.. اندبندنت عربية
الكاتب الفرنسي أنطوان دي سانت أكزوبري كان طياراً خلال الحرب العالمية الثانية، لكنه لم يكن طياراً حربياً، بل ناقلاً للبريد بين مناطق شتى من فرنسا. والحقيقة أن كل رحلة طيران من رحلاته كانت تشكل مغامرة في منتهى الخطورة. ليس فقط بسبب غياب كل ضروب الصيانة وقطع الغيار في أعوام الحرب، بل لأن المدفعية الألمانية ومعارك الحرب كانت دائماً في المرصاد، وفي النهاية لقي مصرعه خلال عمله
هو بالنسبة إلى ملايين القراء، في عشرات اللغات، وفي العالم أجمع، صاحب “الأمير الصغير”، الكتاب الذي بالكاد يجهله أحد في عالم اليوم ومنذ ما يزيد على ثمانية عقود من السنين. وهو بالنسبة إلى الفرنسيين بطل حقيقي من أبطال الحرب العالمية الثانية، التي لم تنته، بالنسبة إليه، إلا وقد أسقطت طائرته وأسقطته معها قتيلاً. كاتب وشاعر ومغامر ومقاتل ورسام وصحافي، وكذلك ساعي بريد جوي إذا شئتم. ولئن كان هذا الكاتب عرف في فرنسا على نطاق واسع طوال الربع الثاني من القرن الـ20، فإن مصرعه، بعد عام من صدور “الأمير الصغير” جعل منه أسطورة.
إنه، بالطبع، أنطوان دي سانت أكزوبري، الذي لم يكن حين قتل عام 1944 تجاوز الـ44 من عمره بعد، لكن “الأمير الصغير” لم يكن كل ما أصدره سانت أكزوبري في حياته، أو صدر له بعد مماته، حتى وإن كانت شهرة هذا الكتاب طغت على شهرة كتب أخرى عدة له، بل الغريب أن سانت أكزوبري، على رغم أنه لم يعش طويلاً، وعلى رغم أنه كان يمضي جل وقته في مغامرات وأسفار وفي العيش بنهم، كتب وأصدر كثيراً وكأنه كان يحس سلفاً أن “واحدة من المهن” التي امتهنها في حياته، ستقضي عليه يوماً: مهنته كطيار.
طيار خلال الحرب
فهو كان أيضاً طياراً، لا سيما خلال الحرب العالمية الثانية، لكنه لم يكن طياراً حربياً، بل ناقلاً للبريد بين مناطق شتى من فرنسا. والحقيقة أن كل رحلة طيران من رحلاته كانت تشكل مغامرة في منتهى الخطورة. ليس فقط بسبب غياب كل ضروب الصيانة وقطع الغيار في أعوام الحرب، بل لأن المدفعية الألمانية ومعارك الحرب كانت دائماً في المرصاد.
ونعرف أن مخاوف الرجل تحققت في النهاية وكانت له خاتمته التي توقعها. وكاتبنا هذا وصف كل مخاوفه وحياة المغامرة التي عاشها في واحد من كتبه نشره قبل رحيله بعامين أي عام 1942، وعنوانه “طيار الحرب”. و”طيار الحرب” ليس رواية ولا هو نص أدبي إبداعي، بل هو نص يشكل ما يشبه الحوار بين سانت أكزوبري ونفسه. حوار يبدو فيه الزمن، أول ما يبدو، مختفياً تماماً، فالحوار يجري في الحاضر، لكنه في الوقت نفسه يمزج “بين هذا الحاضر والحديث فيه عن وضعية لا أمل فيها”، وبين ذكريات وتأملات وأفكار، إضافة إلى ضروب تشجيع للذات يمارسه في كل لحظة ذلك الطيار الذي كان يعرف أن خطر الموت يترصده.
من هنا كانت كل لحظة يطير فيها وكل لحظة يعيشها تشكل بالنسبة إليه حياة جديدة بل كذلك مدعاة لتفكير جديد. وهو يعبر عن هذا كله في هذا الكتاب، لكنه في طريقه يحكي أيضاً كيف حلت الهزيمة في فرنسا على يد الألمان قبل ذلك بعامين، وكيف أن الهزيمة خلطت الأمور والمواقف وجعلته هو شخصياً يكلف بمهمة شديدة العبثية، ها هو نفسه يقول لنا إن لا فائدة منها ترتجى. وحتى ولو كان يفيدنا بأن الأمر لا يعدو كونه روتينياً، يقول من طرف خفي إن الذين أصدروا إليه الأوامر بأن يقوم بتلك المهمة يبدون وكأنهم قرروا أن يقدموه قرباناً للحرب والهزيمة.
الرفض المستحيل
ولكن، هل كان في وسعه أن يقول لا وأن يرفض المهمة؟ ربما، لكنه لم يفعل، فهو، كأميره الصغير الذي سيظهر بعد ذلك بعام، ابن الحياة وابن أقداره، لذلك سيجعل من نفسه طيار حرب. ومن هناك من أعالي الـ10 آلاف قدم وسط ضجيج المحركات وبرودة الجو “التي تجمد الأعضاء والوقود والآلات وكل شيء” من دون “أن تجمد الأفكار”، سينظر سانت أكزوبري، ليس فقط إلى ما حوله، وإلى “ضياعه” وسط تلك النقطة من السماء، بل كذلك إلى طفولته وماضيه وما آلت إليه أحوال وطنه. هناك في تلك النقطة الضائعة بين الأرض والسماء، يشعر الكاتب/ الطيار أن لا شيء ثابتاً ومؤكداً سوى فكره، ويروح وهو في الأعلى وقد بدا له أن الزمن نفسه توقف، يعمل الفكر في كل تلك القرى والمدن التي يعبرها “حيث الساعات العامة كلها توقفت” و”خلت الشوارع” وربما “البيوت أيضاً”، إلى درجة أن كل “شيء هناك يبدو خارج الزمن مثلما حاله هو نفسه معلقاً في الفضاء”.
في مثل ذلك الوضع يعيش الطيار، إذاً، ساعات عجيبة خارج الزمن. لا يعود يفكر باللحظة التي انطلق فيها ولا باللحظة التي سيصل فيها، كل ما صار يشغل فكره الآن هو خواء الزمان والمكان. وهذا ما يعيده إلى أفكار تطير به إلى الطفولة، ويبدو له وكأن حركة الأرض نفسها قد توقفت – ما دام “شعوره بأن الطائرة واقفة في الجو يقوى أكثر وأكثر”، لذا فإن الأزمان اختفت، مما يجعل زمن الطفولة جزءاً من اللحظة الراهنة.
زمن الطفولة درع واقية
بل لعل في إمكاننا أن نقول هنا إن سانت أكزوبري إنما يتمكن من استخدام زمن الطفولة نفسه درعاً ضد هجمة الزمن الراهن. غير أن ذلك الغياب عن الزمن لا يطول كل الوقت، إذ بين الفينة والأخرى تظهر في الجو، ولو على بعد من مكانه، طائرات طراد معادية أو غير معادية، فتعيده فجأة إلى الزمن الواقعي. وهنا يفارق صاحبنا طفولته والزمن المعلق ليعود طياراً يمارس مهمته ويشعر بالخطر الآتي: فيبدأ بالمناورة لتفادي الإصابة، يدور بطائرته يسير بها متعرجاً، يصانعها يدللها كيلا تخذله، وقد شعر الآن أنها جسده وروحه وحياته، ومن هنا تتبدل الطائرة وتتبدل العلاقة معها.
ولا ينسى الكاتب هنا، على رغم كل ضروب الشجاعة التي يبديها، أن يقول لنا كل شيء عن الخوف الذي يحل به، ولكن أيضاً كل شيء، عن تلك اللحظة التي يشعر فيها أنه قد نفد بجلده… وتكون اللحظة الهائلة التي يطلق فيها صرخته المدوية، فرحاً وانتصاراً، شماتة أو لمجرد التنفيس عن كل الخوف الذي كان يتملكه مختبئاً خلف قناع الشجاعة – المزيف، كما يؤكد لنا – الذي كان وضعه على وجهه خلال محاولاته الإفلات.
صرخة في منتهى الجمال
والحقيقة أن الصرخة تبدو أجمل لحظات الكتاب، بل تبدو ذروته، تماماً مثل لوحة “الصرخة” للفنان النرويجي إدوارد مونخ. لحظة الذروة والانتشاء “التي لا يعادلها إلا لحظة الموت السعيد”، غير أن الكاتب لا يختتم كتابه بتلك الصرخة، بل ينطلق منها ليعبر في فصل قصير أخير من الكتاب عما يسميه “فعل إيمان بالإنسان… إدراك جديد لمفهوم الإنسان ووجوده في هذا الكون”. وهو إذ يعبر عن هذا، نراه يعود إلى ما كان بدأ به: إلى الهزيمة الفرنسية أول الحرب أمام الألمان، فبالنسبة إليه، لا يمكن النظر إلى فعل إيمانه الإنساني الختامي إلا بصفته المعادل المعوض عن تلك الهزيمة. وهو يعبر عن هذا بعدما يكون في فقرات عدة من ذلك الفصل الختامي أراد أن يعرف أسباب الهزيمة (ولكن على الصعيد الإنساني البحت، لا على الصعيد السياسي أو الأيديولوجي أو أي صعيد آخر، فأنطوان سانت أكزوبري لم يكن مهتماً – هنا في الأقل – بالسياسة ومفاعيلها بقدر ما كان مهتماً بالإنسان وتأثير كل ذلك فيه، بل كذلك دوره في حدوث ما حدث).
وعلى هذا النحو يتحول الكتاب إلى تأمل إنساني ولكن ميتافيزيقي أيضاً. عاش أنطوان دي سانت أكزوبري إذاً، بين 1900 و1944، وكان في الـ22 من عمره، حين انتظم في القوات الجوية الفرنسية في الوقت نفسه الذي كان يبدي توجهات أدبية وفنية مميزة، ولئن كان الطيران قتله بعد ذلك شاباً، فإن الأدب أمن له خلود روحه، هو الذي كان أول عمل أدبي كبير نشره، في 1926، كتابه “الطيار” ليتبعه بـ”بريد الجنوب” (1929)، ثم “طيران الليل” (1931) فـ”أرض البشر” (1939)… ليكون “الأمير الصغير” آخر كتاب ينشر له في حياته، مزوداً برسوم وضعها بنفسه.
