الجزءالرابع…. جريدة المدى
حاوره: ياسر السالم
في هذا الجزء من شهادته، يفتح فخري كريم أبواب الغرف التي دارت فيها مفاوضات السلطة بعد 2003، ويستعيد وقائع كان حاضرا في بعضها وقريبا من صانعي بعضها الآخر.
من مقترحات الأخضر الإبراهيمي وإرادة بول بريمر حول الرئاسة، إلى توزيع الوزارات، وأزمة ولاية إبراهيم الجعفري، ودخول الجنرال قاسم سليماني على خط إزاحته، وصولا إلى اللحظة التي طرح فيها نوري المالكي مرشحا لرئاسة الحكومة.
وبين الوقائع والأسماء والمكالمات التي جرت بعيدا عن العلن، ترسم الشهادة صورة لسنوات تأسيسية كان السؤال الأكثر حساسية فيها يتكرر بصيغ مختلفة: من يملك الكلمة الأخيرة في اختيار من يحكم العراق؟
بدايات صناعة السلطة
يبدأ فخري كريم روايته من المسار التفاوضي تمهيدا لتشكيل الحكومة، وكان حاضرا في جانب من مشاوراته، بينها، ومن أهمها، مع ممثل الأمم المتحدة الأخضر الإبراهيمي، وسفراء بلدان كانت معنية بمسارات العملية السياسية.
ما يرويه هنا يتجاوز سرد التاريخ العام لتشكيل أول حكومة، إلى شهادة من الداخل تكشف كيف تقاطعت الإرادات العراقية والأمريكية والدولية في صناعة سلطة يملك قرارها الأخير من لا يحمل جنسية البلد الذي يحكمه!
يقول كريم إن «نقاشا طويلا قاده ممثل الأمم المتحدة الأخضر الإبراهيمي، بالتنسيق مع الأمريكيين، بهدف استمزاج الرأي بين الأوساط العراقية المختلفة»، في معادلة تصاغ بين الأمم المتحدة وسلطة الائتلاف المؤقتة والقيادات العراقية، ولكل طرف حساباته الخاصة.
وفي إطار تلك الاتصالات والنقاشات، طرحت أسماء شخصيات عراقية لترؤس الحكومة، «والغريب أن بعضها كان عاجزا عن الحركة، بل جرى الاستفسار عن شخصيات كانت قد غادرت الحياة»!
ويذكر كريم أن مثل هذه الحالة من غياب المعرفة تكررت، «بشكل مثير للسخرية»، مشيرا إلى مثال واحد، حين قدمت قوائم تضم أسماء من غادروا الحياة قبل عقود لحضور مؤتمر بيروت للمعارضة!
يستعيد كريم الواقعة الأولى في التحركات الأمريكية والأممية لتشكيل أول حكومة عراقية بعد سقوط الطاغية. فعشية إقرار المرشحين لرئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، جرى لقاء بينه وبين الإبراهيمي في منزل كريم، للتشاور وجس النبض. وخلال اللقاء، فاجأ الإبراهيمي فخري كريم بأن اتفاقا قد تم مع بريمر، رئيس سلطة الائتلاف، على ترشيح عدنان الباجه جي رئيسا للجمهورية. ويضيف كريم: «كما استعرض الإبراهيمي عددا من الأسماء المطروحة لتشكيل الحكومة، وكان من بينها الدكتور مهدي الحافظ، قبل أن يستدرك متسائلا: أليس هو من حزبكم؟ وهذا أمر مشجع على إمكانية اختياره».
لاحظ كريم، وهو يتوجه بالكلام إلى الإبراهيمي، أن المرشحين كليهما ينتميان إلى كتلة سياسية وتنظيمية واحدة هي «تجمع الديمقراطيين المستقلين»، وأنه لا يجوز أن تحظى كتلة واحدة بموقعين سياديين. كما أشار إلى أن أوساطا عراقية ربما تستعيد في الأذهان ما يقال سلبا بشأن عمل الباجه جي مستشارا في قيادة بلد آخر، بعد مغادرته العراق في منتصف الثمانينات.
أما بشأن الحافظ، فألمح كريم إلى أنه لم يعد في الحزب الشيوعي، وبالتالي فهو لا يمثل الحزب، وأن الحزب ليس مستعدا لتحمل ما يترتب على سلوكه السياسي. ويستدرك: «من دون أن يعني ذلك تحفظا على تكليفه».
ويرى كريم أن التوقف عند هذه الملاحظة، حول دور واسم الحافظ، ارتبط بواقعة من زمن أبعد، حين استخدم الزعيم عبد الكريم قاسم إجازة حزب داود الصايغ، وهو حزب لم يكن له وجود، لرفض إجازة الحزب الشيوعي وحرمان الشيوعيين من حقهم في ممارسة النشاط السياسي العلني، وكأن التاريخ، في وعي كريم، يعيد تقديم الاسم منسوبا إلى غير أهله مرتين.
كان ممثل الأمم المتحدة يطرح الأمر وكأن القرار قد اتخذ فيما يتعلق بالباجه جي رئيسا للجمهورية، فيما لم يحسم بعد اسم المكلف برئاسة الحكومة. ولم يجد كريم ما يرد به على المقترح سوى الإشارة إلى أن أجواء مجلس الحكم تتجه إلى ترشيح غازي الياور لرئاسة الجمهورية وإياد علاوي لرئاسة الحكومة.
لكن السيد الإبراهيمي أعاد التأكيد على ما جرى الاتفاق عليه بين رئيس سلطة الائتلاف بول بريمر، والسفير البريطاني، وممثل الأمين العام للأمم المتحدة.
قال فخري كريم لممثل الأمم المتحدة: «ما دام هذا قراركم، فلا بد أن يطرح على مجلس الحكم، بوصفه السلطة المعنية بمثل هذا القرار السيادي».
ومضى كريم في حجته: «ما دمتم ترون أن يكون الرئيس سنيا، فإن الياور هو الأقرب إلى اشتراط الولايات المتحدة وحلفائها، وربما لكم أيضا.. فهو عربي سني، وينتمي إلى واحدة من أكبر العشائر العراقية، حتى إنه يعتمر الكوفية والعقال».
أعاد الإبراهيمي التأكيد على أن الباجه جي سيعلن رئيسا للعراق، فرد كريم بعبارة تختزل الخلل في أصله: إذا، يمكنكم إمرار القرار من دون موافقة العراقيين، وفقا للصيغة التي تشكل بها مجلس الحكم.
وبأدبه الجم ودبلوماسيته المعروفة، عبر الإبراهيمي عن عدم ارتياحه، وطلب لقاء مام جلال الطالباني، في محاولة لمعرفة موقفه وما يعرفه عن مواقف زملائه في رئاسة مجلس الحكم.
وفي المساء، يقول «أبو نبيل»، تم اللقاء في منزل مام جلال، حيث فوجئ الإبراهيمي عند وصوله بدعوة فخري كريم إلى اللقاء. وبعد حديث قصير، طلب الإبراهيمي من طالباني الانفراد به للتداول في أمر خاص وحساس.
وبأريحيته المشهودة، خاطب مام جلال ضيفه مازحا: ليس بيننا غريب، ففي العادة يشاركني كريم مثل هذه المداولات، وفي كل الأحوال، إن لم يحضر، سأطلعه على ما تداولنا بشأنه.
غير أن كريم نهض، مبديا تفهمه لطلب الإبراهيمي، وتركهما ينفردان في الغرفة الجانبية، موضحا لمام جلال أن طلب الخلوة ربما له علاقة بلقائه مع الإبراهيمي صباح ذلك اليوم، وما دار بينهما بشأن المرشح لرئاسة الجمهورية، وربما أراد أن يبدي لطالباني عدم رضاه عما دار في اللقاء وعن موقف كريم، وأن يستوضح منه الموقف الحقيقي.
وبعد انتهاء اللقاء المنفرد بين طالباني والإبراهيمي، قال مام جلال، موجها كلامه إلى كريم، وهو يتودد إلى ضيفه ضاحكا: حقا، إن صديقنا المشترك عبر عن عدم رضاه عما أبديته من تحفظ على الباجه جي، لكنني أكدت له أن هذا موقفنا، ويشاركني فيه الأخ مسعود بارزاني وأغلب قادة مجلس الحكم.
كان المشهد المذكور يعكس طبيعة الأدوار والمشاورات والتوافقات بين الأطراف الثلاثة، ويكشف في الوقت نفسه حدود ما كان يراد له أن يبدو مقبولا من السيادة العراقية، ومدى التطابق أو الاختلاف حول القضايا الرئيسية.
كان الأستاذ الأخضر الإبراهيمي معروفا بوصفه شخصية قومية بارزة، له حضور وتأثير كبيران في الأوساط والمحافل العربية والدولية. لكنه لم يكن موضع ارتياح لدى قادة الإسلام السياسي الشيعي، إذ كانت تراودهم شكوك بشأن ميله إلى المجتمع السني في العراق، مع أنه لم يكن كذلك، من دون شك، بحسب تقدير كريم.
يقول فخري كريم: إن نهج الإبراهيمي وما كان يتبناه من مواقف وسياسات كان يعكس سياسة المنظمة الأممية، وإنه كان يتعامل معه كصديق، ويثق بأنه أكثر ميلا إلى مراعاة مصالح العراق واستعادة سيادته.
بعد زيارة الإبراهيمي الخاطفة ولقائه مع مام جلال، غادر متوجها لنقل حصيلة مداولاته وما تمخض عنها من تصورات إلى بريمر. وبعد فترة وجيزة من مغادرته، اتصل بريمر بمام جلال وأبلغه أن ما نقله الإبراهيمي بشأن الرئاسة هو قرار التحالف الدولي والأمم المتحدة، وسيعلن في اليوم التالي.
أعاد مام جلال تأكيد ما ذكره أمام الإبراهيمي من عدم الموافقة على ترشيح الباجه جي، كما ينقل كريم عنه. وقال طالباني لبريمر: ما دمتم مصرين على اختياركم، فسأطرح الأمر صباحا على مجلس الحكم للتصويت، وله أن يقرر ما يشاء، إما أن يصوت للباجه جي أو لمرشحنا غازي الياور، ما دام الأمر يتعلق باستعادة العراقيين لسيادتهم.
وبعد نحو ساعة، أعاد بريمر الاتصال بمام جلال، وطلب منه ألا يطرح الموضوع على مجلس الحكم، قائلا: لا مانع لدينا من تسمية غازي عجيل الياور رئيسا.
على أن هذا التراجع، مهما بدا في ظاهره انتصارا للإرادة العراقية، لا يغير شيئا في جوهر موقع القرار. فالسلطة التي أعلنت الباجه جي خيارا محسوما، هي نفسها التي وافقت على الياور، واختارت أن تلبس قرارها ثوب الاستجابة بدلا من ثوب الإملاء.
صراع الرئاسة والحكومة الأولى.. وتوزيع الوزارات!
لم يبق التفاوض طويلا في أروقة الأمم المتحدة، بعد أن اصطدم مقترح الإبراهيمي بالموقف العراقي المشترك. غير أن ما حسم المسألة، بحسب قراءة كريم، هو استشعار الأمريكيين أن حراكا سياسيا عراقيا بدأ يتشكل، رغم هشاشته، في مواجهة تلك الترشيحات، لما تنطوي عليه من تكريس لسياق خطير يقوم على فرض شخصيات لحكم العراقيين من دون أن يكون لهم رأي في اختيارها، حتى في حدوده الشكلية.
وقد يفسر هذا الاستشعار التحول السريع في موقف بريمر، من الإصرار على الباجه جي إلى القبول بترشيح غازي عجيل الياور.
ويضيف كريم إلى ذلك عاملا آخر ربما أسهم في تغيير موقف الأمريكيين والإبراهيمي معا: الأفكار والآراء والأجواء التي سادت «مؤتمر السيادة». ويستعيد من الذاكرة أن اجتماع مجلس الحكم لاختيار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء صادف اليوم نفسه الذي عقد فيه المجلس العراقي للسلم والتضامن مؤتمره المكرس لاستعادة السيادة، بحضور نحو ألف شخصية سياسية واجتماعية من مختلف المحافظات، إلى جانب عدد من أبرز أعضاء مجلس الحكم، ومن بينهم جلال طالباني وإياد علاوي وغازي عجيل الياور، الذي كان يجلس إلى جانب كريم على منصة رئاسة المؤتمر.
وحين دعا طالباني الياور وعددا من أعضاء المجلس إلى مغادرة المؤتمر والتوجه إلى اجتماع مجلس الحكم، أدرك كريم أن الأمر قد حسم. يقول: «قلت للياور: مبروك».
وهي رواية تختلف في بعض تفاصيلها عن الرواية الرسمية التي قدمتها الأمم المتحدة لاحقا، والتي قالت إن الباجه جي اعتذر عن تولي المنصب، فآلت الرئاسة إلى الياور.
أما ما يتعلق برئاسة الوزراء، فيقول كريم إنه «جرى الاتفاق على أن يكون إياد علاوي رئيسا للوزراء»، وبالرغم من «وجود ميل لأحمد الجلبي، فإن الكفة ترجحت لعلاوي».
وما يؤسف له أن القيادات العراقية المتمثلة في مجلس الحكم فشلت، هذه المرة أيضا، في توسيع دائرة التمثيل السياسي وإشراك كفاءات مهنية ووطنية في الحكومة، والمساهمة في صناعة سلطة قادرة على استنهاض البلاد وتقوية قواها، تمهيدا لإنهاء الاحتلال واستعادة السيادة. فقد اتجه أعضاء مجلس الحكم إلى توزيع الوزارات بين القوى الممثلة فيه، فيما يشبه المحاصصة، أو يؤسس لنواتها التي جاءت مع الاحتلال.
وفتح ذلك الباب أمام ما أصبح لاحقا صيغة للحكم، وأسهم في تأسيس ما صار يعرف بمنظومة المحاصصة الطائفية، التي انتهت إلى ما نعرفه اليوم.
وهنا تبرز نقطة مهمة في بحث نشأة المحاصصة.
فمجلس الحكم، إلى جانب كونه تشكل بقرار من سلطة الائتلاف المؤقتة، قدم بوصفه إطارا جامعا للعراقيين بمختلف مكوناتهم وقواهم السياسية، كما أراد بريمر وفريقه أن يظهره للعراقيين والعالم. لكنه بني، في واقع الحال، في الوقت نفسه، على أساس تمثيل مكوناتي معلن: ثلاثة عشر عضوا من «الشيعة الإسلاميين»، وخمسة من «العرب السنة»، وخمسة من الكرد، وعضو تركماني، وعضو آشوري مسيحي، وكان بين أعضائه ثلاث نساء، اختارهم بريمر وإدارته عبر مشاورات واستقصاءات مباشرة منهم.
وبذلك دخل معيار الانتماء الطائفي، منذ اللحظة الأولى لتشكيل مؤسسات ما بعد 2003، في تحديد نسب التمثيل السياسي، كما يرى كريم.
ويضيف: غير أن البحث الدقيق في جذور المحاصصة يقتضي عدم الخلط بين تمثيل التنوع الاجتماعي العراقي وبين المحاصصة بوصفها نظاما لتقاسم السلطة والدولة. ولا يصح، بطبيعة الحال، تحميل جميع أعضاء مجلس الحكم، لمجرد مشاركتهم فيه، مسؤولية المسار الذي اتخذته العملية السياسية لاحقا، فبعض القوى والشخصيات تعاملت مع تمثيل المكونات بوصفه استجابة لمرحلة انتقالية استثنائية، فيما تطور هذا المبدأ، بالممارسة والصراع السياسي، وفي ظل اختلال موازين القوى والسلاح المنفلت وتدخل خارجي، إلى آلية لتوزيع المواقع والنفوذ بين القوى المتنفذة.
ومما يزيد المسألة وضوحا، بحسب كريم، أن تشكيل الحكومة في أيلول 2003 أعاد إنتاج التوزيع المكوناتي نفسه، تقريبا، في توزيع الحقائب الوزارية، وهو ما يكشف أن الأمر بدأ يتجاوز تركيبة مجلس الحكم إلى بنية السلطة التنفيذية ذاتها.
ومن هنا، برأي كريم، فإن فهم نشأة المحاصصة يحتاج إلى تتبع مسارها مرحلة بعد أخرى: مجلس الحكم عام 2003، ثم أول تشكيلة وزارية، فقانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية عام 2004، ثم انتخابات الجمعية الوطنية عام 2005، وكتابة الدستور والاستفتاء عليه، وصولا إلى تشكيل الحكومة الدائمة عام 2006.
وعند دراسة هذا المسار، يمكن تحديد النقطة التي انتقل فيها تمثيل التنوع، بوصفه ضمانة لعدم إقصاء أي مكون، إلى محاصصة سياسية مؤسسية تقوم على تقاسم «الدولة الخربة» ومؤسساتها، وتحديد القوى التي دفعت باتجاه هذا التحول، والقوى التي اعترضت عليه، ومن وافق عليه باعتباره حلا مؤقتا، ثم صار لاحقا جزءا من ممارسته.
ولموضوع المحاصصة وجذورها ونشأتها وقفة مستقلة لدى كريم في الحلقات القادمة من شهادته.
فالمحاصصة، كما يراها كريم، تتجاوز كونها مجرد توزيع طائفي بين قوى تدعي احتكار تمثيل الشيعة والسنة والكرد، فهي، في طبقتها الأعمق، توزيع عائلي، أو قائم على الولاء الشخصي والسياسي.
«فالخانة الطائفية، حين تملأ، لا تملأ بأكفأ أبنائها، ولا بأكثرهم تمثيلا لمصالح الطائفة، وإنما بأقرب الناس إلى من يملك حق الترشيح. وهكذا تصير الوزارة غنيمة توزع كما يوزع الميراث»!
وما بدأ في تلك اللحظة لم ينته فيها. فمنطق العائلة والولاء السياسي في توزيع المناصب تحول إلى بنية مستقرة في «شبه الدولة العراقية»، تتكرر في التشكيلات الحكومية بصيغ مختلفة ومضمون واحد. والبذرة التي زرعت في تلك المرحلة نمت، مع الزمن، حتى صارت جذرا وسياقا حاكما.
معضلة الجعفري و«الحاكمية الربانية»
في الشارع عام 2006، كان أتباع رئيس الوزراء يرددون شعارا قديما، استعاروه من شعارات انتفاضة آذار 1991، وكأن صاحبهم هو المعني به: «ماكو ولي إلا علي، ونريد حاكم جعفري».
هتاف ولد في وجه سلطة مستبدة، ثم أعيد إنتاجه في زمن السلطة، هتافا لرجل يجلس في رئاسة الوزراء. وفي هذا الانقلاب في وظيفة الشعار، من صرخة في وجه الحاكم إلى تسبيحة له، ما يختصر المسافة التي قطعها العراق في سنوات قليلة.
ومن الحكومة الأولى إلى الحكومة الثانية، التي ترأسها الأمين العام السابق لحزب الدعوة الإسلامية إبراهيم الجعفري، ينتقل الحديث مع فخري كريم، الذي لا يتردد في اعتبار تسنم الجعفري رئاسة الحكومة «اللحظة الفارقة التي تجرد فيها العراق من أي نافذة للأمل في أن تتحقق فيه الأمنيات العراقية بدولة وطنية تعيد الاعتبار للقيم والاتجاهات الوطنية، بإعادة بناء الدولة واستكمال بناء مؤسساتها وأجهزتها على أساس السيادة والاستقلال والديمقراطية التعددية».
فإذا كان بريمر قد أسس لبنية سياسية معطوبة، فإن الجعفري أغلق الباب أمام إمكانية إصلاحها، من وجهة نظر فخري كريم، الذي يحدد موقعه في العملية السياسية بتوصيف لا يحتمل اللبس: «المهندس المنفذ لبناء المنظومة التي سميت المحاصصة، ومن فترة ولايته تكرس اللااستقرار، وانطلق القتل على الهوية والصراعات الطائفية المتطرفة».
ويربط كريم ذلك بنظرة الجعفري إلى موقعه في السلطة، وبحديثه عن سلطته باعتبارها مستمدة من «الحاكمية الربانية».
والهتاف الذي ردد في الشارع متصل، في قراءة كريم، بهذا التصور، فهو ترجمته الشعبية، وقد تكفل الأتباع بإنزاله من مقام النظرية إلى مقام الحناجر.
يقول كريم إن الجعفري «صار يتصرف باعتباره ممثلا إلهيا، مثل خلفاء في العصور السالفة»، ثم يستدرك، كمن يقف عند حافة عبارة أثقل: «لا أريد أن أقول إنه ممثل الإمام الغائب، المهدي المنتظر».
وعما إذا كانت الأطراف السياسية الأخرى قد تنبهت إلى إشكالية وجود الجعفري في رئاسة الوزراء وطريقة إدارته للسلطة، يقول كريم إن الموقف منه «اجتمعت عليه كل أطراف العملية السياسية تقريبا»، إلى جانب عدم رضا صامت داخل قيادة حزبه، التي عانت، بحسب كريم، من الإهمال والعزل عن «مركز القرار الفردي للجعفري». ورغم تصاعد المطالبة بتنحيه، ظل الجعفري متمسكا بمنصبه، غير مصغ حتى إلى أصوات من داخل قيادة حزبه، فيما تبلور اتفاق ضمني على إعفائه وإزاحته.
ولم يكن الاعتراض عليه اعتراضا على برنامج أو خط سياسي، إذ لم يشغله الالتفات إليهما، بقدر ما كان اعتراضا على أسلوب في الحكم وطريقة في إدارة السلطة والعلاقة مع الشركاء.
فمن داخل حزبه، كان المأخذ عليه أنه «لا يقدم تقريرا إلى القيادة، ولا يرى نفسه ملزما بمساءلتها»، كما يقول كريم، وأنه «متعالي وغير واقعي فيما يطرحه، وأن نرجسيته ازدادت ظهورا كلما طال بقاؤه في الموقع، حتى شعر رفاقه أنهم خدعوا فيه». ومع المرجعية الدينية، صار مرفوضا.
ويضيف: ومع الكرد تزايدت استفزازاته، وافتعاله فتح ملف كركوك الشائك، كونها من بين المناطق المتنازع عليها وفقا للدستور، بإعلانه أنها مدينة عربية. أما مع السنة، فاتخذ موقفا يثير المزيد من الانقسام ويدفع باتجاه المواجهة الطائفية، وقد افتضحت توجهاته الطائفية بشكل مباشر بعد تفجير مرقدي الإمامين العسكريين، ورفضه بعناد فرض حظر للتجوال، الذي كان يمكن أن يحد من مجزرة المواجهة الطائفية والقتل على الهوية. وظلت تلك الصفحة الأكثر سوادا في تاريخه السياسي.
ولم يقتصر الأمر على أطراف العملية السياسية، بل امتد القلق والتساؤل إلى المرجعية الدينية العليا في النجف، مما وضعها أمام مسؤولية التحرك.
واستنادا إلى ما تسرب في حينه، كما ينقل كريم، من مصادر في حزب الدعوة الإسلامية، فإن السيد محمد رضا، نجل المرجع الديني السيد علي السيستاني، اتصل بالشيخ عبد الحليم الزهيري، القيادي في الحزب، وأملى عليه رسالة تتضمن موقف السيد السيستاني من بقاء الجعفري، ليبلغها إلى قيادة الحزب. واعتذر الشيخ في البداية، كما ذكر لفخري كريم، بحجة أنه ليس صاحب الشأن في هذه المسألة، ولا في موقع من يحمل رسالة كهذه، غير أن السيد محمد رضا ألح عليه، فقبل أن تملى عليه.
طلب السيد محمد رضا تنحية الجعفري، وترشيح بديل عنه من بين ثلاثة أسماء: علي الأديب «أبو بلال»، وحيدر العبادي، وعبد الفلاح السوداني خيارا ثالثا، وهو من حزب الدعوة الإسلامية – تنظيم العراق، وكان وزيرا للتربية في حكومة إبراهيم الجعفري، قبل أن يتولى وزارة التجارة في حكومة نوري المالكي الأولى. ومع ذلك، لم يكن ترشيحه يحظى بالقبول داخل حزب الدعوة.
ويتوقف كريم عند اسم السوداني بوصفه المفاجأة في الخيارات الثلاثة، ويقول إنه استغرب أن ترشح المرجعية اسما بعينه لرئاسة الحكومة، ولا سيما أن مؤشرات كانت تنسب إلى سلوكه قبل سنوات من ظهور قضايا الفساد التي ارتبطت باسمه وأطاحت به من وزارة التجارة لاحقا، وحكم عليه بالسجن.
وكان أول ما تضمنته الرسالة، كما ينقل كريم، أن الجعفري لا يمكن أن يبقى لنهجه وسياسته التي أصبحت عبئا وخطرا على الشيعة، وأن عليه أن يستقيل أو يزاح. وثانيها أن إصراره على عدم الانسحاب قد يعرض العملية السياسية كلها لخطر جدي، ويقربها من وضع أشبه بالانقلاب عليها، ويفضي إلى وضع «ليس في صالحنا». وقد كرر محمد رضا الفكرة بصيغة أشد: إن بقاء الجعفري ربما يفتح الباب أمام احتمال عودة الاحتلال.
وبذلك اكتملت الدائرة حوله: حزبه، وشركاؤه في العملية السياسية، والأمريكيون، والنجف.
غير أن المسألة لم تكن سهلة. يقول كريم: «لأنه رفض مغادرة المنصب، وبقي مصرا على عدم مغادرته حتى آخر لحظة»، فلم يكن شبه الإجماع كافيا لإقناعه بالرحيل.
وقد أكد مام جلال أن تعنت الجعفري وإصراره لم يتركا فرصة للضغط سوى الاستعانة بإيران والحاج قاسم سليماني. ومن هنا تشاور مع السفير الأمريكي، واطمأن إلى ألا تتخذ إجراءات ملاحقة له إذا زار بغداد، وكان له ذلك، حيث وصل الحاج إلى بغداد وحسم الموقف مع الجعفري، كما يوثق فخري كريم.
يعود كريم إلى اجتماع قيادة حزب الدعوة الإسلامية ورسالة المرجعية الدينية العليا، ويذكر ما نقل له: «لم يكن أول ما استقبلت به الرسالة في الاجتماع القبول، وإنما الاعتراض على أصل التدخل: لماذا تتدخل المرجعية في تحديد من يأتي رئيسا للوزراء؟ ولماذا يتولى الشيخ نقل رسالة كهذه أصلا؟».
والمفارقة التي يذكرها كريم، كما نقلت إليه، أن نوري المالكي كان في صدارة المعترضين. فهو الذي وقف في ذلك الاجتماع مدافعا عن الجعفري، ومؤيدا بقاءه، وممتدحا إياه، خلافا للموقف الذي كان يعلنه في اجتماعات الحزب وفي أحاديثه مع رفاقه القياديين. وكان من بين تعليقاته: «متى استجبنا للأمريكيين حتى نسحب اليوم مرشحنا تحت الضغط؟».
ولذلك الموقف أسباب يعد كريم بالعودة إليها في موضعها من الشهادة. أما اسم المالكي نفسه، فلم يكن مطروحا في ذلك الحين على الإطلاق. ثم بدأت الأسماء المطروحة تتساقط واحدا بعد آخر.
فحين طرح اسم علي الأديب، اعتذر، قائلا إنه محارب أصلا، وإن حملة تشاع ضده وتتهمه بأنه إيراني، وأضاف بامتعاض: «إنهم يتعرضون لي الآن، فكيف لو صرت رئيسا للوزراء؟».
أما حيدر العبادي، فغاب عن الاجتماع الذي استكمل فيه بحث اختيار بديل للجعفري. ثم جاء دور المالكي، بعد أن أصبح اسمه مطروحا، فتساءل هو الآخر، قائلا: «كيف يمكن ان ارشح وهناك من يتهمني بان ميولي سورية وسوى ذلك من أباطيل؟».
بعد ذلك، كما يروي كريم، اتصل الشيخ الزهيري بالسيد محمد رضا، نجل المرجع، وأبلغه بما آلت إليه الأمور: أن الأسماء التي اقترحتها الرسالة لم تعد مطروحة، وأن اسم نوري المالكي أصبح هو الخيار المتداول. فجاء الجواب من النجف: ما دام لا مانع لديكم ولا خيار آخر، فنحن لن نعترض.
على أن القرار لم يصنع في الاجتماع أصلا. فقد خرج الجعفري بحجة ما، ليتبين للحاضرين بعد حين أنه ذهب إلى الصحفيين وأدلى بتصريح حسم به الأمر: «أنا أستقيل، ومرشحنا هو نوري المالكي».
يقول كريم إن وسائل الإعلام أذاعت الخبر قبل أن يكون المجتمعون قد اتخذوا قرارهم، فوجدوا أنفسهم أمام أمر واقع يصعب رده.
هكذا، لم يولد ترشيح المالكي من توافق ولا من تصويت، وإنما من انسحاب مرشحين محتملين، وتصريح للصحافة. وثماني سنوات من حكم العراق بدأت من باب لم يكن أحد، في أول الأمر، يقصد أن يفتحه للمالكي!