لا توارب دولة الإمارات في توجهاتها السياسية والإقليمية. اختارت منذ سنوات خط التطبيع النشط مع إسرائيل اقتصادياً واستثمارياً، من منطلق قراءتها لمصالحها ودورها الدولي والإقليمي.
منذ توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية، شهدت العلاقات بين البلدين تطوراً كبيراً، خصوصاً بعد توقيع اتفاقية التجارة الحرة في آذار 2022، حتى تجاوز حجم التجارة التراكمي بين البلدين 14 مليار دولار حتى نهاية الربع الأول من العام الحالي. واندفعت الشركات الإماراتية إلى عقد الشراكات الاستثمارية والتجارية في قطاعات استراتيجية في إسرائيل.
بعضها يتعلق بلبنان بشكل مباشر، من أبرزها قطاعا الغاز والموانئ، بالإضافة إلى القطاعات الأكثر أهمية في الاقتصاد المعاصر، مثل الذكاء الاصطناعي والتقنية المالي والأمن السيبراني والتقنية الزراعية المتقدمة وتحلية المياه والطيران المسيّر.
شراكات استراتيجية مع إسرائيل
من أبرز تلك الاستثمارات استحواذ شركة مبادلة على حصة 22% من حقل تمار البحري للغاز، الذي يبعد كيلومترات قليلة عن المنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة، واستحواذ “أدنوك” الإماراتية على حصة استراتيجية في شركة “نيوميد” المطورة لحقل ليفيثان، أكبر حقول الغاز الإسرائيلية قبالة شاطئ حيفا. وكانت هناك محاولة من “موانئ دبي العالمية” للفوز بامتياز تشغيل ميناء حيفا، لكن الصفقة آلت في النهاية إلى مجموعة “أداني” الهندية. لكن من الجدير بالذكر أن هذه المجموعة لديها علاقات استثمارية وثيقة مع الإمارات، حيث استثمرت مجموعة “آي إتش إس” في أبوظبي قرابة ثلاثة مليارات دولار فيها عام 2022.
لا تنفصل زيارة الوفد التجاري والاستثماري الإماراتي الكبير إلى لبنان عن السياق السابق لحركة الاستثمارات في شرق المتوسط، بل يتأكد ذلك من طبيعة الاستثمارات التي يجري الحديث عنها، سواء ما يتعلق بتطوير أنظمة بطاقة الهوية الذكية، أو إدارة أنظمة الجمارك في المطار والمرافئ والمعابر البرية، أو الاستثمار في المنشآت النفطية. هذه القطاعات هي كل ما يستطيع لبنان تقديمه في لحظة حسم موقعه في المحاور الإقليمية.
أوراق اعتماد
رأى الطامحون في بيروت في الاهتمام الإماراتي فرصة للاستثمار السياسي بغطاء استثماري، من قبيل تقديم أوراق الاعتماد للدخول في مشروع التطبيع الاقتصادي، قبل أن يخرج دخانه من نتائج التفاوض المباشر مع إسرائيل.
على أن الاستثمارات السياسية المبكرة في التطبيع تطرح تحدياً على المستوى الرسمي اللبناني في إدارة التوازن في موقع لبنان الإقليمي.
يدرك رئيس الجمهورية بالتأكيد العماد جوزاف عون أن التفاوض المباشر مع إسرائيل لا يوفر صك مناعة للحكم ما لم تتوفر مظلة عربية راعية وحامية ومواكبة لأي اتفاق أمني أو سياسي. أما رئيس الحكومة نواف سلام، فأغناه السفر عن الحرج. عُقد الملتقى تحت رعايته من دون حضوره.
الصخب الذي رافق زيارة الوفد الإماراتي في اليومين الماضيين أعطى انطباعاً وكأن السياسة في بيروت يمكن أن تُدار من غرفة تجارية.
لقد تجنبنا طرح هذه الأسئلة خلال فترة وجود الوفد الإماراتي في بيروت، حتى لا يعتبر الضيوف المكرّمون المعزّزون، وأولهم وزير التجارة الخارجية الإماراتي، أنّ الكلام موجّه إليهم وكأنه رفض لوجودهم في العاصمة اللبنانية.
العكس تماماً هو الأصح، فبالتأكيد بينهم إن لم يكن كلهم، من محبّي لبنان وأهله، وربما هنا يجب التكرار أن الكثير منهم أو بعضهم ليسوا من أهل التطبيع ولا من يطبّعون.
إذاً، رئيس الحكومة غائب، ونائب رئيس الحكومة، الذي مثّل رئيسها في افتتاح المؤتمر، ينفي أن تكون للحكومة علاقة بالدعوة لرجال الأعمال الإماراتيين إلى ندوة استثمارية في بيروت. ويكمل أنّ الهيئات الاقتصادية هي التي دعت ونظّمت الدعوة. في حين أن وزير الاقتصاد عامر بساط “أفحم” المؤتمرين بعرض المشاريع الاستثمارية مدّعياً تمثيل الحكومة.
محمد شقير، رئيس غرفة تجارة بيروت والهيئات الاقتصادية، ينفض يده من أن تكون الغرفة التي يرأسها منذ عهود هي صاحبة الدعوة، ويؤشر بيده إلى “فوق“.
من هو الشخص أو الجهة التي تُسمّى بـ”فوق”؟ لا أحد يعرف، ولا هو يجيب.
كل هذا لا ينفي مسؤولية الجهة المعنيّة تاريخياً وتقليدياً بالدعوات الاقتصادية أو الاستثمارية، وهي غرفة تجارة بيروت وجبل لبنان كما تُسمّى.
يعرف الداعون أو المشاركون اللبنانيون، من نفى منهم مسؤوليته عن الدعوة أو من أكد ترحيبه، أنّ المجتمع اللبناني بمختلف قطاعاته وطوائفه مسكون بالهشاشة السياسية، فكيف برجال الأعمال المعنيين أولاً وأخيراً بجني الأرباح من تجارتهم؟ هذه طبيعتهم وهذا حقّهم.
لكن من يتحمّل مسؤولية فتح الباب أمام رجال أعمال ربما لديهم مشاريع استثمارية في إسرائيل أو مع إسرائيليين من رجال أعمال مثلهم، يملأون فنادق دول التطبيع بأرفع مستوى منها في البلاد المفتوحة لاستثماراتهم على مصراعيها؟ فكيف يُفتح لهم الباب اللبناني باعتبارنا طالبي لجوء إلى الشراكة الإماراتية – الإسرائيلية، ولو من غير إعلان صريح؟
من هو هذا اللبناني الذي يتجرأ على طموح من هذا النوع؟
ليتفضّل ويعلن ذلك جهارة، حتى تصدر بحقه مذكرة بحث وتحرٍّ على الأقل بموجب القانون اللبناني النافذ المفعول.
لبنان، في أحسن أحواله، إذا فُتحت لدولته أبواب السماء الدولية، دولة تهدف إلى سلام رصين بين دولتين، كما فعلت مصر والأردن، وليس كما فعل آخرون من الدول العربية تطبيع بين عدو محتل ومعتدٍ على الحق الفلسطيني في الحد الأدنى من أرضه التاريخية.
فوق ذلك كله، يُفترض بهذا السلام، الذي يحمي الأرض والمجتمع اللبناني المتنوّع دائماً، أن يكون محاطاً بالرضا العربي الاستراتيجي، الممثل بالسعودية أولاً، وبمصر إذا كانت متاحة ثانياً، وبسوريا الجارة الجغرافية التي لا يستطيع أحد أن يتجاهلها، على قاعدة العلاقة بين دولتين “حرّتين” الأولى منهما استعادت حرية شعبها من نظام ظالم ومستبد، والثانية، أي لبنان، الذي يصنع مداميك تحرّره من الاحتلالين الإيراني والإسرائيلي، مهما طال زمن القصف والدمار.
من لا يعرف هذه الثوابت، سواء أكان من “فوق” أو من “تحت” غرفة التطبيع، لا يملك حق الاجتهاد في سياسة الدولة ولا إعطاء حق الاستثمار على أرضها.
هذا الكلام ليس استرضاءً لجهة سياسية ما كما جرت عادة اتهامات وسائل التواصل الاجتماعي، بل هو دعوة إلى التعقّل بدل استباحة ثوابت سلامة المجتمع اللبناني ودولته، سواء من “فوق” أو من “تحت”.