يصدر الإثنين 12 تشرين الأول كتاب الزميل نقولا ناصيف “غازي كنعان صانع دولة الدمى” عن دار النهار للنشر. مساء اليوم نفسه ندوة عنه في بيت المحامي يتحدث فيها نقيب المحامين في بيروت عماد مرتينوس والوزير السابق النائب مروان حمادة والنائب السابق فارس سعيد والناشر القاضي زياد شبيب، يليها توقيع الكتاب.
بدءاً من اليوم على حلقات أربع، تنشر “أساس” أجزاء من فصوله لإلقاء الضوء على أول كتاب يوثّق تجربة غازي كنعان في لبنان (1983 ـ 2002) ودوره سياسياً وأمنياً في بناء الطبقة السياسية وقبضته عليها وعلى الدولة والسلطات والأجهزة.
ما أن شاع بيان غازي كنعان مذ بثّته إذاعة “صوت لبنان” في ملحق إخباري مفاجىء يردّ على الاتهامات المساقة إليه، على أنه حدث استثنائي لظهور غير متوقّع لرجل ظُنَّ في لبنان أنه أضحى من الماضي، أبصره النظام عملاً انتقامياً ينقل الفضيحة من الفرد إلى الدولة برمّتها. خابره محمد ديب دعبول (المعروف بأبو سليم، وهو مدير مكتب الرئيسين حافظ وبشار الأسد) قائلاً له: “يبدو أنك لم تفهم الرسالة”.
طلقةٌ أغلقت باب السلطة
باقتضاب لا تعرفه سوى لغة الثأر من الذات في معرض الثأر من الآخر، بيد أنها لم تخلُ من تجرؤ ممزوج بالانكسار في مكالمة بالكاد استمرّت دقيقتين، ردّ: “بلِّغْ معلّمك”.
لحظتذاك سُمعت طلقة نار.
أقفل محمد ديب دعبول السمّاعة وعاود الاتصال بوليد أباظة مدير مكتب وزير الداخلية يقول له ما حصل، ويضيف: “إدخل إليه”.
ردَّ أنه سمع صوت طلقة.
ألحّ عليه، فعاود إجابته: “الباب مغلق من الداخل”.
قال: “إخلعه وأفدني”.
بخلع بابيْ المكتب العازليْن للصوت، وُجد غازي كنعان على الأرض والسمّاعة مدلاة من على الطاولة.
على نحو مشابه روى سكرتيره الخاص طلال أسعد، عميد كان رافقه في شعبة الأمن السياسي أتى به إلى جانبه في وزارة الداخلية. عندما سئل في وقت متأخر من لبنانيين عرف علاقتهم القديمة برئيسه، أجاب: “دخلتُ عليه بعد طلقة النار ورفعت المسدّس على الأرض إلى جانبه”.
انتحارٌ يثقل رواية النظام
جانب من سيناريو الصدمة قصّه على العائلة مرافقه كالآتي: “ما أن وصل إلى الوزارة أعطى الحارس رشّاش الكلاشنيكوف بعبارة دارجة بين الضبّاط السوريين عن هذا السلاح السوفياتي الصنع: خذْ هذه الروسية. دخل إلى مكتبه وأقفل الباب المصفّح. بعد دقائق، الثانية عشرة سُمع صوت طلقة من وراء الباب، بالكاد التقطت لشدّة سماكة البابيْن العازليْن. نودي عليه أكثر من مرّة فلم يُجب. ما أن خُلع الباب الذي يُفتح من الداخل، إذا هو على الأرض مضرّجاً بدمائه. وقع من كرسيه، وأجزاء من دماغه قذفتها طلقة مسدّسه كي تعلق على الستارة وراء طاولته”.
للفور نقل إلى مستشفى الشامي.
الرواية الرسمية أنه كان لا يزال على قيد الحياة بوصوله إلى المستشفى قبل أن يلفظ فيها أنفاسه، فيما واقع ما أبصره المرافق يجزم للفور بموته: أن يكون نصف رأسه منفصلاً عن جسده.
لآصف شوكت روايته حيال ما حدث في الساعة المنصرمة، أسرّ بها إلى أصدقاء لبنانيين كالآتي: “لمكتبي غرفة مجاورة أمرتُ بعدم إدخال أي هاتف إليها، بما في ذلك الهاتف الأرضي. غرفة اجتماعات مهمّة يقتضي أن لا يكون فيها أي جهاز ]في تلميح واضح إلى تجنّب التنصّت[. كنت في اجتماع لساعة ونصف ساعة مع نائبة رئيس المخابرات الاسبانية. ما أن انتهينا وودّعتها دخل عليّ النقيب علي يقول مكتب اللواء غازي اتصل بنا أكثر من مرّة، ويريد التحدّث معي لأمر ضروري. في اللحظة هذه رنّ الهاتف فتناول النقيب علي السمّاعة وسمع مدير مكتب اللواء غازي يخبره أنه انتحر. أمسكتها وسألته كيف حدث؟ فأجابني انتحر. سألته عنه فأجاب نقلناه إلى مستشفى الشامي لكنه لا يزال حيّاً. اتصلت بصاحب المستشفى الدكتور الشامي وسألته عنه، فاجابني أن لا علم له بما حصل. ذهبت إلى هناك. وصل قبلي ماهر الأسد ووليد المعلم وأناس آخرون. سألت عنه، فقيل لي إنه مات”.
أضاف آصف شوكت: “دقّقتُ في دوافع انتحار اللواء غازي وجمعت معلومات عن ذلك اليوم. قيل لي إن ناطور العمارة التي يقيم فيها شاهده عندما حضر قبل الظهر إلى منزله، راح يتمشّى أمام مدخلها بعض الوقت ما لم يعتد أن يفعله. دخل إليها وخرج بعد حين وفي يده بندقية وضعها في سيارته وذهب. سألت في وزارة الداخلية فقيل لي إن المألوف عنه كلما حضر إلى مكتبه يركن سيارته في المرأب الصغير قبالتها المخصّص لسيارته وسيارات ضيوفه، بالكاد يتسع لخمس سيارات. يومذاك ما أن ركنها راح يتمشّى بمفرده بعض الوقت أيضاً في المرآب ثم صعد إلى مكتبه. أخبروني أنه ما أن دخل إليه وهو لا يمرّ بغرفة مدير مكتبه، أمر الحارس بأن لا يدخل عليه أحد وأوصد الباب. بعد دقائق سمع الحارس طلقاً نارياً في الداخل. دقّ على الباب ونادى الوزير، فلم يُجب. كرّر دقّ الباب دونما أن يجرؤ على فتحه بعدما أمره بأن لا يفعل. لم يُجب. خاف وهرع إلى مدير مكتبه وليد اباظة يخبره أنه سمع طلقاً نارياً داخل مكتب الوزير الذي لا يرد ومنع أي أحد من أن يدخل عليه. ركض وليد اباظة إلى مكتب اللواء غازي وفتحه. إذا هو على الأرض نازفاً ولمّا يزل حيّاً، فنقلوه إلى المستشفى”.
أكمل روايته: “وجدوا على طاولة المكتب رسالة من بضعة أسطر كُتبت بحبر أخضر يتوجّه فيها إلى زوجته: عذراً فوزية، أطلب منك الإهتمام بالأولاد وعلّميهم حبّ الرئيس الأسد كما أحببته. خدمت النظام بإخلاص. اتخذتُ القرار الذي يخصّني. أحببتُ بيت الأسد مقدار ما أحببتكم. سامحوني على ما سأفعل لحمايتكم. كتب اسمه كما هو بلا لقب أو صفة ووقّع الرسالة”.
رسالةٌ تتنازعها روايتان
قد لا تكون مهمّة للغاية اختلافات في سرد تفاصيل انتحار وزير الداخلية بين الرواية الرسمية وتلك لآصف شوكت، كما لمرافقه وناطور عمارته كما الكثير الذي رُوي للعائلة، من فرط ما أُلحقت بها تفاصيل مضافة أو حُجبت أخرى. على أن المثير للإهتمام أن مكتب الرئيس كان أول مَن سمع الطلقة الوحيدة، والعبارة الأخيرة في حياة غازي كنعان كانت موجّهة إليه مباشرة.
ليس مقتله وحده في دائرة الغموض والشكوك. كذلك الحديث عن “رسالة” تركها.
رواية آصف شوكت أنه تركها على طاولة مكتبه قبيل انتحاره، أعادت تأكيدها الزوجة فوزية يوم تقبّلها التعازي في الغداة. كذلك نجله نضال باكتشافه إيّاها فور وصوله إلى وزارة الداخلية ما أن أُخطر بانتحار والده، من غير أن يُتاح له رؤية الجثة، وكانت نقلت إلى مستشفى الشامي. إنتبه إليها على طاولة مكتبه بخطه ممهورة بتوقيعه، مخاطباً “حبيبتي فوزية”، كاتباً فيها: “المعذرة. أحببتُ آل الأسد مقدار ما أحببتكم”. احتفظ بها نضال بعض الوقت قبل أن يصير إلى مصادرتها منه بناء على طلب آصف شوكت لضمّها إلى التحقيق في الانتحار “لأن ضرورة التحقيق توجب أن تكون في الملف”. من ثمّ لم تُعَدْ إليه.
بدورها الرسالة التي تركها انطوت على لغز بأن ترتّبت عليها سرديتان. إحداهما حاولت إبطال الأخرى. ليس لوجود رواية ثانية وظيفة سوى التشكيك في الأولى والطعن في صدقيّتها: أولاهما عائلية كما قصّتها الزوجة والأبناء على أصدقاء ربّ البيت عندما حضروا للتعزية كما في أوقات لاحقة، وثانيتهما رسمية جيء على تفاصيل شتى فيها على ألسنة رواتها نقلاً عن السلطات الرسمية. من بينها تلك التي وثّقها فاروق الشرع تبعاً لما سمعه من بشّار الأسد كالآتي: “سألتُ الرئيس في أثناء لقائي به في القصر إن كان حادث موت كنعان انتحاراً؟ رفع سمّاعة الهاتف فوراً وتحدّث إلى مدير مكتبه أبوسليم قائلاً: يجلس بجانبي أبومضر. طلب منه قراءة رسالة غازي كنعان التي أرسلها إليه قبيل وفاته. قرأ أبوسليم نصّ الرسالة بعدما ضغط الرئيس على زر الهاتف لأستمع إلى الصوت مباشرة. كانت رسالة يرجو كنعان الرئيس فيها أن يرعى عائلته وأولاده من بعده، وتخلّلها الكثير من الشكر والتقدير للرئيس”.
بينما تقاطعت أكثر من رواية عن رسالته إلى زوجته على أنها إجابته عن سبب انتحاره غير المتوقّع، لم يَرد سوى لدى فاروق الشرع وجود رسالة لدى الرئيس السوري كان وجّهها إليه. تبعاً لما هو مكتوب فيها أن غازي كنعان يبلغ إلى بشّار الأسد قرار انتحاره. إذ فُسِّرت أنها لحماية عائلته وتجنيبها أي انتقام من السلطات. فُسِّرت كذلك على انها إبراء للنظام من قتله.
جثةٌ ممنوعة من الكلام
على أن الزوجة لم تخفِ، كما الأبناء، اعتقاداً بأن ربّ العائلة قُتِل أو أُجبِر على قتل نفسه. ذاك ردّ الفعل الأول التلقائي للإبن البكر يعرب عندما قصد مستشفى الشامي فور إعلامه بنقل جثة والده إليها. ضرب الزجاج بقبضة يده فجرحها، صارخاً: “قتلوه”.
فاجأ النبأ العائلة بأن حُرمت في المستشفى رؤية الجثة، كما لم تُعطَ في الغداة، في خلال تشييعه، حقّ النظرة الأخيرة عليه. ذلك ما سيعزّز الشكوك والريبة. مجرّد إبصار الجثة كفيل التحقّق من ظروف موته برصاصة واحدة في الرأس أو أكثر أو بقتل متعمّد حتى. وحدها عبير زوجة ابنه يعرب، ابنة جميل الأسد، قيل إنها الوحيدة سُمح لها أن تفعل. على أنها تكتّمت عمّا أبصرت.
في وقت قريب سيُكشَف سرّ منسوب إلى أحد أقرب الأصدقاء السوريين الحميمين لغازي كنعان، رجل أعمال اتخذ من تركيا مقرّاً له، على صلة بضبّاط كبار في الداخل السوري. أفصح عن حقيقة مناقضة بكليتها لرواية النظام عن الانتحار، مؤدّاها أنه قُتل وراء طاولته في مكتبه بتسع رصاصات صوّبها إليه أحد ضبّاطه اللصيقين به بأن أُمِر بإعدامه. الرجل عقيد يدعى حسام سكر، أتى به غازي كنعان، بتعيينه وزيراً للداخلية، من شعبة الأمن السياسي كي يلازمه كما في تلك في منصبه الجديد. منذ اليوم التالي للحادث غادر حسام سكر وزارة الداخلية قبل أن تبين ترقيته إلى عميد وإلحاقه بالحرس الجمهوري، على نحو فُسِّر بتوفير أوسع حصانة له.
ظلّ سرّ قتله طيّ الكتمان في مرحلة لم يسع عائلته سوى تبنّي الرواية الرسمية والتسليم بانتحار ربّ البيت.