
أكدت الضربات الصاروخية الإيرانية الأخيرة ضد إسرائيل، التي شنتها طهران هذا الأسبوع ردا على ضربات إسرائيلية استهدفت “حزب الله” في لبنان، قناعةً تتعاظم في العواصم الغربية بأن طهران خرجت من شهور من الصراع المدمر أكثر استعدادا للمخاطرة، وأقل تقيدا بمخاوف التصعيد، وأشد اقتناعا من السابق بأن الضغط العسكري قادر على إنتاج مكاسب سياسية. ووقع تبادل الضربات بين إسرائيل وإيران، على الرغم من وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان، ومن الضغط العلني من واشنطن لخفض التصعيد. ولم تمر ساعات حتى ردت إسرائيل بضربات استهدفت مواقع إيرانية.
قد تغدو دورة الحرب منخفضة الوتيرة قاعدة المرحلة المقبلة. وهذه قراءة لا تخلو من وجاهة، لكنها لا تلتقط سوى نصف الحكاية.
ينطوي التركيز على تبادل الصواريخ وحده على خطر إغفال نقاش أكثر أهمية يدور داخل إيران، وقد يكون هو العامل الأشد تأثيرا في سلوك طهران، أكثر من أي عملية عسكرية منفردة.
العقيدة ومنطقها
جاء أوضح تعبير عن الموقف الاستراتيجي الإيراني الآخذ في التبلور على لسان صادق آملي لاريجاني، رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي أعلن، عقب الضربات الأخيرة، أن العملية لم تكن “مجرد رد عسكري”، وإنما “إعلان رسمي عن عقيدة استراتيجية”. وبحسب منطقه، فإن أي استهداف لأي مكون من مكونات “محور المقاومة” بات ينبغي أن يستدعي، من الآن فصاعدا، ردا يتجاوز الحدود الجغرافية. وختم قائلا إن طهران افتتحت “فصلا جديدا في سياستها الدفاعية”.
في زمن سابق، كان يمكن عد مثل هذه اللغة جزءا من خطاب الحرب العابر. غير أن صيغا مشابهة أخذت تنتشر داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإيرانية بقدر ملحوظ من الاتساق.
فقد قال وزير الخارجية عباس عراقجي إن وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان ينطبق “من دون أي لبس” على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان. ووصف المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي الوضع بعد الهدنة بأنه “هش وخطير للغاية”، واتهم واشنطن وإسرائيل بتكرار انتهاك التفاهمات التي أنهت الحرب. أما إسماعيل كوثري، العضو المتشدد في لجنة الأمن القومي في البرلمان والقائد السابق في “الحرس الثوري”، فأصر على أن “المقاومة جبهة واحدة”، وأنه “لا ينبغي التمييز بين إيران ولبنان”. وأضاف أن زمن “الانتهاكات الأحادية” قد انتهى.
يقوم المفهوم الذي تستند إليه هذه اللغة على ما يسميه المعلقون الإيرانيون “وحدة الساحات”، أي الفكرة القائلة إن إيران ولبنان والعراق واليمن وفلسطين تشكل مسرحا استراتيجياً واحدا ومتكاملا. وهذا المفهوم ليس جديدا تماما، فقد راجت صيغ منه أثناء حرب غزة وقبلها. غير أن المتغير اليوم هو استعداد طهران الظاهر لفرضه مباشرة بالقوة العسكرية الإيرانية.
ينبع هذا المنطق من خبرة قاسية. فعلى مدى عقود، استندت استراتيجية إيران الإقليمية إلى الدفاع الأمامي: مواجهة التهديدات بعيدا عن حدودها قدر الإمكان، بالاعتماد على شبكة من الجماعات المسلحة الحليفة، مثل “حزب الله” في لبنان والحوثيين في اليمن. وقد أقنعت صدمة الحرب العراقية-الإيرانية بين عامي 1980 و1988 القادة الإيرانيين بأن الدفاع الوطني لا يمكن أن يبدأ عند الحدود.
غير أن الحجة الآخذة في التشكل تذهب أبعد من مفهوم الدفاع الأمامي التقليدي. فبصورة متزايدة، يصف المسؤولون أمن “حزب الله” والميليشيات العراقية وسواهم من الشركاء كجزء لا ينفصل عن الأمن الإيراني، لا كأدوات له فحسب. ووفق هذا المنطق، لا يعود الهجوم على “حزب الله” هجوما على حليف، ولكنه هجوم على بنية أمنية أوسع تشكل إيران أحد أعمدتها المركزية، وعليها أن ترد تبعا لذلك.
معضلة الصقور التي لا يستطيعون الإفلات منها
هنا تحديدا تصطدم الثقة الاستراتيجية الإيرانية بما لا تستطيع الصواريخ أن تشق له مخرجا. فحتى بين مؤيدي النهج الجديد الأكثر حزما، يتنامى إدراك معلن بأن الصمود العسكري وحده لا يكفي لصون القوة الوطنية. لقد أظهرت الحرب الأخيرة متانة المؤسسات الإيرانية وقدرتها على امتصاص الضربات، لكنها ألحقت أيضا أضرارا اقتصادية جسيمة. فالتضخم حاد، والبنية التحتية للطاقة تضررت، والعقوبات وآثار الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة ما زالت خانقة. أما الاستثمار فمقيد إلى حد كبير، فيما يواجه ملايين الإيرانيين تراجعا في مستويات المعيشة وقلقا متزايدا حيال المستقبل.
لا يستطيع أي بلد أن يواصل إسقاط قوته إلى الخارج إلى ما لا نهاية، انطلاقا من قاعدة اقتصادية آخذة في التآكل. ويدرك المسؤولون الإيرانيون ذلك، ويقولونه صراحة.
وقد عبر محافظ البنك المركزي السابق ولي الله سيف عن هذه الفكرة بوضوح غير مألوف، إذ رأى أن الاتفاق الدبلوماسي الناجح مع الغرب لن يخلق سوى فرصة، وليس حلا. فالتعافي الاقتصادي، في تقديره، سيظل بحاجة إلى إصلاحات بنيوية، وتحديث للنظام المصرفي، وانضباط مالي، وتحسينات في الحوكمة. تستطيع الدبلوماسية أن تفتح بابا، لكنها لا تستطيع أن تعبره نيابة عن إيران.
وذهب الوزير السابق عباس آخوندي أبعد من ذلك، معتبرا أن الأحداث الأخيرة كشفت الحدود الجوهرية للاعتماد على الفاعلين من غير الدول كضامنين للأمن الإيراني. وبدلا من المضي أبعد في تعميق نموذج المقاومة، رأى أن على إيران أن تتجه نحو ترتيبات أمنية إقليمية رسمية وترابط اقتصادي متبادل. وبالنسبة إلى آخوندي، فإن درس الحرب لا يقول إن على إيران أن تضاعف رهانها على النهج نفسه، ولكن النموذج القائم له سقف لا يستطيع تجاوزه.
هذه أصوات غير هامشية. فطرح مثل هذه الحجج علنا، في بلد خرج للتو من حرب مدمرة، يعكس مدى الجدية التي باتت المؤسسة الإيرانية تتعامل بها مع المسألة الاقتصادية.
في ضوء هذه الخلفية تكتسب الرسائل العلنية الأخيرة لـ”المرشد الأعلى” مجتبى خامنئي أهميتها. فبينما انشغلت التغطيات الغربية بإعلاناته عن المقاومة والنصر، كان مجتبى يشدد على الوحدة، والتماسك الاجتماعي، والمعنويات، ومخاطر التصدع الداخلي. وهي محاور عاد إليها مرة بعد مرة.
وهذا التركيز دال، إذ يعكس قيادة تدرك أن النجاح العسكري والقوة الوطنية ليسا شيئا واحدا. ربما نجت إيران من الحرب وأظهرت قدرة على الصمود، غير أن التضامن في زمن الحرب لا يحل تلقائيا المشكلات الاقتصادية الكامنة، ولا يضمن استقرارا سياسيا طويل الأمد. ومن هذه الزاوية، تنطوي دعوة “المرشد الأعلى” إلى الوحدة على إقرار جزئي بأن التحدي الأصعب لا يزال أمام البلاد.
على المدى القصير، ستتصرف إيران، على الأرجح، كطرف أكثر تقبلا للمخاطرة. فالدرس الذي استخلصه كثيرون في طهران من الأحداث الأخيرة هو أن ضبط النفس عوقب، وأن الضغط أتى بنتائج. وستؤثر لغة “القواعد الجديدة”، و”الجبهة الواحدة”، و”الردود الموحدة” على التهديدات التي تستهدف “المقاومة” في عملية صنع القرار الإيراني خلال الأشهر المقبلة. وعلى صناع السياسات في واشنطن والقدس ودول الخليج أن يتوقعوا طهران أكثر استعدادا لاختبار الحدود.
لكن التعامل مع ذلك كاستراتيجية إيرانية مستقرة على المدى الطويل سيكون خطأ جسيما. فالأرجح أنه محاولة لكسر الحصار، واستعادة الردع، وخلق رصيد تفاوضي من موقع قوة جرى إثباتها. فالضربات الصاروخية، في جانب منها، أداة تفاوضية. وتريد طهران تخفيف الضغط الاقتصادي الذي يفرغ الجمهورية الإسلامية من الداخل، بشروط لا تفرض عليها تفكيك التموضع الإقليمي الذي بنته على مدى عقود.
لذلك، لا يقتصر التحدي أمام واشنطن والفاعلين الإقليميين على احتواء إيران أكثر اندفاعا. إنه أيضا منع قادتها من الوصول إلى خلاصة مفادها أن المواجهة الدائمة تخدم مصالحهم، ومنع الموقف الهجومي، الذي قد يبدو مفيدا تكتيكياً في المدى القصير، من التحول إلى عقيدة استراتيجية متصلبة على المدى الطويل.
داخل إيران، ترتفع أصوات كثيرة تطلق هذا التحذير تحديدا. أصحابها ليسوا من دعاة المهادنة، وإنما مسؤولون واقتصاديون وصناع سياسات سابقون يؤيدون قوة إيران، لكنهم يتساءلون عما إذا كانت استراتيجية مبنية على النفوذ القسري قادرة على تحقيق التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي اللذين تحتاج إليهما البلاد بشدة. ويقولون، بإلحاح متزايد، إن أي أمة لا تستطيع أن تحافظ على تموضع إقليمي طموح فيما اقتصادها يتدهور ونسيجها الاجتماعي يتآكل.
في الوقت الراهن، يملك الصقور الأمنيون قوة الدفع. غير أن حجتهم تنطوي على تناقض داخلي لن يزول: فالقوة التي يعرضونها تستند إلى قاعدة داخلية تضعف على نحو واضح. وهذا التوتر، بين إيران التي تطلق الصواريخ وإيران التي تعجز عن دفع فواتيرها، هو القصة الحقيقية لموقع الجمهورية الإسلامية اليوم.