ما أصعب الصبر حين يستهلك العمر، وتضيع فيه السنون تلو السنون، وينطفئ الحلم. وكم كان صبر السوريين، في سبيل تحقيق حلمهم بالحرّية والكرامة والعدالة والمساواة، صعباً ومريراً، وكم كلّفهم من الضحايا، ومنهم أناس أحرق طول الصبر أكبادهم وأعمارهم وأحلامهم، فودّعوا الحياة قبل أن يشهدوا لحظة انتصار ثورتهم، وقبل أن يبصروا كيف بدأت بذور أحلامهم الإنسانية البسيطة والطبيعية تتفتح وتنمو في قلوب السوريين وعقولهم.
وكم يحتاج تحقيق مثل هذه الأحلام، لكي تغدو واقعاً، إلى صبر ووقت من أعمارهم وطاقتهم. فالأحلام كبيرة وهائلة، والواقع مهول، ويكاد يكون مدمّراً للأحلام. ومن الطبيعي أن تكون لدى السوريين أحلام هائلة وشاسعة، بعد أن دُفنت أحلامهم عقوداً طويلة في مقبرة الرعب، كأنهم في مشهد سينمائي تتشقّق فيه الأرض، ومن أعماقها ينبعثون ويرون الضوء للمرّة الأولى بعد غياب طويل، فيما كلّ ما حولهم مدمّر ومحطّم، ويحتاج بناؤه إلى صبر طويل. لكنّ هذا الصبر يبقى مختلفاً عن ذلك الصبر الذي فُرض عليهم تحت وطأة الدم والقتل والموت، ويُفترض أنّه بات مفتوحاً على الأمان والحياة والأمل، إنّه صبرٌ يتطلّع إلى المستقبل ولا يخشاه.
جمع الأدلة وحفظها والتحقّق منها وملاحقة مرتكبي الجرائم هو من اختصاص أجهزة الدولة ومسؤوليتها
وإن كان الحديث اليوم عن الضحايا، وعن تحقيق حلم العدالة والمحاسبة والمصالحة والسلم الأهلي، فإنّ بلوغ هذا الحلم يحتاج أيضاً طاقات هائلة وعظيمة، وهي، بحكم واقع الدمار والخراب، غير متوافرة في سورية، نظراً إلى ضخامة عدد الضحايا والمتضرّرين، وعدد القتلى والمجرمين. وقبل أن يدرك الضحايا حقيقة هذا الأمر، وقبل أن يعترفوا به، لا بدّ للمسؤولين في الدولة من إدراكه والاعتراف به، وإدراك أنّ إمكاناتهم وحدها لا تكفي، وأنّه لا بدّ من الانفتاح على سائر السوريين، وتوسيع دائرة تحمّل المسؤوليات، والاستفادة من الخبرات والكفاءات كافّة، في مختلف الاختصاصات والمجالات، وإشراكها في عملية بناء دولة تتحقّق في ظلّها أحلام العدالة والكرامة والمواطنة. وحتّى إن كان تلمّس نتائج ذلك على أرض الواقع يحتاج إلى جهد وعمل وصبر، فإنّه يُفترض، على الأقلّ، أن يلمس عموم الضحايا، من مختلف المكوّنات السورية، ومثلهم القتلة والمجرمون، خطوات وإشارات تدلّ على أنّ البلاد تسير في هذا الطريق. فلا يكفي أن يُعزى كلّ تقصير إلى ضعف الإمكانات، بحكم الواقع الصعب والمرير، وهذا صحيح، لكن تبقى هناك خطوات بسيطة ورمزية يمكن القيام بها حتّى في أحلك الظروف، من شأنها أن تطمئن الضحايا الذين أرهقهم الصبر، وأن تجعلهم، على الأقلّ، لا يشعرون بأنّ هناك من يحاول القفز فوق آلامهم وأوجاعهم، أو غضّ النظر عمَّن أجرم بحقّهم بذريعة العبور إلى مرحلة المصالحة والسلم الأهلي. إذ إنّ المصالحة والسلم الأهلي عادةً لا يكونان بين المجرمين والضحايا، إنّما بين الأبرياء، بين الناس المظلومين والمقهورين والساخطين بعضهم على بعضهم تحت وطأة الشبهات والشائعات والشكوك، سواء أكانوا من ذوي الضحايا أم من ذوي المجرمين الذين لا شأن لهم في المحصّلة بهذا الجرم أو ذاك. والمجرمون مكانهم القضاء والمساءلة والحساب.
أمّا أن تُصالح الضحية قاتلها، وتُترك لمصيرها، ويُترك قاتلها يعيش حرّاً طليقاً بين الناس من دون مساءلة أو حساب، فهذا نيل من كرامتها، وإعادة فتح جراحها من جديد. فأن تلتقي الضحية بجلّادها في الشارع أو المصنع أو الجامعة أو المؤسّسة أو الوزارة، فهذا سيثير غضبها، وقد يدفعها إلى أخذ حقّها بيدها، والردّ على الجرم بالجرم، وعلى الدم بالدم، الأمر الذي قد يحوّل الضحايا إلى مجرمين، والمجرمين إلى ضحايا. وما أسهل أن يتّخذ الخصوم من غضب الضحايا زيتاً يُصبّ فوق النار! والنار السورية ما يزال جمرها متّقداً، ويحتاج إلى وقت وبرد وسلام حتّى يخمد. لكن أيّ برد وسلام يمكن أن يحلّا في قلوب الضحايا وهم يرون تلميع صور بعض المجرمين من القتلة والمخبرين وكتبة التقارير، وإعادة تأهيلهم ليتصدّروا المشهد من جديد، بحجّة عدم وجود دعاوى بحقّهم أو عدم وجود دليل على جرمهم؟
وفي الوقت نفسه، تعلن الجهات المعنية، مراراً وتكراراً، أنّها تمتلك مئات الآلاف من الوثائق والأدلة والإثباتات الموثَّقة بأسمائهم. فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يُطلب من الضحايا، في كلّ مرّة، أن يأتوا هم بالأدلّة والإثباتات على ما يقولون ويدّعون، ما دامت تلك الأدلّة متوافرة أصلاً لدى أجهزة الدولة؟ ولا سيّما أن جمع الأدلة وحفظها والتحقّق منها وملاحقة مرتكبي الجرائم هو، في الأصل، من اختصاص أجهزة الدولة ومسؤوليتها، وليس من اختصاص الضحايا ومسؤوليتهم. وليس من الحكمة أبداً تحويلهم إلى باحثين جنائيين أو قضاة أو محقّقين، وإشغالهم بجمع الأدلة بدلاً من تضميد جراحهم والسعي إلى مداواتها.
يكون الصبر أكثر صلابةً وجدوى حين يشعر صاحبه بأنّ له معنى
طبيعي جدّاً أن ينتاب الضحايا الغضب والسأم حين يرون جلّاديهم وقتلتهم يستعرضون عنجهيتهم، ويعاودون ممارسة أساليب الفساد والرشوة والمحسوبيات داخل مؤسّسات الدولة، كما اعتادوا ذلك من قبل، وكأنّ شيئاً لم يتغيّر. إلى حدّ أنّ بعض الضحايا لا يكفّون عن سؤال القائمين على أجهزة الدولة: هل تعرفون الجناة حقّاً؟ وهل لديكم بالفعل ما يكفي من الأدلّة التي تمكّنكم من تجريمهم ومحاسبتهم وفق القانون؟ وإن كان الجواب نعم، فلماذا يستمرّ هذا الواقع؟ ولماذا نشعر بأنّ هناك من يستخفّ بعذاباتنا مراهناً على صبرنا؟ يفتح عدم الإجابة عن أسئلتهم الباب أمام تكاثر التأويلات والتفسيرات. ومن الناحية النفسية والاجتماعية والسياسية لا يمكن تجاهلها، إذ ليس لدى أصحاب الجراح رفاهية الانتظار وسط الضباب وانعدام اليقين. فالضحايا، عموماً، يحتاجون، قبل أيّ شيء، إلى مداواة جراحهم عبر قدر من الشفافية والتعاطف والاعتراف بمعاناتهم.
والناس، بطبيعتهم، منقسمون إلى كيانات وانتماءات وتجمّعات مختلفة، ولكلّ منهم توجهاته ومفاهيمه وتأويلاته وتفسيراته.
أمّا الدولة فهي جهاز منضبط ومنظّم، يعمل وفق برامج واضحة ورؤية محدّدة تصبّ في مصلحة عموم المواطنين. ولا ينفع مع الدولة أن يُترك الموظفون والمديرون والمسؤولون يرتجلون من تلقاء أنفسهم، مكتفين بالاعتماد على أنّهم ينتمون إلى الثورة أو شاركوا في التحرير، فذلك لا يعني أنّهم دائماً على صواب. فهم بشر كغيرهم، يخطئون ويصيبون، وقد تؤثّر في قراراتهم الأهواء والمصالح الشخصية والضغوط المختلفة، وقد يتغاضى بعضهم عن مجرم أو شبّيح أو كاتب تقرير مقابل رشوة أو منفعة أو لأيّ سبب آخر. لذلك؛ لا بدّ أن تبقى المرجعية للقانون، لا للاجتهادات الفردية أو للنيّات الحسنة. وإلّا فما الذي يبرّر بقاء القاضي في موقعه، أو رئيس الديوان، أو أمين المستودع، أو الطبيب، أو إمام المسجد، أو المحاضر الجامعي، أو الضابط، ممَّن شاركوا في تحطيم حياة الناس ومستقبلهم؟
وربّما نتيجة هذه المظاهر المريبة، والأسئلة التي ما تزال عالقةً بلا أجوبة واضحة، بدأت شريحةٌ واسعةٌ من الضحايا وذويهم تفقد صبرها، وتنجرف نحو الثأر. غير أنّ الثأر لا يداوي الجراح، كما نعرف، بل يوسّعها ويخلّف جراحاً أعمق. عادةً ما يكون الصبر أكثر صلابةً وجدوى حين يشعر صاحبه بأنّ له معنى، وأنّ هناك طريقاً واضحاً يسير فيه ويصبر لأجله، ويعرف ما ينتظره، وعلامَ يصبر، وإلى متى. عندها يهدأ وجع الضحية، ويغدو الصبر أسهل احتمالاً.