بغداد/ تميم الحسن… جريدة المدى
تقترب بغداد من مواجهة عقوبات أميركية، بعدما أدت هجمات انطلقت من الأراضي العراقية إلى تعطيل نحو 7 ملايين برميل من صادرات النفط السعودية، في تطور يضع حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على ضبط الفصائل المسلحة ومنع استخدام الأراضي العراقية في صراعات المنطقة.
وتقول مصادر مطلعة وقريبة من مؤسسات أميركية حساسة إن واشنطن تنظر بقلق متزايد إلى عجز بغداد عن وقف الهجمات المتكررة على منشآت النفط السعودية، وإن إعلان حالة الطوارئ قد يكون، من وجهة نظر تلك المصادر، إحدى الوسائل التي يمكن للزيدي استخدامها لاحتواء التصعيد وتأجيل أو تجميد عقوبات محتملة.
وتأتي هذه التطورات في وقت لم تعلن فيه بغداد حتى الآن نتائج التحقيق في الهجمات على السعودية، بينما اضطرت الحكومة إلى التحرك سريعاً على الحدود مع إيران، قبل أن تعود وتفتح المنافذ التي أغلقتها لساعات.
واشنطن في حالة ارتباك
وتقول مصادر خاصة لـ(المدى)، قريبة من مراكز القرار في واشنطن، إن فريق عمل توم براك، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى العراق، إلى جانب مكتب العراق في وزارة الخارجية الأميركية، يعيشان حالة “ارتباك كبير” على خلفية التطورات الأخيرة.
وبحسب المصادر، فإن بعض المواعيد المهمة أُلغيت أو لم تعد تؤخذ بالجدية نفسها، فيما أصبح النشاط الأميركي في الملف العراقي يعتمد بصورة أكبر على فريق براك، بعد تراجع دور مكتب العراق في الخارجية الأميركية.
وتصف المصادر فريق براك بأنه “هزيل”، ويعتمد على عدد محدود من الأشخاص موزعين بين بغداد وسوريا وباريس وتركيا.
وترى أن ما يجري الآن هو تراجع مستوى الحاجة الاستراتيجية والدبلوماسية الأميركية تجاه العراق، مقابل تصاعد خطر الجماعات المسلحة التي تستخدم الأراضي العراقية لتنفيذ هجمات خارج الحدود.
وتقول المصادر إن هذا الوضع يدفع الولايات المتحدة إلى الاقتراب من فرض عقوبات على بغداد، بسبب ما تعتبره فشلاً في منع هجمات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني أو جماعات موالية له ضد منشآت النفط السعودية.
لكن الخطر، بحسب المصادر نفسها، لا يتعلق بالعقوبات وحدها.
فالعراق، كما تقول، يدخل مرحلة شديدة الحساسية في وقت تعاني فيه الدولة من ضعف اقتصادي ومن صعوبة في توفير الوقود والاحتياجات الأساسية والرواتب، ما يجعل أي عقوبات جديدة أكثر خطورة على الحكومة.
ولهذا ترى المصادر أن على الزيدي، إذا كان يدرك حجم التهديد، أن يعلن حالة الطوارئ، باعتبارها خطوة قد تساعد في تجميد العقوبات أو تأجيلها وإظهار قدرة الحكومة على السيطرة على الوضع.
إغلاق الحدود ثم التراجع
وحاول الزيدي احتواء الأزمة بإغلاق المنافذ الحدودية مع إيران لساعات، في خطوة بدت وكأنها رسالة إلى واشنطن بأن بغداد مستعدة لاتخاذ إجراءات لمنع استخدام أراضيها في عمليات تستهدف دول الجوار.
لكن معلومات متداولة تقول إن إعادة فتح المعابر جاءت بعد اعتراض قوى شيعية رأت في الإغلاق مشاركة عراقية في الحصار الأميركي المفروض على طهران.
وكانت بغداد قد اتخذت إجراءات أمنية إضافية في ميسان، شملت إعفاء قائد شرطة المحافظة ونقل مديري الأجهزة الأمنية فيها إلى الإمرة وإحالتهم إلى التحقيق، بعد الاشتباه بوجود ثغرات سمحت بمرور الشبكات التي يُعتقد أنها شاركت في تنفيذ الهجمات.
وبحسب مصادر مطلعة، جرى اختيار ميسان بعناية لتنفيذ الهجمات، بعد مراقبة المناطق الصحراوية المقابلة للسعودية، فيما تمكنت الإجراءات العراقية من تأجيل رد الرياض، لكن ذلك الرد قد يبقى مطروحاً في أي وقت.
ويراهن العراق، بحسب محللين، على “ضبط النفس” السعودي لمنع تحول الهجمات إلى أزمة مفتوحة بين بغداد والرياض.
“غرفة عمليات للمقاومة تعمل من العراق”
ويرى مثال الألوسي، السياسي المستقل والنائب السابق، أن الوضع “جداً جداً قلق”، خصوصاً أن الزيدي يخوض معركة مزدوجة: استكمال تشكيل الحكومة من جهة، وإقناع واشنطن من جهة أخرى بأن حكومته قادرة على فرض الأمن ونزع السلاح ومواجهة الجماعات الخارجة عن القانون.
ويضيف الألوسي لـ(المدى): “الزيدي يحاول إقناع الخزانة الأمريكية والإدارة الأمريكية بشكل عام والبيت الأبيض بشكل خاص بأن حكومته ساعية وقادرة على الالتزام بما تتعهد به من فرض الأمن ونزع السلاح ومحاربة الانفلات ومحاربة العصابات الخارجة عن القانون.”
وأشار إلى أن ما يسميه بـ”ممثلية المقاومة” في العراق، التي تنفذ هجمات بالداخل والخارج، باتت تضم عراقيين وحوثيين وتعمل، بحسب تقديره، بإشراف مباشر من الحرس الثوري الإيراني.
وقال إن من يحدد الأهداف ويصدر الأوامر ويتولى الجوانب التقنية وينفذ الاستهداف هم مجموعات مشتركة من الحوثيين والعراقيين.
وبحسب الألوسي، فإن الخطر الأكبر هو أن تتحول الحدود العراقية إلى ساحة حرب جديدة بين إيران والولايات المتحدة.
وقال: “يبدو بشكل واضح السعي لجعل حدود العراق -ضمن حدوده الجغرافية- ساحة حرب جديدة بين إيران وبين أمريكا، مثل ما أصبح الآن اليمن، مثل ما أصبح الخليج العربي وكردستان وكرد إيران كهدف مشروع، كما يسمى، لتوسيع جبهات الحرب.”
وأضاف أن إيران، بحسب تقديره، “تفتح حرباً جديدة على العراق”، رغم أن البيت الأبيض والرئيس ترامب يسعيان إلى تجنب تحويل العراق إلى ساحة مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران.
ويرى الألوسي أن القيادة الإيرانية الحالية باتت أكثر تطرفاً، وأن بعض المتشددين داخلها يعتقدون أن فتح الجبهات يمكن أن يعجل بظهور الإمام الغائب.
زيارة أوروبا تتقلص
ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند الحدود.
فبحسب معلومات الألوسي، دفع التصعيد الزيدي إلى اختصار برنامج زيارته الأوروبية، التي تشمل باريس وبرلين، قائلاً إن ذلك قد يكون أيضاً جزءاً من محاولة لإفشال الزيارة وإظهار رئيس الوزراء العراقي أمام العالم باعتباره رئيس حكومة محدودة السيطرة.
وقال: “هذا الارتباك الواضح وهذا الانشغال الحكومي وهذا التحدي الكبير دفع -حسب معلوماتي- علي الزيدي إلى أن يختصر في جدول عمل سفره إلى أوروبا، فيكون في برلين 10 ساعات، بمعنى آخر أن ما يجري أيضاً هو استهداف لهذه الزيارة، وهو إفشال لهذه الزيارة، وإفشال لعلي الزيدي، واستعراضه أمام العالم على أنه رئيس وزراء لا سلطة لديه إلا في المنطقة الخضراء.”
وأضاف: “أتمنى أن ينجح الزيدي في إقناع واشنطن بعدم فرض عقوبات، وأن تصبر واشنطن.”
بغداد مطالبة بتمييز موقفها عن الفصائل
من جانبه، يرى غازي فيصل، الدبلوماسي السابق، أن الهجمات على السعودية تمثل تطوراً خطيراً، خصوصاً إذا ثبت انطلاقها من الأراضي العراقية ومشاركة فصائل مسلحة عراقية فيها.
وقال لـ(المدى) إن استهداف خطوط نقل النفط وغيرها من المنشآت السعودية يمكن أن يصنف كـ”جرائم إرهابية”، مضيفاً أن هناك شبهة بتواطؤ بعض القيادات العسكرية والأمنية في ميسان، أو في مناطق أخرى، عبر فتح المجال أمام شبكات وصفها بالمافيا لتنفيذ عملياتها.
ويعتقد فيصل أن الحكومة العراقية تعاملت مع الأزمة “بحكمة”، مشيراً إلى إقالة القيادات الأمنية وفتح التحقيق وإغلاق المنافذ الحدودية.
ويربط الدبلوماسي السابق الإجراءات العراقية أيضاً بالعقوبات الأميركية المفروضة على إيران، قائلاً إن العراق سيكون مضطراً إلى منع انتقال الأسلحة والأموال والسلع عبر الحدود بما يخالف تلك العقوبات.
وأضاف أن بغداد قد تواجه عقوبات جديدة إذا استمرت شركات أو أشخاص في دعم الاقتصاد الإيراني أو تسهيل ما وصفه بـ”اقتصاد الظل”.
بغداد والرياض أمام اختبار جديد
ويرى فيصل أن الخطوة الأكثر أهمية الآن هي أن تميز بغداد بوضوح بين موقف الدولة ومواقف الفصائل المسلحة.
وقال إن التنسيق بين بغداد والرياض، والتحقيقات المشتركة، ومحاولة احتواء الأزمة، يمكن أن تساعد في إقناع السعودية بأن الحكومة العراقية لا تتبنى ما تقوم به الفصائل المسلحة.
وأضاف أن ما حدث يؤكد، في رأيه، أهمية معالجة ملف سلاح الفصائل ومنع الحرس الثوري الإيراني أو الحوثيين أو حزب الله اللبناني من استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ عمليات ضد دول الجوار.
وبالنسبة إلى فيصل، فإن زيارة الزيدي إلى أوروبا قد تصبح جزءاً من هذه الرسالة السياسية.
فبعد سنوات من التقارب العراقي – الإيراني، يقول الدبلوماسي السابق إن الزيارة إلى باريس وبرلين تعكس، في رأيه، محاولة لإظهار سياسة عراقية أكثر استقلالاً عن طهران.
ويرى أن الزيارة، إلى جانب مشاركة الزيدي المرتقبة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، قد تشكل محطة لإعادة تقديم العراق أمام المجتمع الدولي باعتباره دولة تسعى إلى الاستقرار والاستثمار والطاقة والعلاقات المتوازنة، لا ساحة إضافية للحرب بين إيران والولايات المتحدة.