ملخص
يتحول النفط إلى وقود لصراعات جيوسياسية جديدة، من فوكلاند ومضيق هرمز إلى القطبين الشمالي والجنوبي، مع تراجع فرص السلام في مناطق غنية بالطاقة. ومع استمرار الاعتماد على الهيدروكربونات لعقود، تتجه روسيا وأميركا والصين إلى مواجهة محتملة على موارد المناطق القطبية.
دفع الخلاف على النفط في حوض شمال فوكلاند الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي إلى تجديد مطالبة بلاده بالسيادة على جزر فوكلاند. قال في خطاب متلفز إلى الشعب الأسبوع الماضي إن “رياح التغيير” أخذت تهب لمصلحته، معرباً عن توقعه الحصول على دعم دونالد ترمب
ليس الخلاف مشادة عابرة، بل تطور جديد في معركة السيطرة على منابع النفط، وهو أحد هواجس دونالد ترمب. يقع النفط والطاقة في صلب كثير من النزاعات والحروب، التي يبلغ عددها نحو 60 في مختلف أنحاء العالم اليوم.
وخلال العقد المقبل، يُرجح أن تنتقل المواجهة على النفط والهيدروكربونات إلى مناطق جديدة، لا سيما القطب الشمالي والقارة القطبية الجنوبية.
مساء الأربعاء، هدد ميلي بفرض عقوبات على أي شركة أو متعهد يشارك في الاستغلال التجاري لامتياز “سي لايون”، الواقع على بعد نحو 130 ميلاً (209 كيلومترات) شمالي غربي جزر فوكلاند. ويُرجح أن تبدأ أعمال الحفر والاستخراج في أواخر العام المقبل أو في مطلع عام 2028. وتشارك في المشروع شركتان، هما “روكهوبر” البريطانية و”نافيتاس” الإسرائيلية. وأدى التهديد المدوي الصادر من بوينس أيرس إلى انخفاض سعر سهم “نافيتاس” سبعة في المئة في بورصة تل أبيب.
تشير أحدث التقديرات إلى أن إنتاجية الحقل الذي ستعمل فيه “روكهوبر” قد تصل إلى 1.9 مليار برميل. وبفضل أحدث التقنيات، يُفترض أن يكون استخراج النفط منه سهلاً نسبياً، بعدما ظلت جدوى ذلك موضع شك حتى الآن. بدأ التنقيب عن النفط حول الجزر في سبعينيات القرن الماضي، أي قبل عقد من المواجهة بين بريطانيا والأرجنتين عام 1982، التي قُتِل فيها نحو ألف شخص خلال حرب قصيرة استمرت 12 أسبوعاً.
زعم المشككون أن احتمال تحقيق ثروة نفطية ضخمة هو ما أقنع مارغريت ثاتشر بأن القتال من أجل الجزر يستحق خوضه. لكنني، بحكم وجودي في الجزر ومحيطها آنذاك مراسلاً لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” وغيرها، لم أجد أحداً في قطاع الطاقة يعتقد أن نفط فوكلاند قابل للاستغلال تجارياً.
وبالتأكيد، فإن الكميات المرجح استخراجها من حقل “سي ليون” لا تقارن بالصفقة التي أبرمتها إدارة ترمب بشأن النفط الفنزويلي الأربعاء الماضي. فقد وقعت الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز اتفاقاً يمنح شركات أميركية امتيازاً لاستغلال ما يصل إلى 65 مليار برميل من النفط على مدى العامين المقبلين.
وهذا أحد أعراض النزعة التجارية الجديدة التي تتبناها إدارة ترمب، وهي نزعة مرجح أن تستمر بعد انتهاء ولايته. وقد جرى تكريسها في استراتيجية الأمن القومي الصادرة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عندما سعى ستيفن ميلر، أحد أقرب مستشاري ترمب، إلى إعادة صياغة عقيدة الرئيس جيمس مونرو. وبعبارات مباشرة، تعتبر هذه العقيدة نصف الكرة الغربي “مجالنا الخاص”، أي أميركا الشمالية والجنوبية والمحيطات المحيطة بهما. ولهذا السبب، أرجح أن ينحاز ترمب إلى جانب ميلي في قضية فوكلاند، تماماً كما لمح إلى ذلك. وعلى رغم شعبويته الغريبة، فإن ميلي يمثل في أميركا اللاتينية الوجه الأبرز لحركة “ماغا” في الولايات المتحدة.
ويزداد هوس ترمب بالنفط والغاز الأميركيين بفعل الجمود الذي وصلت إليه حربه مع إيران، والمشكلات التي تواجهها روسيا حالياً في صادرات الطاقة. فأسواق النفط والغاز في روسيا تتقلص، فيما تجازف ناقلات “أسطول الظل” المتهالكة بالإبحار في محيطات العالم، وسط تزايد المخاطر وتراجع العوائد.
ويُرجح أن تكون الرمال النفطية الكندية، وكذلك حوض مالفيناس بأكمله، مدرجة على جدول أعمال ترمب. يشكل حوض شمال فوكلاند الجزء الشمالي والأكثر جاذبية من سلسلة حقول تكوّن مجتمعة حوض مالفيناس الكبير – الذي عُدت ظروفه الطبيعية حتى الآن بالغة الصعوبة إلى حد يحول دون استغلاله في صورة مجدية تجارياً. لكن ينبغي الانتباه إلى أن ميلي أعلن الأربعاء أن الأرجنتين ستبني “قاعدة عملاقة” جديدة في تييرا ديل فويغو عند الطرف الجنوبي للقارة. ويقول الآن إنها ستكون مركزاً تنطلق منه الأرجنتين لاستكشاف موارد الجزر الواقعة في جنوب المحيط الأطلسي واستغلالها، ومنها جورجيا الجنوبية وثولي الجنوبية وجزر شيتلاند الجنوبية.
وهذا يقود الأرجنتين أيضاً إلى القارة القطبية الجنوبية، حيث تعمل منذ فترة على إنشاء قاعدة عسكرية متعددة الاستخدامات، في انتهاك لمعاهدة أنتاركتيكا الموقعة عام 1959.
ومن المتوقع أن تصبح القارتان القطبيتان، الجنوبية والشمالية، أبرز ساحات التنافس ومصادر الصراع المحتمل خلال العقدين المقبلين على الأقل. فالثروات المعدنية والهيدروكربونات موجودة بكميات هائلة، ومع ارتفاع درجات الحرارة العالمية تصبح إمكانية الوصول إليها أسهل.
وخلافاً للتوقعات التي سادت مطلع هذا القرن، لم نبلغ بعد ذروة النفط، أي أعلى مستويات إنتاج الهيدروكربونات أو استهلاكها. ترى وكالة الطاقة الدولية، مثلاً، أن هذه الذروة ستتحقق في وقت ما خلال ثلاثينيات هذا القرن، لكن توقعات منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) تشير إلى أنها لن تتحقق قبل عقدين إضافيين على الأقل.
ومع أن مصادر الطاقة المتجددة تستحوذ على حصة متزايدة من إمدادات الطاقة، تصل حالياً إلى 30 في المئة في بعض الاقتصادات المتقدمة، سيظل اعتمادنا على المواد الهيدروكربونية قائماً لبعض الوقت، على الرغم من المؤشرات التحذيرية الناجمة عن تغير المناخ.
ستكون المنطقتان القطبيتان ساحة التنافس الكبرى، لا سيما في ظل عجز الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية عن الوصول إلى السلام والوئام. وستشهدان صداماً مباشراً بين مصالح روسيا والولايات المتحدة والصين. لسبب ما، لا أعتقد أن السلام سيسود.
© The Independent
