محمد حميد رشيد… جريدة المدى
السلطة في العراق تحكمها فلسفة سياسية خاصة غير مسبوقة في جميع الأنظمة الديمقراطية في العالم وما يحدث الآن في العراق نظام حكم جديد ومفاهيم ومصطلحات (محلية) من صناعة العملية السياسية العراقية الحالية ما انزل الله لها من سلطان ولا نجدها في القاموس السياسي العالمي معظمها يعكس واقعاً طائفياً أو توافقياً فرضته الظروف العراقية بعد سقوط النظام السابق. وهي نتاج بيئة سياسية معقدة حيث لم تُطبّق الديمقراطية بشكل كامل، بل جرى تكييفها مع الانقسامات الداخلية. وهي لا تُستخدم في الديمقراطيات المستقرة أو في الأدبيات السياسية العالمية ومن تلك المصطلحات (المكونات والتوازن الوطني؛ الكتلة الكبر التي يحق لها تشكيل الحكومة بعد الإنتخابات؛ التوافق السياسي “الذي أصبح قاعدة وقانون لا إستثناء وقتي أو ظرفي “Grand coalition”؛ و مصطلح (المحاصصة) الذي تطور إلى مصطلح (المشاركة) وعلى أساس هذا المصطلح يتم تشكيل الحكومة وفق (تسعيرة) خاصة لكل وزارة ولكل منصب من مناصب الدولة المهمة فهناك اسعار مالية تعطى مقابل التنازل عن إستحقاق هذه الوزارة فالوزارات السيادية “لها خصوصية إستثمارية أو امنية (الدفاع، الداخلية، المالية، النفط): تسعر بين 10 – 30 مليون دولار مقابل تنازل طرف سياسي لأخر اما الوزارة الخدمية التي تمتاز بأن لها إستثمارات عالية (الصحة، التربية، الكهرباء) بين 5 – 10 ملايين دولار أما وكيل وزارة أو مدير عام فيتراوح سعر التنازل عنها بين 500 ألف – 2 مليون دولار وهكذا. وقد يتم التنازل عن وزارة “سيادية” في مقابل وزارتين “غير سيادية” أو مناصب عليا أقل وهكذا وهكذا كل منصب له قيمته المادية أو سعره الإستثماري.
لكن يبقى الأكثر شذوذاً وأفظع ما في الصورة إن مبداء المحاصصة هذا أو المشاركة تطور ليصل إلى آلية جديدة ليس لها مثيل في العالم حيث يخلق ليضيف إلى تكوينات الدولة (رئاسة الدولة ورئاسة البرلمان ورئاسة الحكومة والقضاء المستقل) سلطة خامسة أرفع واكثر تاثيراً هي سلطة (الأباء المؤسسين) كما سماها الأستاذ المحترم ابو ميثاق المساري أو (الأحزاب المؤسسة للدولة) أو إطار الدولة والذي يمتلك صلاحية تعيين رئيس الوزارء بشكل غير رسمي وكما عبر عنه الأستاذ أبو ميثاق حينما تحدث عن إعتراضات أحزاب الإطار [(وضعوه) في سدة الحكم و وكلوه مهمة تخليص الشارع من آفة الفساد والمفسدين كان يجب ان تحدث (تشاور) قبل الحملة!] أي ما كان له ان ينفذ حملة محاربة الفساد إلا بعد أن يضع خطة تعرض على (الأباء المقدسون) قبل أن يشرع بتنفيذها وبعد أن تحصل الموافقة على تفاصيلها!!! ((بعض القادة أعترضوا على بعض تفاصيل (حملة الإعتقالات) لماذا لم يخبر القادة مسبقاً)!… وهكذا أصبح لدينا في العراق سلطة رابعة تشرف وتراقب عمل الحكومة هي سلطة (الأحزاب التي رشحت رئيس الوزراء وانعمت عليه بالمنصب ولكنها فرضت عليه شروطها للترشيح وهو وافق عليها وأصبح لهذا الإتفاق مكانة عقدية خارج الدستور والقوانين المرعية بل أصبح رئيس الوزراء (مجرد مدير عام عند الأحزاب التي منحت له هذا المنصب) كما قال سماحته؛ وطبيعي أن المرشح الجديد لا يستطيع الإلتزام بكل رغبات وطلبات الأحزاب المشروعة وغير المشروعة (إرضاء الأحزاب غاية لا تدرك) وهذا عرف وتقليد سياسي مستحدث من قبل قادة الخطوط الحمر المقدسين (أباء العملية السياسية المقدسين) وتم الإتفاق عليه بشكل ضمني وغير معلن؛ نعم لكل الأحزاب المشاركة في الحكومة ممثلين في البرلمان لهم كل الحق في الإعتراض أو القبول بكل مشاريع السلطة ورفض قوانينها أو قبوله وهم وإن كان البرلماني ممثلاً للشعب أولاً فهو من جهة ثانية ممثلاً للحزب الذي ينتمي له وساعده على الوصول إلى البرلمان وله كل الحق في أن يقول ما يشاء وما يعتقد أن فيه مصلحة للشعب العراقي ولكن من خلال البرلمان لا من خلال الحزب الذي يمثله وللحزب أن يقول رأيه عبر المنصات الإعلامية وعبر ممثليه في البرلمان وأمام كل ممثلي الشعب هذا من في الجانب الأول من منهاج الحكومة الذي تم التصويت عليه في البرلمان أما البند الثاني من برنامج الحكومة وهو حصر السلاح بيد الدولة فأن مصداقية رئيس الحكومة على المحك حيث تبين أن هذا السلاح هو الآخر (مقدس) لذا لا يمكن نزعه إلا عن طريق (مقدس) أو بفتوى خاصة من (مرجعية خاصة) وإن (أحزاب الإطار مجتمعة) لها رأي آخر على الحكومة أن تلتزم به (رغم أن البرلمان له رأي آخر) بل هناك (فصائل) مسلحة من خارج أحزاب البرلمان لها رأي آخر يزعم أن (السلطة) غير قادرة على نزع السلاح وإن فعلت سقطت شرعيتها ذلك كون هذا السلاح وتلك الفصائل سلاح (عقائدي) لخوض (المعارك العقائدية) تحمله جيوش وفصائل (عقائدية) وهو سلاح لحماية المذهب من اعداء المذهب الذين هم بالضرورة اعداء العراق وهم أدرى من الحكومة بهم وهم الأقدر على حماية العراق منهم وتحقيق (الإمبراطورية العقائدية المقدسة) على حد قول الأستاذ كامل الكناني. وسلاح المقاومة لا يمكن حتى مناقشته! كون التنظيمات العقائدية تقدم دائماً مصلحة العقيدة على اي مصلحة أخرى لكن في كثير من الأحيان يخطئون في تقدير مصلحة العقيدة ويعتقدون بوجود تناقض بين مصلحة الأمة ومصلحة العقيدة وكأن العقيدة لا تحبذ مصلحة الناس في حين أن العقيدة حريصة كل الحرص حتى على مصلحة الفرد (و واجب توفير الخدمات الضرورية الأساسية للفرد مقدم حتى على بعض العبادات أو الممارسات الدينية) فضلاً عن مصلحة الأمة(لا يجوز الصلاة في طريق المسلمين مثلاً) ذلك لأن مصلحة الأمة ضامن لوحدتها وإستقرارها وأن مفهوم العدل والمساوات يأتي في مقدمة المطالب الشرعية!