ملخص
تنحو سياسات بكين وموسكو لرفض الأحادية القطبية، وتعلنان عدم قبول الإملاءات الغربية والعقوبات الأحادية، ومحاولات كبح التنمية السيادية للدول الأخرى، ومن أجل ذلك تستخدم القوتان نفوذهما في منتديات “بريكس” و”منظمة شنغهاي للتعاون”
يعمل رئيس روسيا فلاديمير بوتين وزعيم الصين شي جينبينغ بنشاط على تغيير النظام العالمي، ويبنيان باستمرار ثقلاً موازناً للهيمنة الغربية. وفي الـ20 من مايو (أيار) 2026، وقع الزعيمان إعلاناً شاملاً آخر في شأن إقامة عالم متعدد الأقطاب، مما رسخ التحول عن الهيمنة الأحادية القطبية، وعزز أفكاراً لبناء هيكل عالمي أكثر عدلاً.
وخلال محادثاته الأخيرة في الصين، وصف بوتين التعاون بين موسكو وبكين بأنه “أحد أهم عوامل الاستقرار” في السياسة العالمية، وأكد أن روسيا والصين تدعوان إلى تشكيل “عالم متعدد الأقطاب” قائم على توازن المصالح واحترام سيادة الدول، معرباً عن أمله في تعزيز التنسيق بين البلدين في إطار الأمم المتحدة ومجموعة “بريكس” و”منظمة شنغهاي للتعاون” و”مجموعة الـ20″.
استراتيجية بوتين وشي
بمناسبة زيارة الرئيس الروسي لبكين، تذكر العالم ما قاله الرئيس الصيني لبوتين عندما اجتمعا في موسكو يوم الـ20 من مارس (أذار) عام 2023 “منذ 100 عام تمت صياغة النظام العالمي الحالي، ونحن معا نعيد صياغته للمستقبل”.
منذ ذلك الحين بقي سؤال كبير يدور على كل شفة ولسان: هل يمكن اعتبار هذا الكلام واقعي؟ وهل يعبر عن نية صينية لتوسيع نفوذ بلد مليار ونصف مليار مواطن، ومصنع العالم بأكمله؟
مهما يكن من أمر، فإن سياسات بكين وموسكو تنحو لرفض الأحادية القطبية، وتعلنان عدم قبول الإملاءات الغربية والعقوبات الأحادية، ومحاولات كبح التنمية السيادية للدول الأخرى. ومن أجل ذلك تستخدم القوتان نفوذهما في منتديات “بريكس” و”منظمة شنغهاي للتعاون” لتوسيع عدد الدول ذات التوجهات المتشابهة وتعزيز مكانة الدول في الجنوب العالمي، كما تسعيان إلى تحقيق سيادة اقتصادية من خلال تقليل الاعتماد على الدولار والمؤسسات المالية الغربية، فتقوم روسيا والصين بتحويل تجارتهما إلى تسويات بالعملات الوطنية.
تشكل الشراكة الاستراتيجية بين الصين وروسيا في الوقت الراهن، الثقل الموازن الرئيس للهيمنة الأميركية، سواء في المجالات المالية أم الاقتصادية أم السياسية. فموسكو وبكين تعارضان قيام الولايات المتحدة بإنشاء تحالفات ضيقة، وتعربان عن قلقهما المتبادل إزاء المحاولات الغربية لتقسيم أوراسيا إلى “نوادي مغلقة”.
وتروج القوتان لفكرة الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب، وهما تنسقان جهودهما في المؤسسات الدولية بدءاً من الأمم المتحدة، ومروراً بمجموعة “بريكس” وصولاً إلى منظمة “شنغهاي للتعاون”.
الشراكة الاقتصادية
في ظل العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على موسكو، أصبحت بكين أكبر شريك تجاري لروسيا، إذ تجاوز حجم التجارة الثنائية 220 مليار دولار في الوقت الراهن، وهذا الحجم قابل للزيادة والتطور، مع ازدياد توجه روسيا في علاقاتها الاقتصادية نحو الشرق ونحو آسيا بصورة عامة.
فروسيا تلبي احتياجات الصين المتزايدة من الطاقة (النفط والفحم والغاز الطبيعي المسال)، وتجري مناقشة مشاريع استراتيجية، بما في ذلك إنشاء خط أنابيب الغاز الجديد “قوة سيبيريا 2”.
وبلغت إمدادات الطاقة الروسية إلى الصين ما يقرب من 80 مليار دولار، بحسب هيئة الإحصاء الروسية (روستات).
كما يجري تحويل معظم المعاملات عبر الحدود بين الدولتين إلى العملات الوطنية (الروبل واليوان)، مما يقلل الاعتماد على نظام الدولار الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة.
وأوردت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية أن سعي الصين إلى توسيع مجال استخدام عملتها الوطنية “الرنمينبي RMB” (الاسم الرسمي للعملة الصينية) عالمياً تعززت بصورة ملموسة في ظل الحرب الإيرانية”، مشيرة إلى “ارتفاع اعتماد “نظام الدفع عبر الحدود” (CIPS) الذي طورته بكين إلى مستويات قياسية”.
العلاقات السياسية
أظهرت موسكو وبكين خلال السنوات الأخيرة تنسيقاً كبيراً في شأن القضايا الدبلوماسية الرئيسة، لا سيما في مجلس الأمن الدولي حيث يتمتع البلدان بحق النقض (الفيتو)، وكذلك في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والمنظمات الدولية المتخصصة.
وضمن ما صار يعرف بتوازن القوى في العلاقات الدولية، تطرح الصين نفسها كوسيط عالمي متوازن في الحوار بين روسيا والغرب، لا سيما في ما يخص الأزمة الأوكرانية.
وفي سياق التوترات المتزايدة حول منطقة آسيا والمحيط الهادئ (على سبيل المثال، قضية تايوان)، تضمن الشراكة مع روسيا للصين أمن حدودها الشمالية ودعماً موثوقاً به في حالة المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة.
العلاقات العسكرية
على رغم أن روسيا والصين لا تتخرطان رسمياً في تحالف عسكري سياسي كلاسيكي من نوع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلا أن تعاونها في المجال الأمني قد وصل إلى مستوى غير مسبوق.
فالبلدان يجريان تدريبات عسكرية مشتركة ومنتظمة، كما يتشاركان في مناورات ودوريات بحرية وجوية مشتركة ومناورات عسكرية بصورة منتظمة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ لإظهار القوة.
ومع أن الصين تمتنع رسمياً عن بيع الأسلحة بصورة مباشرة، إلا أن التبادلات النشطة مستمرة بينها وبين روسيا في مجالات التقنيات ذات الاستخدام المزدوج والإلكترونيات الدقيقة وأنظمة المركبات الجوية غير المأهولة والتقنيات العسكرية والفضائية.
كما يتبادل البلدان الخبرات، فتشارك روسيا الخبرات التكتيكية والقتالية المكتسبة خلال الصراع في أوكرانيا، بينما تقوم للصين بتزويد روسيا بتقنيات متقدمة في التكنولوجيا البحرية والدفاع الصاروخي.
ويهدف هذا التقارب الاستراتيجي إلى حماية اقتصادات وأمن كلا البلدين من العقوبات الأميركية والضغوط السياسية، مع بناء هيكل حوكمة عالمي بديل للغرب.
ووصفت صحيفة “سوهو” الصينية إسقاط طائرة مقاتلة أميركية من طراز إف-16 بواسطة طائرة روسية من طراز سو-35 بأنه نقطة تحول في الصراع الأوكراني، وقالت إن خسارة هذه الطائرة دليل على قوة السلاح الروسي، فضلاً عن أنها تمثل ضربة قوية للقوات الجوية الأوكرانية المنهكة، التي تعاني حالياً مشكلات في قطع الغيار وتدريب الطيارين، وتجدر الإشارة إلى أن الجيش الأوكراني لا يمتلك سوى نحو 30 طائرة من هذا الطراز.
واعتبرت أن إسقاط الطائرة يمثل نقطة تحول في الصراع الروسي – الأوكراني، فضلاً عن كونه علامة فارقة جديدة في تاريخ القتال الجوي الحديث، إنه دليل واضح على فعالية صواريخ جو-جو الروسية بعيدة المدى، فمن يمتلك تكنولوجيا رادار وصواريخ متطورة، تكون له الأسبقية في القتال الجوي”، بحسب ما ذكرت.
ما هو النظام العالمي متعدد الأقطاب؟
دخلت العلاقات الدولية عصراً من التغيير، أصبحت هذه الفرضية شائعة في المصطلحات الدبلوماسية، والوثائق الدولية، والمنشورات الإعلامية، ومناقشات الخبراء. حتى وقت قريب، كان يوصف المضمون الرئيس للتغيرات في النظام العالمي باستخدام مفهومي “العولمة” و”تعدد الأقطاب”.
اكتسب الأول شعبية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في الربع الأخير من القرن الـ20، وفي عام 1998، جرى ترسيخه في قرار إجماعي للأمم المتحدة، كان القبول الواسع النطاق لفرضية العولمة نتيجة لتضافر عوامل عدة.
أولاً فقد عدد من الدول توجيهاتها الاستراتيجية السابقة نتيجة لانتهاء المواجهة بين الكتل، ثانياً سمح غياب تعريف متفق عليه عالمياً للعولمة بتفسيرها بصورة تعسفية، ثالثاً أدى صعود الولايات المتحدة إلى موقع مهيمن في الاقتصاد والسياسة العالميين إلى تكثيف عملية التغريب في العالم غير الغربي، وقد تم تقديم مفهوم التعددية القطبية رسمياً مع اعتماد الإعلان الروسي الصيني “حول عالم متعدد الأقطاب وتشكيل نظام دولي جديد عام 1997”.
وعلى رغم أن فكرة التعددية القطبية لم تحظَ في البداية إلا بدائرة محدودة جداً من المؤيدين، حتى داخل روسيا نفسها، إلا أنها اكتسبت جاذبية متزايدة عاماً بعد عام، فقد اجتذبت أولئك الذين أدركوا قصور النماذج التي فرضها الغرب، وسعوا إلى التنمية من دون المساس بسيادتهم وهويتهم.
ولأكثر من عقدين، تعايشت هاتان الرؤيتان للتنمية العالمية بتناغم في فلسفات السياسة الخارجية لدول الشرق والجنوب العالميين، وقد تحقق التوازن من خلال التركيز على وصف العمليات الدولية.
فهمت غالبية العالم مصطلح “العولمة” على أنه نمو الترابط والتكامل وحرية التبادل (بصورة غير مسبوقة في تاريخ البشرية)، وأصبح مصطلح “تعدد الأقطاب” يشير إلى عملية موضوعية لتوزيع إمكانات التنمية العالمية، وتعزيز مراكز جديدة مستقلة للنمو الاقتصادي وصنع القرار السياسي. وقد ساعد فهم تعقيد هذه العمليات وتعدد أبعادها روسيا وغيرها من الدول غير الغربية في الاستعداد للمرحلة الانتقالية الحالية في التنمية العالمية، ولا ينطبق هذا الأمر على الغرب ككل.
الرؤية الروسية لعالم متعدد الأقطاب
بحسب بوتين تهتم روسيا، بوصفها أحد المراكز العالمية المؤثرة والمسؤولة عن التنمية العالمية، بضمان أن تكون عملية إنشاء عالم متعدد الأقطاب “أكثر توازناً وتلبي مصالح الغالبية العظمى من الدول”. وقد تمت صياغة النظام الرسمي للآراء حول كيفية تحقيق ذلك، وما ينبغي أن يصبح عليه النظام متعدد المراكز للعلاقات الدولية في نهاية المطاف، وتكريسه للمرة الأولى في مفهوم السياسة الخارجية للاتحاد الروسي لعام 2023.
تحدد الفقرة 18 من المفهوم المعايير الأساسية لفعالية النظام الدولي المستقبلي (القدرة على ضمان أمن موثوق، والحفاظ على الهوية الثقافية والحضارية، وتكافؤ فرص التنمية لجميع الدول). كما تقدم قائمة تقريبية بالمبادئ التنظيمية الأكثر طلباً لتنظيم العلاقات العالمية في عصر التعددية القطبية.
تقاطع وتعارض المصالح بين بكين وواشنطن
تقول إيكاترينا زاكليازمينسكايا، عالمة الصينيات ومديرة مركز السياسة العالمية والتحليل الاستراتيجي في معهد الصين وآسيا الحديثة التابع للأكاديمية الروسية للعلوم “تخشى بكين من الاعتماد المفرط على موسكو، لكن الأحداث الجيوسياسية لا تزال تدفع الصين نحوها”، وتعتقد أن زيارة دونالد ترمب للصين لم تغير هذا التوجه جذرياً.
لكن عالم السياسة الروسي، يوري سفيتوف، أشار إلى تصريحات محللين أميركيين زعموا فيها أن ترمب حاول التأثير في شي جينبينغ لإنهاء دعمه لروسيا. علاوة على ذلك، طلب الرئيس الأميركي من روسيا، خلال مكالمة هاتفية مع بوتين، التوقف عن مساعدة الصين. وأضاف الخبير “هذه تكتيكات أميركية شائعة، فرق تسد، لم يعد الأمر مفاجئاً”.
تغيير سياسة واشنطن التصادمية!
من وجهة نظر المحللين الروس، كان لدى الصينيين والأميركيين بطبيعة الحال أهداف وأولويات مختلفة. انصب اهتمام الولايات المتحدة على ثلاث قضايا رئيسة: التجارة، والاستثمار، والاستقرار الإقليمي.
بينما ركزت الصين بصورة أكبر على البعد السياسي، وحاولت إقناع الأميركيين بأن المواجهة غير مجدية، وأن الشراكات ضرورية. بعبارة أخرى، كان هدف بكين الرئيس هو تغيير سياسة واشنطن التصادمية تجاه الصين، وجعلها أكثر موضوعية وعملية، وأكثر تركيزاً على التعاون بدلاً من التنافس، وقد نوقش هذا الأمر باستفاضة.
وهناك نقطة أخرى بالغة الأهمية لم تحظ بالاهتمام الكافي، وهو الاتفاق الرامي إلى بناء علاقات صينية – أميركية قائمة على الاستقرار الاستراتيجي البناء. في جوهرها، يعد هذا الاتفاق نمطاً جديداً من العلاقات الثنائية.
ومن الجدير بالذكر كيف شرح ممثلو وزارة الخارجية الصينية هذا المفهوم، إذ قالوا إنه يتمحور أساساً حول بناء علاقات مستقرة وقابلة للتنبؤ. وقد أدت تقلبات واشنطن المستمرة، وتغيير افتراضاتها، وتخليها عن التزاماتها خلال العام الماضي، إلى إضعاف بكين إلى حد ما.
ولذلك، ترى الصين أن العلاقات بين البلدين يجب أن تكون قابلة للتنبؤ والتحكم قدر الإمكان. وهذا من شأنه أن يسهم في تحقيق الاستقرار في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، وكذلك في استقرار العلاقات مع بقية دول العالم.
ومن جهته، أكد البروفيسور ألكسندر لومانوف، رئيس مركز دراسات آسيا والمحيط الهادئ، في معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية، أن خطر تصاعد التوترات بين الصين والولايات المتحدة لا يزال قائماً، على رغم الخلفية الإيجابية للمفاوضات. وأضاف الخبير أن الأميركيين والصينيين لا يسعون إلى المواجهة، لكن تطور العلاقات بين القوتين يعتمد بصورة أكبر على موقف واشنطن وموقف البيت الأبيض وقائده.
ووفقاً لتوقعات الخبير، ستحاول بكين تجنب الصراعات مع الولايات المتحدة حتى نهاية العام، لكن خطر التصعيد حول تايوان لا يزال مرتفعاً.
آفاق الشراكة بين موسكو وبكين
يجب على الصين وروسيا العمل كجبهة موحدة وتنسيق مواقفهما، هذه نقطة بالغة الأهمية. بعبارة أخرى، في نظر الصين، تبدو روسيا شريكاً موثوقاً به ومستقراً ويمكن التنبؤ بتصرفاته، يشارك جمهورية الصين الشعبية مصالحها وتطلعاتها ويفهمها تماماً.
بنى بوتين وشي مستوى معيناً من الثقة المتبادلة على مدى فترة طويلة، وإذا نظرنا إلى عدد مرات لقاء قادة الصين وروسيا، وكذلك قادة الصين والولايات المتحدة، وعدد الزيارات المتبادلة، نجد أن سفر الممثلين الأميركيين الرسميين إلى الصين نادر للغاية، تماماً كما هو الحال بالنسبة إلى الممثلين الصينيين في الولايات المتحدة.
في المقابل، تتسم العلاقات الروسية – الصينية بتقاربها الشديد، إذ تربط البلدين تفاعلات وثيقة وتواصل شخصي بين القادة، وهذا بحد ذاته دليل قاطع على قوة هذه العلاقات. ومن بين أمور أخرى، يدرك الزعيم الصيني، على رغم بعض المخاوف في شأن تعميق الشراكة مع موسكو بصورة مفرطة، تماماً من يشكل شريكاً استراتيجياً موثوقاً وقاعدة دعم أساسية، كما يتضح من أحداث الشرق الأوسط.
تعلم روسيا أن إمدادات النفط إلى الصين قد زادت بصورة ملاحظة بعد انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط أو تراجعها، وموسكو على أتم الاستعداد لتقديم يد العون لجارتها الشرقية. وتدرك الصين بوضوح أنه في خضم أي اضطرابات جيوسياسية، كالمشكلات اللوجستية التي تعطلت بشدة وانهارت إلى حد كبير نتيجة للهجمات التي لم تؤثر في مضيق هرمز فحسب، بل على قناة السويس أيضاً، توجد طرق بديلة عبر روسيا (سكك حديدية، طرق برية، وبحرية، بما في ذلك طريق بحر الشمال)، ويتزايد اهتمام الصين بهذه الطرق.
الدور المحوري للصين
في هذه الأيام، تكاد بكين تشبه يالطا عام 1945 من حيث الشكل فقط، فخلال أسبوع واحد استضاف الرئيس الصيني شي جينبينغ الرئيسين الأميركي والروسي. يبدو وكأن قادة القوى النووية الثلاث العظمى، المسؤولين عن حاضر ومستقبل السياسة العالمية، جاؤوا ليجتمعوا ويتفقوا على كل شيء، لو أن دونالد ترامب انتظر وصول بوتين إلى بكين، لربما كان يمكن لأزمات أوكرانيا وإيران وغزة وتايوان أن تجد حلولاً توافقية أو تفاهمات مبدئية في الأقل، وعاد العالم للاستقرار والتعايش المستدام بين القوى العظمى.
لكن الحقيقة المرة والواقعية تكمن في أن بكين لا يمكن أن تصبح يالطا جديدة، مهما بلغ تفاؤل علماء السياسة في أحلامهم، فالتناقضات بين القوة المهيمنة السابقة والتحالف المتنامي بين أكبر دولتين في أوراسيا باتت كبيرة للغاية اليوم.
لم تسفر زيارة دونالد ترمب عن أي اختراقات أو صفقات كبيرة، ليس لأنه متهور أو لأن شي جينبينغ عنيد، بل ببساطة لأن صدعاً بحجم المحيط الهادئ قد انفتح بين الولايات المتحدة من جهة، والعالم متعدد الأقطاب بقيادة روسيا والصين من جهة أخرى.
أعلنت القوى الأوراسية مسارها نحو عالم متعدد الأقطاب، عالم يتعين على أميركا فيه مراعاة مصالح جميع الدول، كبيرها وصغيرها. في هذا العالم، لا مكان للعدوان التعسفي على العراق أو إيران، ولا مكان للعقوبات أو الرسوم الجمركية الباهظة، ولا هيمنة للدولار، ولا “نظام قائم على القواعد”.
العالم متعدد الأقطاب الذي يريده فلاديمير بوتين وشي جينبينغ له قاعدة أساسية واحدة: لا يسمح بوجود لاعب مهيمن، بل هو مصمم لخلق توازن بين الضوابط والتوازنات، لا يشمل القوى النووية فحسب، بل يشمل أيضاً القادة الإقليميين الصاعدين.
لن يرغب ترمب في العيش في هذا العالم، ومحاولة التفاوض معه في شأن ذلك أمر لا طائل منه.
يجب بناء هذا العالم، من دون الالتفات إلى التهديدات التي تشكلها “تروث سوشيال”، خطوة بخطوة، من خلال بنية تحتية جديدة للدفع الدولي، وآليات جديدة لتنظيم التجارة، وعولمة جديدة. سيوحد هذا العالم دول أوراسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية عبر ممرات النقل واتفاقات التجارة الحرة، والعملات الوطنية، وحرية حركة السلع والخدمات والأفراد.
هذا هو تحديداً نوع العالم الذي تحتاج إليه غالبية الدول اليوم، ويمكننا أن نكون على يقين من أن بوتين وشي يتطلعان لبناء هذا العالم، سواء من خلال الشراكة الأوراسية أم مجموعة “بريكس” أم منظمة “شنغهاي للتعاون”، فالأمر سيان.
لكنهما يعلمان علم اليقين أن الطريق إلى هذا العالم المتعدد الأقطاب ليس مفروشاً بالورود ولا بالسجاد الأحمر، بل تعترضه عقبات كثيرة وألغام عديدة بعضها مرئي وكثير منها مخفي.
