صحيفة العرب
…علي قاسم .كاتب سوري مقيم في تونس
الزيارة التي جاء فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على رأس وفد استثماري فرنسي كبير كانت تقول للعالم إن سوريا تفتح صفحة جديدة وإن أوروبا مستعدة للانخراط فيها. التفجيرات كانت تقول شيئاً مغايراً تماماً.
هذا التعارض بين خطابَين، خطاب الانفتاح وخطاب العنف، هو جوهر ما تواجهه سوريا اليوم. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يكفي الرد الأمني وحده لحماية مسيرة الإصلاح؟ أم أن التفجيرات هي أعراض لأمراض بنيوية تحتاج إلى معالجة أعمق وأشمل؟
لفهم دلالة التفجيرات الأخيرة في دمشق، لا بد من قراءتها كعمل استراتيجي محسوب لا كعمليات عشوائية. الجماعات المتطرفة التي تُنفّذ هذه العمليات لا تُقاتل من أجل الفوضى لذاتها، بل تستهدف شيئاً محدداً: تعطيل أي مسار إصلاحي يُهدد أسباب وجودها. فهي تعيش وتُجنّد وتُموّل في البيئات المأزومة، وأي تحسّن اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي حقيقي يُضيّق المساحة التي تعيش فيها.
التفجيرات في توقيتها المرتبط بزيارة ماكرون ليست مصادفة. إنها رسالة مزدوجة الهدف: رسالة إلى السوريين مفادها أن الدولة لا تستطيع حمايتهم، ورسالة إلى المستثمرين الأجانب مفادها أن البيئة الأمنية لا تُبرّر المخاطرة بأموالهم. الإرهاب في حساباته الاستراتيجية لا يحتاج إلى إسقاط الحكومات، يكفيه أن يُشيع اليأس وأن يُعيق تدفق الاستثمارات وأن يُوجد شرخاً بين المواطن ودولته.
الجماعات المتطرفة العاملة في سوريا وعلى أطرافها تستغل الهشاشة الأمنية التي أنتجتها سنوات الصراع الطويلة. الحدود الشاسعة والمناطق التي لم تتوطد فيها سيطرة الدولة بعد والجغرافيا المعقدة كلها عوامل تُوفّر ملاذات تشغيلية يصعب القضاء عليها بقرارات فوقية حتى لو كانت صائبة. وداعش الذي يُصعّد عملياته ليس في سوريا فحسب بل في الفضاء الممتد من الساحل الأفريقي إلى عمق الشرق الأوسط يُبدي قدرة مثيرة للقلق على التكيّف مع الظروف المتغيّرة وإعادة بناء خلاياه بعد كل ضربة أمنية.
ما يجعل الوضع السوري بالغ الخصوصية هو أن الإرهاب يستهدف الآن دولة في طور إعادة البناء، وهو الطور الأكثر هشاشة في حياة أي دولة. البنية المؤسسية لا تزال تُعيد تركيب نفسها، والثقة الاجتماعية لا تزال تحتاج إلى وقت وإنجازات لكي تتجذّر، والاقتصاد لا يزال يُحاول الوقوف على قدميه بعد سنوات من الإنهاك. في هذا الفضاء الهشّ تحديداً، للتفجير أثر يتجاوز أضراره المادية المباشرة.
الجماعات المتطرفة التي تُنفّذ هذه العمليات لا تُقاتل من أجل الفوضى لذاتها بل تستهدف شيئاً محدداً: تعطيل أي مسار إصلاحي يُهدد أسباب وجودها
التجربة السورية الطويلة مع الصراع علّمت درساً قاسياً لا ينبغي تجاهله: الحل العسكري والأمني، مهما بلغت كفاءته التقنية، لا يُهزم الإرهاب من جذوره. قد يُوجع، وقد يُعطّل، وقد يحمي. لكنه لا يقضي عليه بالكامل. لأن الإرهاب بنية اجتماعية قبل أن يكون تنظيماً عسكرياً، وبنية اجتماعية لا تُفكَّك بالقوة بل بمعالجة ما أنتجها.
في العقد الأول من هذا القرن، كانت حجة كثير من الحكومات المتضرّرة من الإرهاب أن الأمن شرط التنمية لا نتيجتها. في العقد الثاني، ثبت أن هذه المعادلة مقلوبة: فحيث غاب العدل الاجتماعي والأفق الاقتصادي ومشاركة الناس في رسم مصيرهم، لم يصمد الأمن طويلاً. الخلايا الإرهابية لا تُجنّد من البطالة المادية فحسب، بل من البطالة السياسية أيضاً: من شعور الناس بأنهم خارج الفعل والقرار وأن لا صوت لهم في الكيفية التي تُدار بها حياتهم.
سوريا التي تنهض من حرب شاملة تجد نفسها أمام معادلة صعبة: المجتمع مُنهَك يريد الاستقرار الفوري، والدولة بحاجة إلى إرساء الأمن أولاً قبل التفرّغ للبناء. وهذا منطق مفهوم ومشروع في مرحلته. لكن التجربة المقارنة في دول خرجت من صراعات مماثلة، في رواندا التي أعادت بناء ثقتها الاجتماعية عبر مصالحة حقيقية لا مجرد أمن مفروض، وفي كولومبيا التي أنهت صراعاً طويلاً مع حركة فارك عبر تفاوض سياسي صعب لا عسكرة كاملة، تُثبت أن الخروج الدائم من دوامة العنف يستلزم انفتاحاً سياسياً ومشاركة اجتماعية لا غنى عنهما.
المجتمع المدني السوري الذي تشكّل عبر سنوات الصراع والمنفى وحمل همّ الوطن في أحلك اللحظات يُمثّل اليوم طاقة كامنة لا تُقدّرها فقط مؤسسات الدولة بل المجتمع الدولي أيضاً. إشراك هذا المجتمع في صياغة الحلول وفي رسم أولويات إعادة البناء ليس ترفاً ديمقراطياً، بل ضرورة أمنية. المجتمعات التي تشعر بالملكية تجاه دولتها لا تمنح الإرهاب الأرض الخصبة التي يحتاجها.
زيارة ماكرون تستحق قراءة أعمق مما يُوحي به البروتوكول الدبلوماسي. فرنسا، البلد الذي ارتبط تاريخياً بسوريا بعلاقات ذات طابع خاص منذ عهد الانتداب ومن خلال حضورها الثقافي والتعليمي الواسع، لا تجيء إلى دمشق بوفد استثماري دون حسابات مدروسة. هي تراهن على أن سوريا المستقرة تُمثّل فرصة تاريخية لإعادة بناء حضور أوروبي في منطقة كثيراً ما أُقصيت منها أو تراجع دورها فيها.
الوفد الفرنسي يحمل مشاريع في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والصحة والتعليم. هذه ليست مجاملات دبلوماسية بل استثمارات تُراهن على مستقبل. وما يجعل الرهان الفرنسي لافتاً هو توقيته: الاستثمار في لحظة الهشاشة قبل أن يستقر الوضع كاملاً يُعطي المُبادر موقعاً تفاضلياً لا يُعوَّض لاحقاً. كما أن فرنسا بقيامها بهذه الخطوة تُرسل إشارة لبقية الشركاء الأوروبيين بأن الانخراط في إعادة إعمار سوريا ممكن ومُجدٍ وقد حان وقته.
لكن ماكرون يعرف أن لزيارته شرطاً صامتاً: استمرار مسيرة الإصلاح. المستثمر الأجنبي الجاد يتتبع مؤشرات ملموسة: سيادة القانون، واستقلالية القضاء، وشفافية إدارة العائدات، ومؤشرات مكافحة الفساد. وهو يُراقب بعيون حادة أي تراجع عن هذه المؤشرات. دمشق التي تُريد أن تحوّل زيارة ماكرون إلى بداية سيل استثماري لن تستطيع ذلك بالخطاب السياسي المُعلن، بل بترسيخ المسار الإصلاحي على أرض الواقع.
من هذه الزاوية، التفجيرات التي تزامنت مع الزيارة ليست فقط هجوماً أمنياً، بل هي اختبار لما إذا كانت الحكومة السورية قادرة على حماية الانفتاح الذي تدعو إليه.
ثمة إدراك متنامٍ في كثير من الدول التي خاضت تجارب مريرة مع الإرهاب بأن أنجع الأسلحة في مواجهته ليست دائماً تلك التي تُصنعها المصانع العسكرية. البنية التحتية التي تُوفّر العمل وتُقلّص البطالة، والمناهج التعليمية التي تُنتج مواطنين ناقدين لا مُستهلكين للأيديولوجيات، والمؤسسات القضائية التي تُعطي الناس إحساساً بأن العدل ممكن وأن القانون ليس وجهاً آخر للقهر، كلها خطوط دفاع أمام الإرهاب لا تقل فاعلية عن نقاط التفتيش ودوريات الأمن.
هذا لا يعني التقليل من الأهمية الضرورية للعمل الأمني. فالتفجير الذي يقتل الأبرياء لا تحتمل فلسفة، وحماية الأرواح واجب آني لا يؤجل. لكن العمل الأمني الذي يفتقر إلى استراتيجية أشمل يشبه إطفاء حريق متجدد دون معالجة مصدر الشرارة.
الخلايا الإرهابية لا تُجنّد من البطالة المادية فحسب بل من البطالة السياسية ومن شعور الناس بأنهم خارج الفعل والقرار وأن لا صوت لهم في الكيفية التي تُدار بها حياتهم
في السياق السوري تحديداً، الرهان على الاستثمار الاقتصادي يحمل بُعداً أمنياً حقيقياً. كل مشروع يُشغّل مئة شاب في مناطق كانت بؤر تجنيد للتطرف هو بالمعنى الحرفي عملية أمنية ناجحة. وكل مدرسة تُوفّر تعليماً نوعياً في محيط كان يستقطب التطرف هي خط دفاع حقيقي. وكل مركز صحي يُعيد الدولة إلى حياة المواطن اليومية في منطقة كانت تُشعر الناس بالإهمال هو استثمار في الأمن قبل أن يكون استثماراً في الصحة.
المسؤولية الوطنية في هذا الإطار تتجاوز الدولة ومؤسساتها لتطال كل مواطن. الزعماء الدينيون الذين يرفضون إعطاء التطرف غطاءً شرعياً يؤدون دوراً أمنياً. والإعلاميون الذين يُقدّمون رواية وطنية متماسكة في مواجهة الدعاية المتطرفة يؤدون دوراً أمنياً. والمجتمعات المحلية التي تُراقب وتُبلّغ وترفض الصمت تجاه من يُعدّ للعنف في وسطها تؤدي دوراً أمنياً. الأمن بمعناه الحقيقي مسؤولية جماعية تبدأ بالفرد ولا تنتهي بالدولة.
حين يُحلّق ماكرون فوق دمشق عائداً إلى باريس، سيحمل معه صورتين متناقضتين: سوريا التي تريد أن تنفتح وتبني وتستقطب، وسوريا التي لا تزال تُخبّئ في طياتها شروط الانفجار.
مواجهة هذا التناقض تستلزم خطاباً صادقاً مع الناس لا يُبالغ في وصف الإنجازات ولا يُهوّن من الأخطار. الإرهاب حقيقي وتهديده جدي، والإصلاح صعب ومتعثر أحياناً، والطريق طويل وفيه منعطفات تُفقد الحماسة. لكن البديل عن السير على هذا الطريق بكل عثراته هو التوقف، والتوقف في هذا السياق لا يعني التجمّد بل يعني الارتداد نحو ما كان.
سوريا تملك من الموارد البشرية ومن الإرث الحضاري ومن الموقع الجغرافي ما يجعل الأمل مشروعاً. والعالم الذي يُمثّله ماكرون ووفده الاستثماري يُعطي إشارات إيجابية لم يكن يُتوقع ظهورها قبل سنوات قليلة. لكن هذه الإشارات لها شرط: أن يرى العالم أن سوريا تُواجه تحديات الإرهاب والإصلاح معاً، لا أنها تُؤجّل أحدهما على حساب الآخر.
الإرهاب يُفشل حين لا يجد مبرراً لوجوده. والمبرر الأكبر الذي يُقدّمه للمظلومين والباحثين عن معنى هو فشل الدول في تقديم عدالة اجتماعية ومشاركة سياسية وكرامة إنسانية. حين تُنجح سوريا في تقديم هذه الأشياء، حين يشعر المواطن بأن الدولة تراه وتعمل لأجله وتُتيح له المشاركة في رسم مستقبله، تجفّ البحيرة التي يسبح فيها التطرف.
التفجيرات الأخيرة رسائل خسيسة من جماعات تعلم أن الإصلاح الحقيقي يُميتها. والرد الحقيقي عليها ليس فقط في ردّة الفعل الأمنية الفورية، وإن كانت ضرورية، بل في الإصرار على المسير رغم الألم، وفي إثبات أن المشاريع ستُبنى ومصانع الأمل لن تُغلَق، وأن سوريا الجديدة تعرف كيف تحوّل كل تفجير إلى قرار جديد بعدم الاستسلام.
العالم يتغيّر وينتظر من سوريا أن تتغيّر. والأمن الحقيقي لن يأتي من الأسلاك الشائكة وحدها، بل من مجتمع يرى في الدولة وعداً لا خطراً، ويرى في المستقبل احتمالاً يستحق الدفاع عنه.