ملخص
بعدما بدا نايجل فاراج أقرب من أي وقت إلى رئاسة الحكومة، يجد نفسه اليوم في مواجهة تراجع سياسي وتحقيقات وضغوط داخلية تهدد هيمنته على حزب “ريفورم”. وعلى رغم اهتزاز صورته وتراجع شعبية الحزب، يرى الكاتب أن رحيله لن يكون إلا بقرار منه، لا بفعل خصومه أو ناخبيه.
خير دليل على مدى وسرعة التراجع الذي أصاب نايجل فاراج أن مجرد الحديث عن مستقبله السياسي لم يعد من المحرمات. ففي المشهد السياسي البريطاني المعاصر، إذ تتبدل قيادات الأحزاب بسهولة لافتة، يدور اليوم نقاش علني وجاد حول “ما بعد نايجل”. وقد أسهمت مزاعم الفضائح، والتوتر الذي يطبع أداءه، والأهم من ذلك التراجع الحاد في حظوظ حزبه خلال الفترة الأخيرة، في إضفاء قدر كبير من الشك على متانة موقعه القيادي، بعدما بدا حتى وقت قريب عصياً على الاهتزاز.
قبل فترة ليست ببعيدة، كان يُنظر إلى فاراج باعتباره “رئيس وزراء بريطانيا المقبل”، أما اليوم، فقد تبدلت الصورة بحيث بات اسم آندي بيرنهام يتصدر هذه المكانة، فيما استعاد حزب “العمال” تقدمه على حزب “ريفورم” في استطلاعات الرأي. وحتى شعبية فاراج الشخصية، التي اتسمت دائماً بالاستقطاب، تلقت أخيراً ضربة بفعل سيل الاتهامات المتعلقة بالأموال، والمتبرعين الغامضين، وسواها.
ولم يسدل الستار بعد على الملفات التي ينظر فيها مفوض المعايير البرلمانية [مسؤول مستقل في مجلس العموم البريطاني يتولى التحقيق في شكاوى تتعلق بسلوك النواب ومدى التزامهم قواعد النزاهة والشفافية البرلمانية] والمتصلة بفاراج، في وقت تواصل شرطة لندن تحقيقاتها في شأن مدفوعات تلقاها حزب “ريفورم يو كي” من شركة يسيطر عليها نائب زعيم الحزب ريتشارد تايس.
كما أن التقدم الانتخابي للحزب تعثر هو الآخر، ولم يعد يحقق زخماً منذ فترة. فلم يفز بأي انتخابات فرعية منذ أن انتزعت سارة بوتشين مقعد رونكورن بفارق ستة أصوات فقط في مايو (أيار) من العام الماضي. وبينما حقق الحزب نجاحات لافتة في انتخابات المجالس المحلية، سجل نتائج أقل بروزاً في انتخابات برلماني ويلز واسكتلندا، فإنه ظل عاجزاً عن تحقيق الاختراق المنشود.
ويظل التصويت لحزب “ريفورم” في جوهره تصويتاً احتجاجياً. وفي كل الأحوال، يبدو أن شعبيته تواجه سقفاً يصعب تجاوزه عند مستوى يقل عن 30 في المئة، على رغم امتلاكه قاعدة انتخابية ثابتة نسبياً. وهذا المستوى لا يكفي للحصول على غالبية في مجلس العموم، ولا حتى لتمكينه من أن يصبح الحزب الأكبر في البرلمان.
في الوقت نفسه، بدأ حزب “ريستور بريتن” الذي أسسه النائب السابق روبرت لوي بعد انشقاقه عن حزب فاراج، باستقطاب جزء من ناخبي “ريفورم” الذين هم على أقصى يمينه، والذين يعدون أن فاراج أصبح متساهلاً أكثر مما ينبغي في قضايا الهجرة والعرق.
والسؤال هو: أين نايجل فاراج اليوم؟ يكاد يكون غائباً عن المشهد. وحلت محل نبرته الغاضبة صورته الجديدة وهو يرتدي سروالاً وردياً وسترة زرقاء فاتحة، ليبدو أشبه بالفنان الاستعراضي آرتشي رايس في نسخة معاصرة يقدم عرضاً ترفيهياً على رصيف كلاكتون البحري، ويؤدي دور “الرجل الجاد” أمام الشخصية الساخرة “كاونت بنفيس”. أما الانتخابات الفرعية المقبلة، فالله وحده يعلم ما الذي قد تحمله من مفاجآت.
وبدلاً من أن يكون فاراج أكبر نقاط قوة الحزب، بدأ يتحول إلى عبء انتخابي، وربما إلى مصدر إحراج للحزب. فحضوره أصبح مثيراً للنفور بحيث يدفع الناخبين عملياً إلى تجاوز خلافاتهم والتصويت تكتيكياً ضد حزب “ريفورم“. وقد تجلى ذلك بوضوح في انتخابات عمدة مدينة مانشيستر الأسبوع الماضي، إذ لم يتمكن مرشح حزبه من الحصول حتى على نصف عدد الأصوات التفضيلية الثانية التي ذهبت إلى مرشحي حزب “المحافظين” وحزب “ريستور بريتن”.
وسط هذه التطورات، يبرز اسم ضياء يوسف، الذي يقدم أكثر سياسات حزب “ريفورم” تطرفاً حتى الآن، فهو يريد أن تقوم البحرية الملكية البريطانية وسلاح الجو الملكي باعتراض قوارب المهاجرين في مياه القنال الإنجليزي.
هناك في الواقع أسباب كثيرة تدعو إلى التشكيك في حكمة هذا الطرح، لكنني سأذكر ثلاثة منها فحسب. أولها أن مهربي البشر يمتلكون قوارب أكثر مما تملكه بريطانيا، ولن يكون من الممكن اعتراضها جميعها. وثانياً، لدى القوات المسلحة أولويات أكثر أهمية، مثل التصدي لما يعرف بـ”أسطول الظل” الروسي. وثالثاً، لا يمكن للمملكة المتحدة أن تخاطر بالدخول في صراع بحري مع فرنسا، سيكون الأول منذ الاشتباكات المحدودة مع نظام “حكومة فيشي” خلال “الحرب العالمية الثانية”، وقبلها الصراع الطويل مع نابليون. إنه أمر غير منطقي ومثير للسخرية. ولن أتطرق حتى إلى الجوانب المتعلقة بحقوق الإنسان أو القسوة، لأن مثل تلك الحجج، على ما يبدو، قد تتهم بأنها غير وطنية.
لكن يبدو أن كل ذلك لا يعني كثيراً بالنسبة إلى يوسف. فهو، شأنه شأن روبرت جينريك الذي لا يخفي بدوره تطلعاته القيادية إلا بقدر ضئيل من الحذر، يرى على الأرجح فرصة سانحة ظهرت على غير المتوقع مع انشغال فاراج بأزماته وتآكل رصيده السياسي، في وقت يجد ريتشارد تايس نفسه منشغلاً بالتحقيقات.
وفي تصور الرجلين أن لديهما المقومات اللازمة لإعادة حزب “ريفورم” إلى طريق النفوذ والسلطة، وإن لم يتضح لي لماذا يفترض أن يكون أي منهما بديلاً أفضل من فاراج. ولا ينتمي أي منهما إلى ما يسميه وزير الخزانة البريطاني السابق جورج أوزبورن فئة “السياسي الجماهيري الساحر”، لأنهما يفتقران حتى إلى جاذبية فاراج الشعبوية القائمة على صورة رجل عادي يدخن السجائر ويحتسي الجعة.
والأسوأ أن إطلالاتهما الإعلامية غالباً ما تبدو منفرة، إذ يظهران كما لو أنهما خضعا لتدريب مكثف على ممارسة العدوانية ومقاطعة الصحافيين، ومهاجمة ما يسميانه “دوافع الإعلام التقليدي”، وتصوير نفسيهما باستمرار على أنهما ضحيتا اضطهاد من “المؤسسة الحاكمة”، وهو أسلوب يجعلهما يبدوان أكثر إثارة للسخرية حتى من فاراج نفسه.
لا أعرف كيف يتصرف الرجلان في حياتهما الخاصة، لكن يوسف يبدو وكأنه يغضب حتى أثناء تنظيف أسنانه، بينما قد يعزو جينريك تعثره بقطته إلى مؤامرة من وسائل الإعلام الليبرالية.
لهذا أميل إلى الاعتقاد أن فاراج سيبقى في موقعه، على رغم أنه أثبت بوضوح أنه لا يمتلك المقومات اللازمة لتولي رئاسة حكومة، أياً كانت. إن إزاحته من مكانه تبدو أمراً مستحيلاً. فعندما تعرض لضغوط لتحويل حزب “ريفورم” من شركة محدودة كان يسيطر عليها بصورة شبه مطلقة، إلى حزب سياسي أكثر تقليدية، صيغ النظام الداخلي بطريقة تجعل الإطاحة بالزعيم شبه مستحيلة عملياً (إذ يتطلب الأمر، في البداية، أن يطالب نصف أعضاء الحزب بتنحيته).
في النتيجة، لن يجبر نايجل فاراج على الرحيل، لا من قبل ناخبي دائرة كلاكتون، ولا من قبل أعضاء الحزب – إذ ما زال يتمتع بمكانة زعيم طائفة – ولا من قبل “مفوض المعايير البرلمانية”، ناهيك بضياء يوسف أو روبرت جينريك. بل سيرحل فقط عندما يختار ذلك بنفسه ويقرر أن الأمر لم يعد يستحق العناء. لقد فعل ذلك من قبل مع كيانيه السياسيين السابقين، “حزب استقلال المملكة المتحدة” (UKIP) و”حزب بريكست”، فهو كثيراً ما عُرف بموقفه الذي يقول “إما طريقتي أو لا شيء على الإطلاق”.
هل سنفتقده عندما يرحل؟ آمل ألا نفعل.
