ملخص
لقد انتقل الصراع بين إيران وواشنطن إلى مرحلة من سيدير هرمز، وفق أية قواعد، وبأية ضمانات، وما المقابل السياسي والاقتصادي الذي ستحصل عليه إيران مقابل إعادة الملاحة بصورة كاملة، وهذا هو جوهر المعركة التفاوضية الدائرة منذ أشهر، فإذا نجحت عمان في تحويل الممر الموقت إلى ترتيب دائم للملاحة، تزامناً مع تفاهم أميركي – إيراني حول العقوبات والحصار ومذكرة التفاهم، فقد يصبح هرمز مدخلاً إلى التسوية بدلاً من أن يكون سبباً لجولة جديدة من التصعيد.
في الأيام الأخيرة تزايدت الزيارات الإقليمية إلى إيران، باكستانية وعمانية وقطرية، وأعلنت طهران وسلطنة عمان عن التوصل إلى تفاهم في شأن الملاحة في مضيق هرمز، ولكن هل تثق إيران في الوساطات الإقليمية؟ وهل يعنى التفاهم مع عمان فتح المضيق؟ ولماذا تختلف رؤية إيران وترمب لمضيق هرمز؟ إجمالاً هل حركت الوساطات والمحادثات والصراع مربعاً واحداً للأمام.
تكتسب المحادثات الإيرانية – العمانية الأخيرة أهمية خاصة، لأنها تكشف عن انتقال تدريجي من البحث في إمكان إعادة الملاحة إلى محاولة صياغة نظام مرحلي لإدارة الملاحة، دون أن تكون إيران قد وافقت حتى الآن على إعادة فتح المضيق بصورة كاملة.
وهل تغيرت من يوليو (تموز) إلى أغسطس (آب) طبيعة محادثات الإيرانية – العمانية؟ بدأ المسار الحالي بصورة أكثر تواضعاً في الـ11 من يوليو عندما عقد وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي ونظيره الإيراني عباس عراقجي محادثات في مسقط حول أمن الملاحة وحرية المرور في مضيق هرمز. واتفق الطرفان آنذاك على مواصلة المشاورات على المستويين السياسي والفني للوصول إلى تفاهمات تتوافق مع القانون الدولي.
في تلك المرحلة، كان التركيز الأساس على المبدأ العام: كيف يمكن إعادة تأمين الملاحة في المضيق بعد الحرب، وكيف يمكن تجنب تحول الممر المائي إلى ساحة مواجهة مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، لكن بحلول أغسطس، بدأت المفاوضات تتحول إلى مستوى أكثر تحديداً.
في السادس من أغسطس أعلنت إيران أن التوصل إلى اتفاق مع عمان في شأن هرمز أصبح قريباً، وتحدثت تقارير عن اتفاق الطرفين على إحداثيات لمسارات يمكن أن تستخدمها السفن. ومع ذلك، شددت طهران منذ ذلك الوقت على أن أي اتفاق مع عمان لن يكون كافياً وحده لإعادة فتح المضيق، وأن القرار مرتبط أيضاً بالتزامات أميركية أوسع، وهنا ظهرت للمرة الأولى بوضوح المفارقة التي تحكم المفاوضات الحالية:
إيران تفاوض عمان على آلية الملاحة، لكنها تفاوض الولايات المتحدة على شروط إعادة فتح هرمز، وهذا التفريق بالغ الأهمية لفهم ما يجري.
لكن ماذا تغير في محادثات الـ25 من أغسطس؟ في الـ25 من أغسطس انتقلت المحادثات إلى مرحلة أكثر عملية مع زيارة وزير الخارجية العماني إلى طهران ولقائه عباس عراقجي. واللافت أن البيان الإيراني – العماني المشترك لم يتحدث ببساطة عن فتح المضيق، وإنما تحدث عن إطار مرحلي يمكن أن يشكل أساساً عملياً وقابلاً للتنفيذ، يتضمن إنشاء ممر ملاحي موقت مشترك، إلى جانب مشروع مشترك لإزالة الألغام، واتفق الطرفان على مواصلة المفاوضات الفنية في شأن ممر دائم، وإدارة مستقبلية للمضيق، وتبادل المعلومات، وإدارة حركة السفن والخدمات الملاحية والأمنية.
لم يتغير شيء كبير، فقد أصبحت المفاوضات الآن تبحث كيف يمكن إدارة الملاحة نفسها في مرحلة انتقالية، ومن يحدد قواعدها، وكيف تنتقل من ترتيب موقت إلى نظام دائم على أن تمتد التفاهمات من 30 إلى 60 يوماً.
لكن كل ذلك لا يعنى إعادة فتح المضيق، إيران وافقت على بحث وإنشاء ممر ملاحي موقت، لكنها لم تعلن فتح المضيق بصورة كاملة، بل أكد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن الترتيب مع عمان لا يعني أن المضيق سيفتح تلقائياً، وأن الانتقال إلى حل دائم يحتاج إلى مفاوضات إضافية، وهو ما يعد تكراراً للتصريحات السابقة نفسها.
كذلك فإن مصادر إيرانية رفيعة أكدت أن الاتفاق النهائي بين إيران وعمان لم يكن قد اكتمل بعد في الـ25 من أغسطس، وأن الطرفين لا يزالان يتفاوضان حول قضايا مثل إدارة المضيق وتقاسم الإيرادات، لذا فإن التعبير الأدق عما يجري هو: ليس فتحاً لهرمز، وإنما محاولة لإنشاء نظام عبور مضبوط وموقت داخل مضيق ما زالت إيران تعتبر قرار فتحه الكامل مرتبطاً بالتسوية السياسية الأوسع.
منذ بداية الحرب أصبحت إيران تنظر إلى المضيق باعتباره إحدى أهم أدوات الردع والضغط في مواجهة الولايات المتحدة، ولذلك فإن التخلي عن ورقة هرمز دون الحصول على مقابل سياسي واقتصادي واضح سيعني، من وجهة النظر الإيرانية، التخلي عن إحدى أهم أوراق القوة التي لا تزال تمتلكها، ولهذا ربط المسؤولون الإيرانيون إعادة الفتح الكامل بما تعتبره طهران التزامات أميركية لم تنفذ في إطار مذكرة التفاهم السابقة، ولا سيما ما يتعلق بالعقوبات والحصار والإجراءات البحرية.
بمعنى آخر تريد إيران أن تقول: يمكننا أن نتفاوض مع عمان على كيفية مرور السفن، لكن قرار فتح هرمز بالكامل ليس قراراً تقنياً، إنه قرار سياسي مرتبط بالعلاقة مع واشنطن.
لكن العقدة الحقيقية ليست في مسقط على رغم أهمية الدور العماني، فإن المشكلة الرئيسة لا تزال في مكان آخر، العلاقة بين طهران وواشنطن، فحتى لو توصلت إيران وعمان إلى اتفاق فني كامل حول مسار السفن، فإن ذلك لا يحسم السؤال السياسي الأكبر: ما الذي ستحصل عليه إيران في المقابل؟ وهنا تظهر أهمية التطورات المتزامنة في واشنطن.
تنظر الولايات المتحدة إلى إعادة فتح هرمز باعتبارها هدفاً استراتيجياً متزايد الأهمية، خصوصاً بعدما أصبح استمرار إغلاق المضيق عامل ضغط على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. وفي المقابل، تواصل واشنطن سياسة الضغط الاقتصادي والعقوبات على طهران، وهذا يخلق معادلة شديدة التعقيد: واشنطن تريد فتح هرمز لتخفيف الضغط الاقتصادي العالمي، لكنها في الوقت نفسه تريد استخدام الضغط الاقتصادي على إيران لإجبارها على تقديم تنازلات، أما طهران فتريد استخدام هرمز كورقة ضغط للحصول على تنازلات أميركية قبل أن تتخلى عن هذه الورقة، وهكذا يصبح المضيق جزءاً من لعبة مقايضة أكبر.
هل يمكن أن يتحول الممر الموقت إلى اتفاق دائم؟ ذلك ممكن، لكنه ليس مضموناً، فالاتفاق الموقت قد ينجح في بناء الثقة بين إيران وعمان، ويخلق واقعاً جديداً للملاحة، ثم يفتح الباب أمام تفاوض إقليمي أوسع حول إدارة المضيق، لكن العقبة الكبرى ستظل الموقف الأميركي، فإذا أصرت واشنطن على أن إعادة فتح هرمز يجب أن تسبق أية تنازلات أميركية، بينما تصر طهران على أن التزامات واشنطن يجب أن تسبق إعادة الفتح الكامل، فسيبقى الطرفان أمام معضلة من يقدم التنازل الأول؟
الخلاصة هرمز لم يفتح، لكنه دخل مرحلة تفاوض جديدة تعكس من جهة مماطلة إيرانية لشراء الوقت ومحاولة ضغط على واشنطن لتحقيق مكتسبات أكبر على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري، في وقت يعتبر فيه دونالد ترمب أن أزمة المضيق مرتبطة بالملاحة العالمية فقط.
ومن ثم فإن نتائج التفاوض بين إيران وسلطنة عمان تمثل مرحلة وسطى بين الحرب والتسوية، ولهذا فإن التطور الأهم في المحادثات الإيرانية – العمانية ليس الإعلان عن فتح هرمز، بل إعادة تعريف القضية نفسها.
لقد انتقل الصراع بين إيران وواشنطن إلى مرحلة من سيدير هرمز، وفق أية قواعد، وبأية ضمانات، وما المقابل السياسي والاقتصادي الذي ستحصل عليه إيران مقابل إعادة الملاحة بصورة كاملة، وهذا هو جوهر المعركة التفاوضية الدائرة منذ أشهر، فإذا نجحت عمان في تحويل الممر الموقت إلى ترتيب دائم للملاحة، تزامناً مع تفاهم أميركي – إيراني حول العقوبات والحصار ومذكرة التفاهم، فقد يصبح هرمز مدخلاً إلى التسوية بدلاً من أن يكون سبباً لجولة جديدة من التصعيد.
أما إذا بقيت واشنطن تنظر إلى هرمز باعتباره نتيجة يجب أن تقدمها إيران أولاً، وبقيت طهران تنظر إليه باعتباره ورقة يجب ألا تتخلى عنها قبل الحصول على مقابل أميركي، فإن الممر الموقت سيبقى مجرد إدارة للأزمة، لا حلاً لها، والفارق بين الاثنين هو الذي سيحدد ما إذا كان مضيق هرمز سيتحول في الأسابيع المقبلة من ساحة صراع إلى جسر تفاوض، أم سيظل أخطر ورقة في الصراع الإيراني – الأميركي.
الأهم أنه في ظل زخم الوساطات الإقليمية الأخيرة، حيث زيارة قائد الجيش الباكستاني ووزير الخارجية العماني ورئيس الوزراء القطري إلى إيران، ترى طهران أن الوساطات تلك التي تدور حول فتح الملاحة فقط في مضيق هرمز دون تنازلات أميركية تريدها إيران إنما هي في إطار مناورة أميركية لإشغال إيران بتفاهم إسلام آباد وإضاعة الوقت إلى حين إجراء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي بأمان، ثم تقوم بعد ذلك بمغامرة ضد إيران، أي خطوة دبلوماسية أو وساطة عملية وواقعية، لذا قد يدفع هذا التصور إيران إلى التأكيد أن مجرد إطلاق المواقف الدبلوماسية لا يحل أية مشكلة، كذلك فإن إطالة أمد المسار الحالي سيدفعها دفاعاً عن مصالحها، إلى الدخول في مساحات كانت قد امتنعت سابقاً عن التحرك نحوها، مما يعنى لكسر حال الدبلوماسية الجامدة ربما تصعد عبر الميليشيات الإقليمية وتفجير بؤر صراع جديدة مثل ضرب مسارات الطاقة في باب المندب والبحر الأحمر والبحر المتوسط ومهاجمة الألياف البحرية للتأثير في نقل البيانات والاتصالات العالمية، وربما التهديد بمنع دول المنطقة من تصدير نفطها ما دامت هي لم تتمكن من ذلك.
