لعل أول وأكثر ما يستوقفنا في المجموعة الشعرية “خط متقطّع” (دار النهضة العربية، 2026) للشاعرة ليندا نصّار (لبنان) هو العزلة التي تسير على خط غير متقطع من إهداء الكتاب: “إلى اللّاأحد”؛ وإلى ديباجة الكتاب التي تعلن فيها نصّار عن محاولتها ملء الوحدة بالكلمات: “مرت ست سنوات وأنا أبحث بين الجزر عن كلمات مفقودة أبدأ بها، لعلّي أتصالح مع الوحدة. سعيت إلى رسم خطّ أردته مستقيمًا، ليكون جسرًا بين ضفتيّ الفراغ والكتابة، لكن المحاولة كانت تنتهي في كل مرة إلى مزيد من التيه في المسافات”. واللّاأحد الذي تهديه ليندا نصار كتابها هو كائن الفراغ الذي يقف في منتصف غرفتها وفي منتصف وحدتها. وهو الشعور نفسه الذي يتمدد على طول زمن الشاعرة التي نشرت ديوانًا كاملًا عام 2017 ونال “جائزة جنان خليل للشعراء العرب الشباب” بعنوان “لأني في عزلة”.
إذًا تستوقفنا العزلة، “الحب جدار آخر للعزلة/ أختار موتي بالتقسيط…”؛ “أنا بين/ شجرة وعزلة ولحظة أبدية/ يبدو أني تأخرت عنها بأعوام”؛ “مضيت بعينين مغمضتين/ عارية من الحب/ مليئة بالعزلة”، وغيرها العديد من الصور الشعرية عن هذه الثيمة التي تتأمل ليندا من خلالها العالم وتبدو كما لو أنها تتويج للخلفية التي تحيا فيها، من أحاسيس غير ظاهرة وخيبات غير معلنة وأشخاص رحلوا ولا تزال تحملهم في دواخلها.
إلا أن الشاعرة تحاول أن تنفض عنها هذا العالم في محاولة منها لابتكار مشهد بديل أو “فصل آخر للحياة” كما تعنون إحدى قصائدها، تقول فيها: “في حياتي ارتكبت الكثير من الحماقات/ غيّرت مزاجي ورميت عاداتي التي لم تشبهني: أطباع عزلتي…/ الوسواس القهري/ رميت نفسي من الأعلى/ لم يعد شيء يقلقني/ شاعرة بدوام كامل وبراتب مزاجي”. نص يقوم على مفارقة بين الاعتراف بالفوضى والاحتفاء بالتحرر منه، وتظهر العزلة ككيان قائم بذاته في ذات الشاعرة وليس مجرد نتيجة حدث أو ظرف عابر. أما السقوط الذي تعنيه الشاعرة فهو التخلص من الماضي الذي يقلقها وكأنه موت رمزي للذات السابقة.
ويتجلى دفق تأمل الشاعرة في العالم في قصيدة “الحياة ممكنة”، وهي من أجمل قصائد المجموعة، برأيي، وكأن ليندا تبحث هنا عن أي طريقة للشعور بأن الحياة ممكنة، وسط صراع داخلي تحيا فيه. لكن متن هذه القصيدة يشير إلى شيء معاكس تمامًا إذ أنها تسير بين القبور لتتصالح مع نفسها ومع الحياة. وكأن اختيارها لهذا العنوان هو لكشف شروط إمكانية الحياة. فالتصالح مع الحياة يفترض أن تتخلى الشاعرة عن أحلامها بنفس طريقة التخلي في نصّها المذكور سابقًا؛ وهي تقول في “الحياة ممكنة”: “النوم بهدوء/ يحتاج إلى أحلام محترقة/ يحدث أن تلكزني روحي الأخرى لنترافق بين القبور/ أتصالح معها/ هذه الحياة لا تتسع لأحلامنا/ عند حافة القبر مرآة لعمري/ الوجوه الضاحكة كثيرة فيها/ والوجوه الباكية أيضًا/ رهاب كتابة الكتابة/ الحب/ الأماكن المفتوحة/ رهاب المشاعر المفتوحة“. و”حافة القبر” ليست تفصيلًا عابرًا، بل تكاد تكون المركز الرمزي للنص كله، الحافة بين عالمين، وهو المكان حيث تقيم الشاعرة. كما أن ثمة علاقة قلقة تنشأ في القصيدة بين الأماكن المفتوحة والمشاعر المفتوحة وكتابة الكتابة. فالأماكن المفتوحة تشير إلى غياب الحدود مع العالم، والمشاعر المفتوحة هي انكشاف الذات. كما أن تكرار كلمة “مفتوحة”، ليس تكرارًا عابرًا، إنه ينقل النص من الفضاء المفتوح إلى الشعور المفتوح والنص المفتوح، وفي كل انتقال يزيد الانكشاف ويصبح “الرهاب” استجابة طبيعية لهذا الاتساع. وتعبير “رهاب كتابة الكتابة” هو أكثر من تناقض لغوي جميل، فهو يقع في خانة مواجهة الكتابة نفسها، ويكشف عن مأزق إبداعي ووجودي. فالخوف ليس من الكتابة كفعل تقني، وإنما من أن تكون الكتابة نفسها قادرة على إزالة الحدود مع العالم وكشف الذات بما تخفيه.
غير أن قلق الشاعرة في قصيدة “جدوى الحرب” يتخذ بُعدًا آخر، فصاحبة “إيقاعات متمردة” تتأثر بالحرب الإسرائيلية على بلادنا وتتكرر صور الحرب في مجموعتها، وما يحدث حولها لا يتلاشى بل يستقر فيها؛ إذ أن العيش في مدن قلقة وتحت وطأة أصوات الطائرات ووسط مجازر تتكرر كل يوم، كل ذلك سيتجلى بلا شك في لاوعينا، شئنا أم أبينا، وهذا ينطبق على الشاعرة. ونحن نقرأ لها قصيدة “جدوى الحرب”: “سأكتب عن طفل سألني: لماذا الحرب/ عن روائح الدم، عن الأرواح المظلومة، عن…/ سأكتب… ولن تجدوا في كتابتي نفعًا/ حتى الكلمات صارت أشباحًا ترفرف في الفراغ / فما جدوى الكتابة/ وما جدوى الحرب؟“. تكتب ليندا نصار وتضع نقاطًا (…)، وعلامات الحذف هنا ليست مجرد توقف أسلوبي، إنها تمثيل للّحظة التي تصطدم فيها اللغة بحدودها. وموضوع هذه القصيدة بقدر ما هو الشعور بالعجز عن فهم الحرب وفعل أي شيء إزاءها هو أيضًا الشعور بعجز الكتابة. فالقصيدة لا تجيب عن سؤال الجدوى، وإنما تجعل من العجز نفسه موضوعًا لها. وربما هنا تكمن قيمتها، فوظيفة الشعر ليست دائمًا أن توقف الحرب أو تعيد الموتى، وإنما أن ترفض أن يسمح للألم بأن يتحول إلى رقم أو خبر عابر أو صمت كامل. وهو نفسه ما تعبّر عنه الشاعرة الأميركية أدريان ريتش في قصيدتها “في انتظار المطر، في انتظار الموسيقى”، إذ تقول: “راكبٌ يتأرجح داخل سيارة هاربة/ يمسك بكفّه دفترًا/ خُطّت فيه كتابة خط مهرّب ضد الحرب/ الشعر يخوض حربًا ضد نفسه”. فالشعر لا يقف خارج الأزمة؛ الشعر نفسه يصبح جزءًا من الأزمة.
ويتجلى قلق الشاعرة نفسه في قصيدة “كيف تحيا في بلاد الحرب؟”، تقول فيها: “معلّق على قارعة الوقت الأخيرة/ نصفك يطلّ من شرفة الدخان/ ونصفك الآخر يلوذ بالحبر/ كأنك لست هنا تمامًا/ أشياؤك تلمع من تحت الركام/ وتناديك من غيابها/ كيف تحيا؟/ وأنت تدرّب حواسك على عدّ العابرين/ تختبئ منك/ ولا جواب“. فالعودة إلى الحرب هنا أعقبها تشريح إلى ما تتيحه الحرب لنا من مشهديات وأحاسيس. فها هي ليندا نصار تدرّب نفسها على أكثر المشهديات قسوةً وأسىً وحضورًا “عدّ العابرين”، إنهم أولئك الذين تأخذهم الحرب معها. غير أن فعل “العدّ” يكشف عن تحوّل عميق في وظيفة علاقة الإنسان بالعالم، لم تعد الحواس معنيّة بالحياة في تنوّعها بل أصبحت في حالة ترقّب، تتبعها ليندا بـ”تختبئ منك”. هنا تحاول الذات أن تنفصل عن حواسها كي لا تختبر موت الآخرين، ومحاولةً إيجاد الملاذ بـالكتابة، وهو ما يتجلى في تعبير الانقسام إلى نصفين، حيث تصبح الذات وسط الحرب كائنًا منقسمًا، جزء منه يعيش الكارثة، وجزء يحاول تحويلها إلى لغة.
تتقاطع في مجموعة ليندا الشعرية خطوط عديدة، فما بين العزلة والحب والحرب والذات، تنكشف تفاصيل جوانية كثيرة لا تبدو منفصلة عن العالم بقدر ما تتشكل في احتكاك الذات بتناقضاتها. فالقصائد بقدر ما هي تسجيل لما تعيشه الشاعرة، هي أيضًا نتيجة لتأمل الشاعرة في هشاشة كوكبنا واضطرابه ونتيجة انفعالات داخلية تجاه الحرب والموت والفقد. ولعل هذا هو ما يجعل القلق في شعر نصار يتجاوز كونه حالة نفسية عابرة، ليغدو ذروة للقلق الإنساني نفسه.