ترجمة وتقديم: عماد فؤاد
تقديم:
يظهر مصطلح “الواقعية السياسية” في التحليلات الجيوسياسية الحالية ليهيمن على غرف القرار المغلقة في جميع عواصم العالم؛ من واشنطن إلى طهران، ومن موسكو إلى كييف. من صنعاء إلى تل أبيب، ومن برلين إلى بكين، كل الأفواه تنطق الكلمة كتبرير لأفعالها، القوي والضعيف، المُعتدِي والمعتدَى عليه، لكن ما هي الجذور الفكرية لمدرسة “الواقعية السياسية”؟ وما مدى “واقعية” واقعنا السياسي المعاصر في الواقع؟
سؤال يطرحه المؤرّخ الهولندي تور ريدين في مقاله التالي كمدخل لفهم الفروق بين “الواقعية السياسية” Political Realism و”السياسة الواقعية” Realpolitik، مستعرضًا التطور التاريخي لمفهوم “الواقعية السياسية” بداية من جذوره الألمانية المهاجرة إلى أميركا، ثم يكشف كيف تحول هذا المفهوم في عصر ترامب إلى “استعراض فجّ للقوة”، يختلف جذريًا عن الواقعية الكلاسيكية. ولذلك يبدأ الكاتب بتتبّع الجذور الألمانية – اليهودية للواقعية السياسية الأميركية، التي تأسست على يد مهاجريْن يهودييْن ألمانييْن هما هانز مورغنثاو وهاينز كيسنجر (الذي سيعرف باسم هنري كيسنجر فيما بعد)، وقد تعلّم الاثنان من التجربة الألمانية أن الديمقراطية بدون احتكار قوي للعنف محكوم عليها بالفشل، في إشارة إلى فشل جمهورية فايمار أمام النازية.
كما يقدّم لنا المقال أدلّة تاريخية حيّة على أن “الواقعية السياسية النظرية”، كالتي صاغها وطبّقها هانز مورغنثاو، كانت ردّ فعل على فشل ديمقراطية فايمار وسذاجتها الأخلاقية، لكنها لم تكن “عديمة الأخلاق”، بل كانت تسعى لحماية الدولة من أن يتم اختطاف “مصالحها الوطنية” على يد جماعات انتقامية كما حدث مع النازيين. أراد مورغنثاو سياسة “باردة وعاقلة”، لا وحشية. أما “السياسة الواقعية” أو بالأحرى الممارسة الكلاسيكية لفكرة السياسة الواقعية، مثل التي مارسها المستشار الألماني أوتو فون بسمارك في ألمانيا، فهي براغماتية وقاسية، لكنها كانت محصورة في إطار “الدولة القومية وميزان القوى الأوروبي”.
كما يكشف ت. ريدين عن تحوّل “السياسة الواقعية” إلى مجرّد “استعراض فارغ للقوة” لدى أنصار حركة ماغا الأميركية، ويتتبّع كيف تحوّل مفهوم المدرسة الكلاسيكية المبكّر، بدءًا من مورغنثاو وصولًا إلى كيسنجر، لتصبح “السياسة الواقعية” وسيلة لحماية “المصالح الوطنية للأغلبية”، ولو بوسائل قاسية.
كيسنجر نفسه كان يهتم بـ”المصداقية” كأداة للرّدع في حرب فيتنام، وهي “المصداقية” التي جعلته يمد زمن الحرب إلى ست سنوات كاملة! لكن اليوم، وبعد التحوّلات الجذرية التي أجراها ترامب على السياسة الأميركية منذ ولايته الثانية، نجد أن ترامب نفسه لا يمارس “واقعية” ولا “سياسة واقعية” من الأصل، بل “استعراض فجّ للقوة”، من أهم خصائصه أنه بلا هدف وطني حقيقي، بل يملك أهدافًا فردية تتمثّل في الرغبة في الاستعراض وإذلال الخصوم وكسب الاهتمام الإعلامي، مستخدمًا “الواقعية” كستار خطابي لتبرير التهور والانتقامية.
كذلك يوقفنا المقال أمام مفارقة تاريخية لافتة: طوّر هانز مورغنثاو (اليهودي الألماني الهارب من النازية) مصطلح “الواقعية السياسية” لمحاربة استغلال “المصلحة الوطنية” من قبل مجموعة انتقامية على حساب الأقليات. في حين أن ترامب وأنصاره من حركة ماغا يستدعيان خطاب “القوانين الحديدية” ذاته ويفعلان حرفيًا ما كان مورغنثاو يخشاه بالضبط؛ اختطاف المصالح الوطنية لصالح “غرور الفرد واستعراض القوة وإذلال الحلفاء”.
وإذا كان المقال قد بدأ بسؤال حول الجذور الفكرية والتاريخية لمدرسة “الواقعية السياسية”، فإنه ينتهي بأن يوقفنا أمام سؤال أهم وأكثر إيلامًا: هل يمكن أن تتحوّل “السياسة الواقعية” نفسها إلى “أيديولوجيا زائفة” تخدم شهوة القائد لا مصالح الدولة؟ يجيب المقال بنعم، وهذا يعني أن أخطر عدو للواقعية ليس المثالية، بل “المسرح السياسي” حيث تصبح القوة غاية في حد ذاتها، فقط لمجرد الاستعراض والإبهار.
|
لاحظ عالم السياسة مارك ن. كاتز أن استراتيجية الأمن القومي هي تطبيق لمنطق جون ميرشايمر (الصورة)، أشهر الواقعيين الأميركيين في عصرنا. |
هنا الجزء الأول من المقال، ويتبع بجزء ثان وأخير:
في ماضٍ بعيد ومسكوت عنه تمامًا، لم يكن هنري كيسنجر اسمه الأول هنري، بل هاينز. وكان اسم عائلته (Kissinger) أقلّ إثارة للريبة لدى الأميركيين، لذا احتفظ به، على الرغم من أن اسمه عائلته هذا يشير إلى منتجع صحي ألماني صغير يدعى باد كيسينغن (Bad Kissingen) تنحدر منه عائلته في الأصل، وهو منتجع كان يحب أن يزوره المستشار الألماني أوتو فون بسمارك في الماضي، وكان سكان المنتجع فخورين بالنخبة التي كانت تتنزه هناك، الفخر نفسه الذي غمر عائلة هاينز وهي تتباهى بمسقط رأسها البافاري لدرجة أن العائلة اشتقت اسمها منه، كانوا عائلة “كيسنجر” في المرتبة الأولى، ويهودًا في الثانية، طالما كان ذلك ممكنًا.
شيء مشابه، على الأقل فيما يتعلّق بـ”التباهي” ذاته، كان ينطبق أيضًا على عائلة معلّمه وصديقه الحميم هانز مورغنثاو، الذي كان هو الآخر من عائلة بافارية ألمانية مثقفة، أهله وطنيون حقيقيون، محاربون قدامى… ويهودا.
حين التقى هانز مورغنثاو وهنري كيسنجر في الولايات المتحدة في الخمسينيات، كان من الضروري لكليهما إخفاء أصولهما الألمانية، فلم يكن الألمان محبوبين هناك في ذلك الوقت، ولا اليهود أيضًا. ولذلك تحول اسم هاينز إلى هنري كيسنجر، وبقي هانز مورغنثاو كما هو.
أصبحا أميركييْن، لكنهما بقيا مهاجريْن ألمانييْن ولاجئيْن يهودييْن، حتى لو لم يعد أحد يتحدث أو يسأل عن ذلك من الأصل. هذان المهاجران سيصبحان النموذج الأهم للسياسة العقلانية والقاسية التي شكّلت السلطة الأميركية في النصف الثاني من القرن العشرين.
مفهوم ألماني بنكهة أميركية
يُعتبر هانز مورغنثاو (1904 – 1980) وهنري كيسنجر (1923 – 2023) من أبرز وأكثر السياسيين الواقعيين الأميركيين نفوذًا في التاريخ الحديث، لم يكونا من الجيل نفسه، لكنهما خرجا من رحم التجربة ذاتها. التقيا أوائل الخمسينيات في جامعة هارفارد، حيث عملا على مصطلح جديد في علم السياسة هو “الواقعية السياسية”، وهو مفهوم ألماني بنكهة أميركية إن صح التعبير.
لم يكن من الممكن في ذلك الوقت كسب الكثير من الأصدقاء والمناصرين باستخدام مصطلح “السياسة الواقعية” (Realpolitik)، أما مصطلح “الواقعية السياسية” (Political realism) فقد كان له وقع جيد على الآذان، كما أنه يتناسب مع الميل الأميركي نحو العملي والملموس. وبالتعاون مع أكاديميين أوروبيين آخرين، مثل المؤرخ البريطاني إي. إتش. كار والفيلسوف السياسي الفرنسي ريمون آرون، أسس مورغنثاو وكيسنجر مدرسة سياسية جديدة بأثر رجعي، يمكن أن يُنسب إليها رموز أقدم مثل نيكولاس مكيافيلي وتوماس هوبز.
يُستخدم هذا المصطلح، الذي غالبًا ما يُبسّط إلى “واقعية القوة” أو “الواقعية” فحسب، في كل مكان حتى يومنا هذا، وكأنه أمر بديهي، كما لو أنه في الأصل ليس مصطلحًا معقدًا. وبالتأكيد أصبح من المستحيل منذ عهد ترامب الثاني تصور التحليلات الجيوسياسية بدونه. وما يجعل هذا المفهوم محيرًا اليوم أكثر فأكثر أنه أصبح يعيش حياة خفية، فإلى جانب كونه نظرية سياسية لها فروع لا حصر لها، فقد أصبح أيضًا أداة بلاغية: “هذه ليست سياسة، هذه “واقعية” مجردة”! هكذا قال مستشار الأمن الداخلي الأميركي ستيفن ميلر مؤخرًا: “يمكنك الاستمرار في الحديث عن معايير اللياقة الدولية، لكننا نعيش في العالم الحقيقي، وهذا العالم تحكمه القوة التي تحكمها السلطة التي تحكمها الهيمنة”.
كان ترامب قد برّر تدخّله في فنزويلا بكلمات مشابهة من قبل. فقد كان يتصرّف فقط وفقًا “للقوانين الحديدية التي طالما حكمت القوة العالمية”. يمكن له ولأتباعه في حركة ماغا الاعتماد على استراتيجية الأمن القومي المعروفة اختصارًا بـ(nss)، وهي وثيقة نُشرت في ديسمبر/كانون الأول 2025. من الآن فصاعدًا ستعتمد الولايات المتحدة على “الواقعية” كما ذكرت هذه الاستراتيجية. ولذلك وصف رافائيل كوهين سياسة ترامب الخارجية الثانية في مجلة “فورين بوليسي” بأنها “واقعية بحتة” و”التجربة الكبرى للواقعية”. فيما لاحظ عالم السياسة مارك ن. كاتز بأسف أن استراتيجية الأمن القومي هي تطبيق لمنطق جون ميرشايمر، أشهر الواقعيين الأميركيين في عصرنا.
تتبنّى وسائل الإعلام والصحف وآراء المحلّلين السياسيين الأوروبيين والغربيين بشكل عام مصطلح “الواقعية السياسية”، كما تتّفق وسائل الإعلام الأجنبية، بدءًا من “الجزيرة” القطرية وصولًا إلى “الغارديان” البريطانية، على أن العالم “قد انكشف”. ويبدو أن الغرب، وأوروبا على وجه الخصوص، يتعلّمان، الآن فقط، وفي ظل الرياح المعاكسة الحالية، ما سبق وتعلّمه بقية العالم من قبل بالفعل، ألا وهو أن كل شيء يدور حول المصالح الوطنية والموارد، حول القوة. حتى صارت كل دعوة إلى الحق والمعايير الأخلاقية تبدو الآن و”كأنها أنين عاجز من زمن مضى”، كما كتب المؤرّخ الهولندي روب ده وايك في صحيفة “تراو” الهولندية مؤخرًا.
وقد قوبل الاستخدام الواسع لمصطلح “الواقعية السياسية” اليوم بكثير من الخوف والارتياح على حد سواء. يبدو أن المثل العليا والمعايير والفضائل قد انتهى عهدها، وما تبقى هو ما كان سائدًا دائمًا: مصالح الدول الفردية ومواردها للدفاع عنها، وهي أمور حقيقية، فكل ادّعاء أخلاقي وأيديولوجي لم يكن سوى ستار لمصالح الدولة المادية. “الواقعية السياسية” هنا هي “مجرّد” الواقع: “أوّل رئيس أميركي صادق”، هكذا ظهر عنوان مقال رأي نُشر مؤخرًا على موقع قناة “الجزيرة” القطرية!
الآن، وبما أن هذه الفكرة تظهر بشكل متكرّر وبارز في التحليلات الجيوسياسية، من المفيد توضيح المفهوم مرة أخرى، وتتبّع تاريخ نشأته. خاصة وأن “الواقعية” أصبحت مصطلحًا لا يصف العالم، وبالتالي العلاقات الدولية، فحسب، بل يشكّلها أيضًا؛ من أين تأتي جذور المدرسة الفكرية التي تعرف اليوم باسم “الواقعية السياسية”؟ وما مدى “واقعية” واقعنا السياسي المعاصر في الواقع؟
| حققت كتب هانز مورغنثاو نجاحًا هائلًا في أميركا، وبفضلها حصل على دعوة للتدريس في جامعة هارفارد لطلّاب الدكتوراه |
النشأة الأولى
فرانكفورت، والعام هو 1926..
الحياة الفكرية في أوج ازدهارها، يقوم أكاديميون شبان مثل ثيودور و. أدورنو، وماكس هوركهايمر، وهربرت ماركوز بإشعال الحماس في الأجواء. فالتفكير بحرية مرحب به في ظل ديمقراطية فايمار الجديدة، حتى بالنسبة لطلّاب القانون الشباب مثل هانز مورغنثاو. وكما هي الحال مع جميع أبناء جيله في ذلك الوقت تقريبًا، يتعرّف مورغنثاو الشاب على كتب فريدريك نيتشه، الكاتب الذي أصبحت أعماله مرادفًا للنقد الحر. ويؤدي ذلك إلى قلب نظرته للعالم رأسًا على عقب. وفي السنوات التالية، سيقوم بمطالعة الأعمال الكاملة لنيتشه، ويدرك مورغنثاو على الفور وجود “روح شقيقة”.
الإنسان “قوة خلّاقة” كما قال فريدريك نيتشه (1844 – 1900)، والحياة مسألة جمالية، يجب أن تُعاش بشكل جميل وعظيم، دون خجل أو ريبة، دون حقد أو ندم. تكون الحياة في أجمل حالاتها مسرحًا لدافع الإبداع وإرادة للقوة؛ وفي أبشع حالاتها يكون العالم حاقدًا، يقدّس القيم التي تحدّ من العظمة؛ قيم مثل التعاطف والضمير والتضامن. دعا نيتشه إلى “إعادة تقييم جميع القيم” من أجل إعادة إحياء “إرادة القوة”.
كان ما جذب مورغنثاو إلى أعمال نيتشه له علاقة وثيقة بشكوكه حول جمهورية فايمار الألمانية، هذه الديمقراطية الجديدة المثالية، بإيمانها بقوة القانون والعلم، بدت لمورغنثاو الطالب في كلية الحقوق في ذلك الوقت قائمة على سذاجة غير مسؤولة، فالعنف الذي مارسته العصابات شبه الفاشية والراديكاليون اليساريون، وصدمات الحرب، والفقر المروع في فترة ما بعد الحرب، كل ذلك غذّى لدى مورغنثاو قناعة بأن الدولة التي تفتقر إلى احتكار قوي للعنف محكوم عليها بالفشل. فالثقافة تحتاج إلى قوة ضاربة، ولا يجب أن تخشى استخدام العنف، بل يجب أن تجرؤ على إحداث أضرار، وتقبل بوقوع ضحايا: “لا يمكن للسياسة ولا للثقافة أن تستند أيًا منهما إلى المثل العليا وحدها”.
تبيّن أن مخاوف هانز مورغنثاو بشأن قدرة جمهورية فايمار على الصمود ضدّ النازية كانت في محلّها، فبعد استيلاء الحزب النازي على السلطة، قرر مورغنثاو، الذي كان قد تخرّج في ذلك الوقت، مغادرة ألمانيا نهائيًا. عاش على وظائف أكاديمية قصيرة الأجل لسنوات عديدة، مثله في ذلك مثل العديد من اللاجئين اليهود الأكاديميين في ذلك الوقت، وهي الوظائف التي قادته إلى سويسرا وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا وهولندا، حتى استقلّ عام 1937 سفينة من أمستردام متجهة إلى نيويورك.
بعد تجواله في أنحاء أميركا المختلفة، تمكّن مورغنثاو عام 1943 من العمل في جامعة شيكاغو كأستاذ في العلوم السياسية، على الرغم من أنه واجه صعوبات جمة في البداية، إذ لم يستطع اللاجئ اليهودي الشاب أن يتقبّل النزعة المثالية الأميركية التي سادت أروقة وقاعات الجامعات، لقد علّمته ألمانيا في عهد جمهورية فايمار أن يشكّ في التفكير اليوتوبي، إن لم يحتقره أصلًا. لذلك كان عالم مورغنثاو مكوّن من معركة تلو الأخرى، وأزمة مستمرة لا يجب مواجهتها بالأخلاق… بل بالسياسة.
لم يكن هذا هو العائق الوحيد الذي واجهه مورغنثاو في أميركا، فالألمان لم تكن لهم شعبية كبيرة في الولايات المتحدة، ولا اليهود كذلك. وكما يشير كريستوف فراي، كاتب سيرة مورغنثاو الذاتية لاحقًا، فإن هذا هو ما أجبر مورغنثاو على إخفاء الجذور الالمانية لفلسفته السياسية وقناعاته تحت قناع آخر: “كان من غير الحكمة، إن لم يكن من غير المجدي تمامًا، أن يقدّم مورغنثاو آراءه على أنها نظرية سياسية “ألمانية”، أو أن يؤكد على الأصل “الألماني” لأفكاره”. لم يكن مورغنثاو بحاجة لا إلى نيتشه ولا إلى ماكس فيبر، بل كان بحاجة إلى “لغة جديدة”.
هذا الأسلوب الجديد صاغه مورغنثاو في كتابه “السياسة بين الأمم: الصراع على السلطة والسلام”، الذي صدر بعد الحرب عام 1949، والذي أصبح فيما بعد أعظم أعماله. وفيه طور مورغنثاو قناعته السياسية الجديدة من دون أن يشير إلى الأعمال الألمانية على الإطلاق، بل إلى الأعمال الأميركية، ويقول إن “لعبة القوة الجيوسياسية يجب أن تُبنى على مبادئ، حتى يمكن فهم القوى التي تحدّد العلاقات السياسية بين الدول بطريقة علمية”. وقد صاغ مورغنثاو ستّة “مبادئ للسياسة الدولية”، تتراوح بين أطروحات حول الطبيعة البشرية، وأخرى حول الطريقة التي يجب بها تعريف مصالح الدولة، والدور الذي يمكن أن تلعبه التطلعات الأخلاقية في بنائها، ولكن أيضًا الدور الذي لا يجب أن تلعبه التطلعات الأخلاقية في سياسات الدول.
على الرغم من أن مبادئ مورغنثاو تبدو في المقام الأول وكأنها تبرّر حساب المصالح غير الأخلاقي، فإن هذا أبعد ما يكون عن مقصده. فقد عاش مورغنثاو في ألمانيا النازية ورأى كيف اختطفت الأخلاق الانتقامية السياسة. لم يعد من المسموح أبدًا الخلط بين “المصلحة الوطنية” و”مصلحة مجموعة فرعية انتقامية”.
لم يسع مورغنثاو إلى حماية الأخلاق من سياسة متقلّبة، بقدر ما أراد “تسليح سياسة الجميع ضدّ أخلاق حاقدة لقلّة من المنتفعين في مراكز السلطة”. سيطور مورغنثاو هذه النقطة مجددًا بطريقة ستثير ضجة كبيرة في الأوساط السياسية في كتابه “دفاعًا عن المصلحة الوطنية” الصادر عام 1951.
حققت كتب هانز مورغنثاو نجاحًا هائلًا في أميركا، وبفضلها حصل على دعوة للتدريس في جامعة هارفارد لطلّاب الدكتوراه، وهناك التقى بـ “هاينز كيسنجر”، الطالب اليهودي الشاب الذي هرب مثله من ألمانيا إلى الولايات المتحدة.
من قاعات الأكاديمية إذًا، سيقوم هذا الطالب الشاب بتقديم فكر هانز مورغنثاو إلى قلب السلطة الأميركية ممهورًا باسمه الجديد: “هنري كيسنجر”.
(يتبع جزء ثان وأخير).
(*) تور ريدين: باحث ومؤرّخ هولندي درس في أمستردام وكامبريدج ولوفين وأوبسالا. يشغل حاليًا كرسي أستاذ تاريخ الثقافة في جامعة أوتريخت الهولندية. ينشر مقالاته بانتظام في أهم الصحف الهولندية، ومن بينها: “ده خرونه أمستردامر” و”NRC”. أصدر عام 2023 كتابه الأول بالإنكليزية تحت عنوان “أعمال وأزمنة يوهان هويزينغا (1872–1945): كتابة التاريخ في عصر الانهيار”، والذي نشرته جامعة أمستردام، وفيه يتتبع ريدين حياة المؤرّخ الهولندي الشهير يوهان هويزينغا التي اتسمت بتحولات جذرية في أوروبا. باحثًا في كيفية تأثير هذه التحولات و”تجارب الخسارة” على وجهات نظر هويزينغا التاريخية وكيفية تشكيلها لشخصيته الاستثنائية.