في السياسة كما في الحياة، هناك لحظات ينطبق عليها المثل الشعبي: “كأنك يا أبوزيد ما غزيت”. لحظات يكتشف فيها المرء أن كل الجهد المبذول لم يثمر نتيجة ملموسة، وأن الجعجعة انتهت إلى فراغ. هذا المثل يصلح تماما لوصف تجربة ترامب مع إيران، التي انتهت بحصيلة لا تتجاوز حصيلة سلفه أوباما عام 2015.
حينها وقّعت الولايات المتحدة إلى جانب القوى الكبرى اتفاقا مع إيران، عُرف باسم خطة العمل المشتركة الشاملة. الاتفاق حدّ من تخصيب اليورانيوم، وأخضع المنشآت الإيرانية لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل رفع تدريجي للعقوبات.
رغم الانتقادات الداخلية والخارجية، كان الاتفاق إنجازا دبلوماسيا ملموسا فتح الباب أمام إيران للعودة جزئيا إلى الاقتصاد العالمي. وأعطى واشنطن وحلفاءها فرصة لمراقبة البرنامج النووي الإيراني عن قرب، وهو ما اعتُبر خطوة عملية نحو تجنب سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط.
في مايو 2018 أعلن ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، معتبرا أنه “أسوأ صفقة في التاريخ”. أطلق سياسة الضغط الأقصى، التي اعتمدت على العقوبات الاقتصادية المشددة والتهديدات العسكرية، ومحاولات لعزل إيران دبلوماسيّا.
لكن هذه السياسة لم تحقق أهدافها. إيران لم تُقدّم تنازلات إضافية، بل واصلت تطوير برنامجها النووي بوتيرة أسرع. لم يتم التوصل إلى “صفقة أفضل” كما وعد ترامب. الضغط الأقصى أضر بالاقتصاد الإيراني، لكنه لم يغيّر سلوك النظام.
أوباما، رغم الانتقادات، ترك اتفاقا قائما وملزما دوليّا، بينما ترامب ترك فراغا تفاوضيّا، بلا إطار قانوني ولا مكاسب إستراتيجية.
ترامب قدّم نفسه كرجل الصفقات الكبرى، القادر على انتزاع تنازلات لم يحققها أوباما. لكن الواقع أظهر أن الانسحاب من الاتفاق لم يفتح الطريق أمام صفقة جديدة، بل أعاد الملف النووي إلى حالة من الغموض والتصعيد.
النتيجة كانت مفارقة صارخة: أوباما، رغم الانتقادات، ترك اتفاقا قائما وملزما دوليّا، بينما ترامب ترك فراغا تفاوضيّا، بلا إطار قانوني ولا مكاسب إستراتيجية. لقد تحولت سياسة ترامب إلى استعراض إعلامي أكثر منها إنجازا دبلوماسيّا، وهو ما جعل المثل الشعبي “كأنك يا أبوزيد ما غزيت” ينطبق عليه تماما.
سياسة ترامب انعكست على مواقف دول الخليج والشرق الأوسط. دول الخليج أدركت أن الاعتماد على واشنطن وحدها لم يعد ضمانة كافية، فاتجهت إلى تنويع شراكاتها مع قوى آسيوية مثل الصين والهند. هذا التحول أبرز أن انسحاب واشنطن لم يكن مجرد قرار داخلي، بل خطوة أعادت تشكيل موازين القوى في المنطقة.
من المفيد هنا التوسع في المقارنة بين أسلوب ترامب التفاوضي مع إيران وأسلوبه مع كوريا الشمالية. في حالة بيونغ يانغ، اعتمد ترامب على اللقاءات المباشرة مع الزعيم الكوري، مقدما نفسه كصانع سلام قادر على تحقيق اختراق تاريخي. لكن هذه اللقاءات، رغم ما أثارته من ضجة إعلامية، لم تُفضِ إلى اتفاق ملزم أو خطوات عملية نحو نزع السلاح النووي.
النتيجة في الحالتين متشابهة: خطاب قوي، صور إعلامية لافتة، لكن حصيلة سياسية محدودة. في إيران، انسحاب بلا بديل. وفي كوريا الشمالية، لقاءات بلا نتائج. كلا الملفين يعكس أن السياسة القائمة على الاستعراض الإعلامي لا تكفي لتحقيق إنجازات إستراتيجية.