توفي الشاب محمد حسام الدين غميرة، اليوم الأحد، في المشفى الجامعي بمدينة اللاذقية، متأثراً بإصابات تعرض لها من جراء التعذيب خلال توقيفه في قسم شرطة الحفة غربي سورية، قبل أيام، وفق ما أكدته زوجته لمنصة التحقق من الأخبار والمعلومات “كشاف”. وفيما أوقفت قيادة الأمن الداخلي في المحافظة عدداً من الأشخاص على ذمة التحقيق، طالب حقوقيون بتحقيق مستقل.
وكان غميرة قد أوقف على خلفية شكوى تتعلق بادعاء سرقة مبلغ مالي، قبل أن يصدر قرار قضائي بالإفراج عنه، ليخرج من مكان الاحتجاز في حالة صحية حرجة، وفق المعطيات التي أوردتها عائلته ومصادر حقوقية. وقال شقيقه مصطفى غميرة إن العائلة أبلغت عناصر المخفر، قبل توقيفه، بأن محمد مصاب بمرض الناعور، الذي يؤثر في قدرة الدم على التخثر، وطلبت منهم عدم تعريضه للضرب. وتتهم العائلة عناصر في المخفر بالاعتداء عليه خلال فترة احتجازه.
وبحسب الروايات المتداولة، أبلغت زوجة غميرة المسؤولين منذ اليوم الأول بمرضه، وقدمت تقريراً طبياً يثبت حالته الصحية، قبل أن تعثر عليه عائلته، بعد أيام، في مستشفى الحفة، وهو يعاني نزيفاً في ساقه. وتدهورت حالته لاحقاً، إذ ظهرت عليه أعراض عصبية وفقد القدرة على الكلام، فيما أظهرت الفحوص إصابته بنزيف دماغي حاد، وتوقف قلبه 3 مرات قبل إنعاشه، وفقاً لمنشورات لناشطين وصحافيين.
عقوبة تصل إلى الإعدام
وطالب المحامي السوري المختص في القانون الدولي المعتصم الكيلاني، في حديث لـ”العربي الجديد”، بمحاكمة مرتكبي الجريمة بحق حسام الدين محاكمة جنائية عادلة، ومحاسبتهم وفقاً للقانون. وأشار إلى أن القانون رقم 16 لعام 2012، المتعلق بتجريم التعذيب في سورية، ينص في مادته الثانية على عقوبة الإعدام إذا نجم عن التعذيب موت إنسان، مشدداً على ضرورة عدم الإفلات من العقاب في سورية الجديدة.
من جانبها، أعلنت قيادة الأمن الداخلي في اللاذقية أنها أوقفت سبعة أشخاص على ذمة التحقيق “كانوا موجودين في النظارة خلال وقوع حادثة الشاب محمد حسام الدين غميرة لاستكمال التحقيقات المتعلقة بالقضية والوقوف على كامل ملابساتها”. وأوضحت قيادة الأمن الداخلي أن عملية التوقيف جاءت استكمالاً للإجراءات المتخذة في القضية وبناء على نتائج تحقيقات اللجنة المختصة المشكلة لمتابعة ملابسات القضية.
وأكد وزير الداخلية السوري أنس خطاب، في تعزية نشرها عقب وفاة غميرة، أن أي مخالفة أو تجاوز من قبل عناصر وزارة الداخلية “سيتم التعامل معه بحزم ضمن القوانين والإجراءات المتبعة”، مشدداً على أن كل من تثبت مخالفته “سينال جزاءه العادل”، أياً كانت صفته، وذلك بعد استكمال التحقيقات.
بدورها، نعت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث غميرة، وذكرت أنه كان أحد كوادرها، وينحدر من مدينة الحفة بريف اللاذقية، وقد ولد في دوما بريف دمشق عام 1997 ونشأ فيها. وأشارت الوزارة إلى أن غميرة شارك، خلال السنوات الماضية، في عمليات إنقاذ مئات الأشخاص من تحت أنقاض القصف، وعاد أخيراً إلى الحفة. وكان متزوجاً وأباً لطفلين، فيما قتل والده حسام غميرة في معارك الغوطة ضد نظام بشار الأسد السابق.
وأكد وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح أنه تابع القضية منذ اليوم الأول مع وزير الداخلية، مشيراً إلى توقيف عناصر المخفر المتهمين بضرب غميرة، ومؤكداً اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم. وقال الصالح إن “سورية الجديدة دولة قانون وعدالة”، مشدداً على أن السوريين الذين ضحوا طوال 14 عاماً للوصول إلى دولة تصون كرامتهم وتحفظ إنسانيتهم “لن يقبلوا بوجود إفلات من العقاب”.
نحو تحقيق مستقل
ولاقت وفاة الشاب غميرة في المستشفى الجامعي بمدينة اللاذقية ردات فعل مستنكرة، ومطالبات بكشف ملابسات ما جرى ومحاسبة المسؤولين. وفي بيان صدر الأحد، أدانت الرابطة السورية لحقوق الإنسان ما وصفته بـ”جريمة تعذيب الشاب محمد غميرة حتى الموت”، وقالت إن المعلومات التي وصلت إليها تشير إلى تعرضه لتعذيب شديد داخل أحد مراكز الأمن العام في الحفة.
وطالبت الرابطة بفتح تحقيق قضائي مستقل وشفاف وعاجل في ظروف الاعتقال والاحتجاز والوفاة، وتوقيف كل من يشتبه في تورطه أياً كانت رتبته أو صفته، إلى جانب تحديد المسؤوليات المباشرة وغير المباشرة لكل من شارك أو أمر أو حرض أو تستر على الانتهاكات، في حال ثبوتها. كما دعت إلى إجراء تشريح طبي شرعي مستقل لجثمان غميرة، وتوثيق الإصابات وآثار التعذيب المحتملة، وحماية الشهود والمعتقلين السابقين، والحفاظ على الأدلة المتعلقة بفترة الاحتجاز، وإعلان نتائج التحقيق للرأي العام، وإحالة كل من تثبت مسؤوليته إلى القضاء.
وشددت الرابطة على أن التعذيب، في حال ثبوته، لا يمكن اعتباره مجرد تجاوز فردي أو خطأ مهني، مطالبة بألا تغلق القضية أو تسوى خارج القضاء. وأثارت صور غميرة قبل توقيفه وبعد نقله إلى المستشفى تساؤلات واسعة حول ظروف احتجازه، فيما تؤكد عائلته مطالبتها بكشف الحقيقة ومحاسبة كل من يثبت تورطه.
وتعيد وفاة غميرة إلى الواجهة المخاوف من تكرار ممارسات مرتبطة بعهد النظام السابق، لا سيما ما يتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز. وبينما لم تحسم بعد المسؤوليات الجنائية في القضية، تتركز الأنظار على نتائج التحقيق الرسمي، وما إذا كان سيحدد بصورة واضحة أسباب الوفاة والظروف التي سبقتها، ويحاسب كل من تثبت مسؤوليته وفقاً للقانون.