
حمزة رستناوي
كاتب وشاعر
من يبحث في سوريا عن «كردستان» أو «درزستان» أو« سنستان» أو «علوستان»، إنما يبحث عن وهمٍ في المكان الخطأ. ففي الدول الحديثة المحترمة لا تُمنح الحقوق السياسية للجماعات بوصفها جماعات، بل للأفراد باعتبارهم مواطنين متساوين أمام القانون. وعندما لا يتحقق هذا المبدأ، يكون الطريق المشروع هو النضال السياسي المدني السلمي من أجل إصلاح الدولة، لا الهروب إلى خرائط متخيلة تُقسِّم المجتمع وتؤسس لصراعات جديدة.
لا يستقيم الجمع بين حبّ سوريا وأي كيان سياسي بديل داخل قلب واحد. فالوطن ليس رقعة تُقاس بالمساحات والحدود، بل رابطة مواطنة تتّسع لجميع أبنائه، عرباً وكرداً ودروزاً وسواهم، من دون تمييز قومي أو ديني. الانتماء الوطني الحديث لا يُلغي الخصوصيات الثقافية، لكنه يضعها في إطار دولة واحدة ذات سيادة واحدة وقانون واحد.
تقوم هذه الرؤية على تمييز أساسي بين الملكية والسيادة. الملكية العقارية حق فردي أو تجاري تثبته سجلات الدولة، أما السيادة فهي مفهوم سياسي–قانوني مرتبط بوجود الدولة الحديثة. في عصور ما قبل الدولة كان ممكناً الحديث عن “أرض لقبيلة” أو “جبل لطائفة” أما اليوم فلا توجد في سوريا أرض لقومية أو طائفة، بل أرض سورية واحدة، لكل مواطن فيها حصة اعتبارية متساوية في كل شبر من أراضيها، بينما تبقى الملكيات خاصة وفردية مُوثقة في السجلات العقارية.
تُستحضر “الأرض التاريخية” كثيراً في الخطابات القومية والطائفية بوصفها مصدراً للشرعية السياسية. غير أن هذا الاستحضار غالباً ما يكون انتقائياً، يقتطع من الماضي ما يخدم سردية الحاضر ويتجاهل ما عداها. هكذا يتحول التاريخ المشترك للشعب إلى أداة إقصاء، ومن ذاكرة جامعة إلى سلاح في صراع سياسي.
لا يمكن إنكار أن سوريا تمرّ بمرحلة هشّة: دولة منهكة، مجتمع مجروح، خوف جماعي متبادل. في مثل هذا السياق، يُفهَم انكفاء بعض الجماعات نحو هوياتها القومية أو الدينية طلباً للأمان. لكن تحويل هذا الانكفاء إلى مشروع سيادي مغلق سوف يقوّض إمكانية قيام دولة مستقرة، ويحوّل التنوع من رصيد اجتماعي إلى مصدر نزاع دائم.
هنا تقع مسؤولية كبيرة على عاتق السلطة المركزية في بناء نظام حكم ديمقراطي تشاركي، يقوم على المواطنة المتساوية، ويعترف بالحقوق الثقافية للعرب والكرد والدروز وغيرهم ضمن إطار وطني جامع.
زرتُ أحد المعارف في المهجر فوجدته يعلّق خريطة “كردستان” و التي تشمل كامل الشمال السوري وصولا حتى البحر المتوسط. سألته: لكن هذه المناطق لا يشكل فيها الكرد أغلبية سكانية. أجاب: هذه أراضٍ كردية تاريخياً قبل أن يسكنها الآخرون. وحين سألته عن وصول حدود “كردستان” إلى البحر، قال: لا بد لدولتنا من ميناء على المياه الدافئة.
النقاش في مثل هذه اللحظات يصبح عبثياً؛ إذ يمكن لأي شخص أن يرسم الخريطة التي يرغب بها، وأن يمدّها أو يقلّصها وفق موازين السيطرة والخيال السياسي. وقد شهدنا كيف تتمدد الخرائط أو تنكمش تبعاً للظروف. بعد تراجع سيطرة “قسد” في الرقة ودير الزور، حُذفت تلك المناطق من بعض الخرائط المتداولة. وفي مرحلة أخرى، حين اتسع نفوذها شمال وغرب حلب، جرى ضم مدينة حلب إلى خريطة كردستان.
وقد نشر مركز «روج آفا للدراسات الاستراتيجية» عام 2016 دراسة تاريخية لأمين عليكو واسماعيل بريم بعنوان «الأهمية الاستراتيجية لمناطق حلب الشهباء» تسعى في إثبات الأصل الكردي للمحافظة، وأن أصل تسمية مناطق الشهباء كردي ويأتي من «شاه- با» والتي تعني هواء الملك، وأن تسميتها تعود لعام 2400 قبل الميلاد. كما تزعم الدراسة بأن الكرد هم السكان الأصليون للمدينة قبل ما سمّي بحملات التعريب!
لكن الظاهرة لا تخص القومية الكردية وحدها. يكفي أن نتذكر خريطة “الوطن العربي الكبير” في كتب التربية القومية، وكيف كانت تمتد من المحيط إلى الخليج، ثم تُحذف منها مناطق أو تُضاف إليها أخرى وفق التحالفات السياسية. تم حذف “الأهواز/ عربستان” من خرائط “الأراضي العربية المستلبة” عقب تقارب سياسي مع نظام ولاية الفقيه في إيران، كما جرى تعظيم الانتماء القومي العربي على حساب الانتماء السوري، بحيث عرف كثير من السوريين عن أوضاع بلدان عربية بعيدة أكثر مما عرفوا عن جيرانهم السوريين الكرد أو الآشوريين مثلاً!
أتذكر قسم طلائع البعث: «كن مستعداً دائماً لبناء الوطن العربي الاشتراكي الموحّد». كان هذا الانتماء الفوق-وطني يُخفي عجزاً داخلياً عن بناء وحدة وطنية سورية، حيث تتحول الشعارات الكبرى والخرائط إلى تعويض نفسي عن قصور الدولة.
تسوق جماعات سياسية (سنّية) كتنظيم القاعدة وداعش وحزب التحرير الإسلامي لأولوية الانتماء الديني على الانتماء الوطني السوري، متناسيين أن الإسلام -في تفسيراته الحيوية- لا يتعارض مع انتماء الانسان لبلده ووطنه! حيث أن مصالح السوري المسلم مع جاره المسيحي مثلاً أكبر من مصالحه مع مسلم سنّي يقيم في بنغلادش أو نيجيريا مثلاً!
الأمر ذاته يظهر في بعض خطابات الموحدين الدروز التي تقول إن “الدروز لم يهاجموا أحداً، بل الحكومة هي من هاجمت السويداء أو الأحياء الدرزية في دمشق”. ينطلق هذا المنطق من مساواة الجماعة الأهلية بالدولة، ومن افتراض ملكيتها الحصرية لبقعة جغرافية. كما أن الخريطة الديمغرافية تتغير عبر الزمن، فقبل حوالي 200 سنة لم يوجد دروز في جبل العرب مثلاً!
ثم إن وجود أغلبية في حيّ أو محافظة لا يُلغي الحاجة إلى الدولة: إلى الكهرباء والماء والخبز، إلى شهادات الميلاد والجامعات والوظائف، إلى شبكة مصالح متداخلة لا يمكن إدارتها بمعزل عن بقية المجتمع. الدولة الحديثة ليست نقيض الخصوصيات الثقافية، بل هي إطارها الضامن.
إن مشروعية الدولة السورية الحديثة يجب أن تستند إلى مبدأ واضح: أرض واحدة، سيادة واحدة، ومواطنة متساوية. كل خطاب يتجاوز هذا المبدأ، مهما استند إلى التاريخ أو الهوية، يظل عائقاً أمام الاستقرار. ما نحتاجه ليس خرائط جديدة، بل عقداً اجتماعياً جديداً؛ ليس استدعاء الماضي لتقسيم الحاضر، بل إدارة رشيدة عادلة تدمج الجميع في دولة قانون. وحده هذا الطريق يحرر السوريين من وهم الكيانات المُتخيلة، ويمنحهم وطناً حقيقياً يتسع للجميع.
المصدر جريدةالثورة