وخرج العديد من نواب “الحزب” وألسنة حاله في الإعلام ليتحدثوا عن “تهديد” أُبلغته بغداد إلى دمشق بأن الفصائل الموالية لإيران ستهاجم سوريا إذا ما تدخّلت عسكرياً في لبنان. ويُعطف كل ذلك على فكرة مركزية ينادي بها “الحزب” مفادها أنّ ربط المسار التفاوضي اللبناني بالمسار الإيراني الأميركي يوفر مظلة حماية للبنان، أي للحزب.
بغض النظر عن المبالغة في توصيف إمكانات المظلة الخارجية التي يوفرها المحور، يشير مجموع هذه الرسائل إلى مدى التغيّير الذي طرأ على رصيد “الحزب” الاستراتيجي والعسكري، وتالياً السياسي، في عالم ما بعد حربي الإسناد.
ظلّ “الحزب” حتى وقتٍ قريب درّة منظومة الأذرع الإيرانية، والفيلق الذي يتدخل حيثما يأتيه التكليف الشرعي، قتالاً وتدريباً وإعلاماً وعمليات أمنية، من سوريا إلى اليمن والعراق والكويت ومصر وأوروبا. كان أمينه العام الراحل السيد حسن نصر الله يتوسّط بين الفصائل العراقية لتشكيل الحكومات، وكانت أجهزة نظام الأسد لا تجرؤ على الاقتراب من حواجزه في دمشق. وكان لبنان الساحة الآمنة لاستضافة معسكرات تدريب الحوثيين وإعلامهم.
استثمار خارج الحدود
كان ذلك أنجح استثمار عسكري وأمني وعقائدي لإيران خارج حدودها، مستنداً إلى عقيدة استراتيجية توضّحت معالمها في التسعينات بعد انتهاء الحرب مع العراق، حين بدا لنظام الملالي أنّ نظام الأذرع يعوّض عدم التكافؤ العسكري والاستراتيجي مع الولايات المتحدة. وأثبت الاستثمار جدواه من المنظور الإيراني، في كل الأدوار العسكرية التي أُسندت للحزب خلال المحطات المفصلية، بدءاً من الغزو الأميركي للعراق في 2003، وامتداداً إلى الثورة السورية وحرب اليمن.
غير أن محطة 7 أكتوبر أحدثت زلزالاً جيوسياسياً غير محسوب. بات مؤكداً أن تلك العملية لم يُتخذ قرارها بشكل مركزيٍ على مستوى المحور، ولذلك كان الإرباك كبيراً في التعامل معها. كان الإسناد ورطة غير مأمونة النتائج، لكن الإحجام عن الإسناد لم يكن ممكناً، لأنه يسقط “التبشير” السياسي والعقائدي الذي قام عليه المحور من أساسه.
أتت الحرب الأخيرة على إيران لتوضح حجم المأزق الذي يحيط بالحزب. لم يكن بإمكانه الإحجام عن أداء وظيفة التدخل في حرب مصيرية كهذه، وهنا بدا أنّ دوره الوظيفي لم يعد في حيّز الممكن. ناهيك عن الدور التكتيكي في إسناد العمليات العسكرية الإيرانية، خسر “الحزب” في هذه الحرب النسق الأول من خطوطه الدفاعية بالكامل، وبات في موقع الدفاع عن النسق الثاني، وخسر هيمنته على القرار الرسمي اللبناني. تحوّل “الحزب” من ذراعٍ إيرانية ذات وظيفة إقليمية إلى ذراعٍ عالقة بين فكّي التمساح، أقصى ما يمكن لإيران أن تطمح إليه أن يخرج منهما سليماً.
بات مسؤولو “الحزب” أكثر صراحة مع جمهورهم في الإقرار بالواقع الجديد. أقر القيادي الأمني وفيق صفا بأنّ الحزب “خسر السيّد، وخسر القوة الصاروخية الكفيلة بهدم أبنية بكاملها” في إسرائيل، وخسر خط الإمداد عبر سوريا. وما هو معروف حكماً أنه خسر قدرته على تهديد المستوطنات في الجليل. انهار توازن الردع الذي ظلّ يشكل المادة الخطابية لنصر الله على مدى عقدين، وانهار عمق الإمداد الذي كان حاسماً للصمود في حرب تموز 2006. ولم يبق بيد “الحزب” إلا المسيّرات لاستنزاف العدو، ومن الواضح أنها ليست كافية لقلب معادلة الحرب والتفاوض.
الخطوط الحمراء من الرمال..
هكذا تحوّل خطاب الردع لدى “الحزب” من الداخل إلى المحور. يقول مسؤولوه في رسالتهم الجديدة إنّ “الحزب” ليس وحيداً، وإنّ النجدة ستأتي من الحوثيين والفصائل العراقية وإيران نفسها إذا تجاوزت إسرائيل الخط الوجودي الأحمر. غير أنّ هذا الخط مرسّم في الرمال. قيل في مرحلة ما إنه محيط بمنشآت علي الطاهر، ويقال الآن إنّ إسرائيل تبالغ في تصوير أهمية هذا الموقع، وإنّ الخط الأحمر الأهم هو في جبل الريحان.
في كل الأحوال، يبدو هذا الخطاب أقرب إلى ضخ المعنويات. ليست الفصائل العراقية مطلقة اليد في الامتثال للتكليف الإيراني. اختبرت طهران إمكانية استخدامها ضد السعودية فجاءها الردّ قاسياً، وحصر سلاحها محل صراع سياسي كبيرة في الداخل العراقي والخارج، وليست اللحظة ملائمة لخوض أي حرب لصالح المحور في أي ساحة أخرى. وأما الحوثيون فلهم مهمتهم الوظيفية الخاصة في هذه المرحلة، وقد بدت حدود القدرة على استخدامهم.
تبقى الحيرة الاستراتيجية لدى “الحزب” في التعامل مع الكوّة التي فتحها الأميركيون للتفاوض معهم. يرى بعض “الحزب” فيها فرصة لتنحية الدولة والجلوس مكانها على مائدة التفاوض الدولي، ويخشى بعضه الآخر أن يكون التفاوض فخّاً لفصله عن بنيته الوظيفية في المحور الإيراني، أو لجعله يجلس كما جلست “حماس”، محاوراً حول الضمانات المطلوبة للتخلي عن سلاحه، وربما ما هو أكثر.
