يُعد عصر الأنوار أحد أهم المحطات في تاريخ الفكر الحديث، حيث ظهرت فيه حركة فكرية وفلسفية، دافع فلاسفتها عن العقل، والحرية، والتقدم، والعلم، ونقدوا السلطتين الدينية والسياسية، ورفضوا الخرافة والاستبداد. غير أن مشروع التنوير لم يلبث أن أضحى موضوعًا لنقد فلسفي عميق، خاصة بعد أن أظهرت الحداثة الأوروبية أن انتصار العقل والعلم لم يفض إلى عالم أكثر عدلًا وحرية وتسامحًا. وبرزت اتجاهات نقدية مختلفة، رفض بعضها الأنوار، فيما حاول بعضها الآخر التمسك بها وتصحيح مسارها. وكان أبرز الاعتراضات على الأنوار رفعها مكانة العقل إلى درجة جعلته قادرًا على كل شيء، وافتراضها أن التاريخ يسير من الجهل إلى المعرفة، ومن التخلف إلى التقدم، وأن العلم سيؤدي إلى تحسين حياة البشر. وقد قدّم فلاسفة مدرسة فرانكفورت انتقادات فلسفية هامة للأنوار، واعتبروا أن المشروع الذي أراد تحرير الإنسان بالعقل والعلم يمكن أن يتحول إلى أداة جديدة للهيمنة.
يمكن إدراج كتاب “غلاة الأنوار” للفيلسوف الفرنسي ميشال أونفراي (ترجمة أبو بكر العيادي، صفحة 7، الجبيل، 2024)، ضمن إطار النقد الفلسفي للتنوير، ولكن ليس من خارجه، بل من داخله، بالنظر إلى أنه يسعى إلى إعادة فحص بنية الأنوار وتناقضاتها وتياراتها المختلفة، وعبر مناقشة التناقضات الداخلية في مشروع التنوير، والكشف عن صراعات واتجاهات متباينة داخلها، حيث يميز بحزم بين أنوار معتدلة وأخرى راديكالية.
يبني أونفراي فرضية كتابه على أن السردية الفلسفية التقليدية للأنوار وضعت أسماء معينة كممثلين لعصر الأنوار، في مقابل تهميش فلاسفة آخرين أكثر راديكالية، يمثلون “أنوارًا راديكالية” تختلف عن “الأنوار الباهتة” أو الرسمية التي كرستها كتب تاريخ الفلسفة، حيث ارتبطت الصورة التقليدية لعصر الأنوار بأسماء مثّلت نماذج رمزية للأنوار، ونهضت فلسفاتهم على تقديم العقل بوصفه المرجع الأساسي في فهم الإنسان والعالم، ونقدوا الدين المؤسسي والسلطة الكنسية. ووصل الأمر لدى بعضهم إلى رفض الدين أو الإيمان بالغيب، إلى جانب دعوتهم إلى الحرية الفردية، وحرية التفكير والتعبير، ورفض الاستبداد والسلطات المطلقة، والإيمان بالتقدم، وإمكانية إصلاح المجتمع بواسطة العلم والتعليم، وحملوا النزعة العلمانية والفصل بين الدين والدولة، بدرجات مختلفة. لكن بعضهم وقف إلى جانب المدافعين عن العبودية وتجارة الرقيق، وأشاعوا أفكارًا عرقية ومتحيزة جنسانيًا، ورجعية ومحافظة، فيما دافع عدد منهم، من أمثال كانط وروسو ومونتسكيو وديدرو وفولتير، عن أحكام الإعدام.
أما الأنوار الراديكالية فهاجمت المسيحية، ونهضت على المادية والإلحاد أو نقد الدين، والنزعة الحسية، والدفاع عن المتعة واللذة ونقد السلطة، والبحث عن منفعة الإنسان الواقعية. ولم يكن هذا التيار هامشيًا أو ثانويًا في عصر الأنوار، بل مثّل تيارًا فكريًا متماسكًا نسبيًا، يسميه أونفراي “النفعية الفرنسية”.
يشير عنوان الكتاب إلى غلاة الأنوار أو المغالين في عصر التنوير، ويقصد بهم المفكرون الذين تبنّوا أفكار التنوير الأوروبي بصورة جذرية، خصوصًا في القرن الثامن عشر، وتبنوا أطروحات راديكالية في تمجيد العقل والعلم والتقدم، ورفضوا سلطة التقاليد والمؤسسات الدينية لأنها تتعارض مع العقل. لكن العنوان نفسه يحمل مفارقة فلسفية، تتجسد في أن كلمة “غلاة” تشير غالبًا إلى الذين يتجاوزون الحدود، فيما تشير الأنوار إلى حركة فكرية وفلسفية قامت في الأساس على مقاومة الغلو والدوغمائية، وبالتالي، فإن أونفراي يريد الإشارة إلى أن مشروع التنوير الذي نشأ على محاربة التعصب يمكن أن ينتج تعصبًا جديدًا.
يبدو أن المقصود بـ “الغلو”، في هذا الكتاب، ليس التشدد في الدفاع عن التنوير بالمعنى السياسي أو الأيديولوجي المعروف، بل الذهاب بمبادئ الأنوار إلى نتائجها الأكثر جذرية. ويقصد بـ”غلاة الأنوار” مجموعة من فلاسفة القرن الثامن عشر الذين يمثلون، بحسب قراءة أونفراي، الوجه الأكثر راديكالية من مشروع التنوير، وبالتالي فإن المقصود ليس المتشددين في الدفاع عن التنوير، بل يقصد تيارًا راديكاليًا داخل عصر الأنوار نفسه، همّشته الرواية الفلسفية الرسمية لصالح أسماء معنية، من أمثال فولتير وروسو وكانط.
دفع فلاسفة هذا التيار الراديكالي بعض مبادئ التنوير إلى أقصى نتائجها المنطقية، فإذا كانت الأنوار تدعو إلى استخدام العقل، فإن هؤلاء استخدموا العقل لنقد الدين نفسه. وإن كانت تطالب بتحرير الإنسان من الوصاية، فقد ذهبوا إلى نقد السلطات الدينية والأخلاقية والسياسية. وإن كانت الأنوار تدافع عن المعرفة التجريبية، فقد دفعوا بالنزعة المادية إلى نتائج أكثر جذرية، وبالتالي فإن “غلاة الأنوار” هم فلاسفة الأنوار الراديكاليون الذين أُقصوا من الصورة الرسمية لعصر التنوير. وأبرز أسمائهم بحسب أونفراي هو الفيلسوف جان ميلييه، الذي يمثل أحد أكثر الأصوات راديكالية في القرن الثامن عشر، خصوصًا في الإلحاد والمادية والنقد الجذري للدين والمؤسسات الدينية. وهناك الفيلسوف جوليان أوفري دو لا متري، الذي يعتبره أونفراي نموذجًا للنزعة التي تفسر الإنسان تفسيرًا ماديًا، وترفض الفصل بين العقل والجسد. والفيلسوف بيير لوي مورّو دو موبيرتوي الذي يدُرج ضمن التيار الذي أسهم في تشكيل ما يسميه أونفراي “النفعية الفرنسية”. والفيلسوف كلود أدريان هلفتيوس وهو أحد ممثلي النزعة المادية والنفعية، الذي يعتبر أن السلوك الإنساني يمكن فهمه من خلال المصلحة والمنفعة والحسّ. والفيلسوف بول هنري دولباك الذي يمثل، أيضًا، النزعة المادية والإلحادية الراديكالية في القرن الثامن عشر. أما الأديب والفيلسوف ماركيز دو ساد، فيقدمه أونفراي بوصفه حالة مختلفة ومتناقضة مع الصورة التحررية المعتادة عنه، لأنه يعتبره انتهازيًا، وشاذًا جنسيًا، وصورة من النظام الإقطاعي الأكثر شراسة، وبلا خلق ولا دين، ولا يضعه في نفس القائمة مع ميلييه ولا متري وهلفتيوس ودولباك، على الرغم من كونه فيلسوفًا ماديًا وملحدًا. ويصف أونفراي رواية دو ساد “120 يومًا في سدوم” بأنها رواية فاشية عظيمة، وتعبر عن قمة النذالة السياسية.
يحتل جان ميلييه مكانة بارزة في الكتاب، ليس فقط لأنه كان رجل دين، تحوّل إلى أحد أبرز الأصوات التي ارتبطت بالنقد الجذري للدين والمؤسسة الدينية، حيث لم يكتفِ بالدعوة إلى إصلاح المؤسسة الدينية أو الحد من نفوذها السياسي وسطوتها على الناس، بل ذهب إلى مساءلة الدين نفسه، والنظر إليه من منظور مادي واجتماعي، وانتقل من المطالبة بإصلاح الدين إلى نقده جذريًا، واستخدام العقل لإخضاع الدين نفسه للنقد. ومثّل بذلك الجانب الجذري في نقد الدين.
ويمثل جوليان أوفري دو لا متري أحد أهم وجوه النزعة المادية في الأنوار، حيث رفض الفصل الحاد بين العقل والجسد، لأنه اعتبر الإنسان كائنًا طبيعيًا وماديًّا، ولا يمكن فهمه بالابتعاد عن جسده وبنيته العضوية. وهو ليس عقلًا محضًا يعيش في عالم من الأفكار المجردة، بل هو كائن يأكل، ويشرب، ويبحث عن اللذة، ويشعر، ويرغب، ويتألم، ويبتعد عن الألم.
بالانتقال إلى بيير لوي مورّو دو موبيرتوي، فإن أونفراي يدخله ضمن المسار الذي يفضي إلى ما يمكن تسميته النفعية الفرنسية، حيث تنتقل الفلسفة من سؤال الحقيقة المجردة إلى سؤال الحياة الإنسانية الواقعية، ولا يكون معيار الحكم على الأفكار هو مدى توافقها مع مبادئ ميتافيزيقية أو دينية، بل ماهية أثرها على الإنسان، وعما إذا كانت تجلب له السعادة والمنفعة أم أنها تزيد من معاناته، بمعنى أن الإنسان في هذه الفلسفة هو مركز للفلسفة، والغاية من الأخلاق لا تتجسد في إرضاء سلطة متعالية، بل في تحسين حياة البشر.
بدوره، أعاد كلود أدريان هلفتيوس التفكير في الإنسان انطلاقًا من الحواس والمصلحة والمنفعة، ورفض النظر إليه باعتباره الكائن الذي تحكمه مجموعة مبادئ مجردة منفصلة عن تجربته الحسية والاجتماعية، ويتطلب فهم السلوك البشري دراسة المحيط التي يعيش فيه الإنسان، والمؤسسات التي تشكل سلوكه، والمصالح التي توجه اختياراته. أما بارون دولباخ، فيمثل بالنسبة إلى أونفراي أحد أبرز رموز التيار المادي والإلحادي في القرن الثامن عشر، ولم يتوقف عند حدود الإصلاح، بل دفع النقد إلى أقصى مدى.
إذًا، ما يجمع بين هؤلاء الفلاسفة يتجسد في جملة من القضايا، أولها النقد الجذري للسلطة الدينية، حيث نظروا إلى الدين ليس بوصفه مجرد قضية إيمان شخصية، بل مؤسسة لها آثار اجتماعية وسياسية. وثانيها المادية، التي اعتبروا من خلالها أن الإنسان والعالم لا يحتاجان بالضرورة إلى تفسير ميتافيزيقي، ويمكن فهمهما من خلال الطبيعة والتجربة والحس. وثالثهما مركزية الجسد، التي تعني بالنسبة إليهم أن الإنسان ليس روحًا مجردة، بل كائن جسدي تحكمه حاجات ورغبات ومصالح. ورابعها النفعية والسعادة، حيث تقاس القيمة الأخلاقية والاجتماعية للأفكار بمدى قدرتها على تحسين حياة الناس وتقليل معاناتهم. وخامسها نقد السلطة، من خلال اعتبارهم أنه ليست هناك مؤسسة يمكن أن تكون فوق المساءلة، سواء أكانت دينية أم سياسية أم اجتماعية.
الحاصل هو أن أونفراي يريد إظهار ما قدّمته الأصوات التي هُمشت في الأنوار، انطلاقًا من أن فهمها وفهم الحداثة أيضًا، يقتضيان الإصغاء إلى تياراتها المنسية، حتى وإن كانت أكثر راديكالية وإثارة للجدل.