ساطع نورالدين.. كاتب وباحث لبناني
ماذا لو كان كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتكرر عن الاستعانة بسوريا ورئيسها احمد الشرع لتجريد حزب الله من السلاح، أكثر من تخريفٍ لا يؤخذ على محمل الجد؟ وماذا لو كان قرار ترامب بوهبِ لبنان الى إيران لإغوائها بالتوقيع على الصلح مع أميركا، جدياً جداً؟ وماذا لو كان خلاف ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول طريقة إدارته للحرب على لبنان، أكثر من خداع وتوزيع أدوار؟ عندها تنضم سوريا الى كل من إيران وإسرائيل في صراع جديد على البلد الصغير لبنان، الذي يبدو اليوم وكأنه جائزة ترضية تعرض أميركا على الدول الثلاث الاستحواذ عليها، أو ربما تقاسمها، بالتفاهم والتواطوء، كما كان عليه الحال طوال حقبات سابقة.
حتى الآن تبدي طهران قدراً من التحفز لنيل الجائزة اللبنانية، او حصتها منها، بناء على حجم اندماج حزب الله في حرب إيران وحجم التضحيات اللبنانية في تلك الحرب، التي فاقت حسب تعبير رئيس الوفد الايراني المفاوض مع أميركا محمد باقر قاليباف، حجم الخسائر الإيرانية نفسها، لكن لم تقل حتى الآن ما هو سقف مطالبها اللبنانية، وما اذا كانت تتخطى حفظ الشيعة اللبنانيين وأرضهم وموقعهم السياسي، وتجديد قيادتهم الثنائية بما يتلاءم مع التجديد الحاسم الذي حصل في طهران في اعقاب الحرب. لكن النقاش الداخلي الإيراني الذي ألمح اليه قاليباف نفسه عندما خاطب المسؤولين الإيرانيين الذين يكررون شعار الثورة الإيرانية الخضراء في العام 2009: “لا مع غزة ولا مع لبنان، مع إيران وحدها..”، لا يدع مجالا للشك في أن النفوذ الإيراني في لبنان ( وغزة ) يحتاج الى جهد استثنائي لمنعه من الاضمحلال، ولن تكفي الرابطة المذهبية التاريخية لإعادة إحيائه مجدداً.
في المقابل، تظهر إسرائيل بعض الرضا عن مكاسبها العسكرية والسياسية في الصراع على الجبهة اللبنانية، وتعبر عن الاطمئنان الى أنها لن تكون بحاجة الى الاحتفاظ بالأرض الجنوبية المحتلة، الى أمد بعيد، طالما ان معركتها العسكرية مع إيران حققت الكثير من أهداف الردع، وبالتالي لن تكرر تجربة ما قبل العام 2000، بالاحتلال المباشر، ولن تستعيد طبعا تجربة العام 1982، التي كانت ذروة استنتاج إسرائيل بأنها تستطيع تدمير بلد كامل، لكنها لن تستطيع حكمه، لانها لا تمتلك الموارد البشرية والمادية لذلك..ولأن ذكريات وخيبات تلك التجربة الإسرائيلية مع لبنان، على اختلاف طوائفه ومذاهبه دون استثناء، ما زالت محفورة في أذهان الإسرائيليين، على اختلاف انتماءاتهم.
البلد الوحيد الذي يبدو أنه لم يحفظ الدرس اللبناني، هو سوريا، التي كشف رئيسها الحالي قبل أيام ملامح ذلك التقرب من نهج البعث الاسدي في التعاطي مع لبنان، بل واستلهامه، بكل ما تضمنه من وصاية وهيمنة، تطمح الى تجديد الإدارة السورية للحروب الاهلية اللبنانية التي كان الأسد الاب أول رعاتها ومنظميها منذ العام 1966 ( عندما وزيرا للدفاع) وحتى وفاته، عندما تولى ولده بشار مهمة تنظيم تلك الحروب، والفتن الداخلية اللبنانية، واستثمارها الى الحد الأقصى القاتل.. وذلك تحت شعار سوري أثير يومها، هو حفظ السلام في لبنان و”وحماية وحدته وعروبته وديموقراطيته”، على ما علق طويلا في ذاكرة البلدين، وتحول الى سلاح حطّم هياكل الدولة اللبنانية، الفارغة أصلا، ومنع قيام جيش وطني لبناني ومؤسسات أمنية ترث في الحد الأدنى الانسحاب العسكري السوري في العام 2005.
حدثنا الشرع، لِماماً، في مقابلته التلفزيونية الأخيرة، عن ذلك التاريخ الذي لا يحفظه اللبنانيون إلا باعتباره اعتداء سورياً بعثياً أسدياً على لبنان إمتد لنحو نصف قرن. وطلب منا أن نفهم جيداً أقوال الرئيس الأميركي الخرقاء، التي لم يقصد بها سوى التدخل السوري الإيجابي في لبنان، ودولته التي أمعن الاسديون في دعمها حتى هلُكت.. ذاك التدخل السلمي، الذي كرر ترامب مراراً انه سيزود سوريا بالقوة للقيام بما عجز عنه نتنياهو. وزاد الشرع حجة إضافية للمهمة المنشودة، عندما ذكر حرفياً أن حزب الله ينتشر على الحدود اللبنانية السورية، وهو ما لم يذكره الإسرائيليون، ولم يؤكده الاميركيون والأوروبيون يوماً!!
لن تكون هناك حصة طبيعية لسوريا في لبنان، إذا لم يتبدد الهمس الدائر هذه الأيام في الغرف المغلقة في بيروت، عن تحمس وتوثب حكام دمشق الجدد للتدخل في “الساحة اللبنانية”، وإذا لم يتنكر هؤلاء الحكام فعلاً للإرث الاسدي المشين، وإذا لم يحافظوا على مساحة اختلاف واضحة مع النوايا الإسرائيلية والإيرانية الخبيثة تجاه لبنان.
ساطع نورالدين
( لمراجعة كتاب : “لبنان وسوريا: تخوم الجغرافيا وصدوع السياسة” الصادر قبل أشهر عن دار نوفل)
عرض أقل