ملخص
الذكاء الاصطناعي بات ساحة مركزية في التنافس الأميركي – الصيني، لكن أخطاره العابرة للحدود، من الهجمات السيبرانية إلى المخاطر البيولوجية والمحتوى الزائف، تجعل التعاون في السلامة ضرورة لا تناقض التنافس. خفض هذه الأخطار يتطلب من واشنطن وبكين بناء فهم مشترك للتهديدات الكبرى، وتنسيق اختبارات السلامة ووسائل الحماية، من دون كشف الأسرار التقنية التي تمنح أياً منهما تفوقاً على الآخر.
مع ازدياد دور الذكاء الاصطناعي في تشكيل التنافس الاقتصادي والإستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، تخلق هذه التكنولوجيا أيضاً أخطاراً جسيمة تتجاوز الحدود الوطنية، فقد يتمكن فرد ما من استخدام نموذج للذكاء الاصطناعي أو مجموعة من النماذج لتطوير مرض خطر، أو شن هجمات سيبرانية ذاتية التشغيل على شبكات الكهرباء أو المستشفيات، أو إنتاج ونشر مواد زائفة شديدة الواقعية تقوض الثقة العامة، سواء كان هذا الفرد يعيش في داليان أو دالاس أو دلهي، ولن تستفيد الولايات المتحدة ولا الصين من سباق في الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتسبب فيه نموذج من أي من البلدين بضرر كارثي في أي مكان
تطرح النماذج الصينية مواطن ضعف حادة على نحو خاص، فمثلاً يفتقر النموذج اللغوي الكبير مفتوح المصدر (R1-0528) من “ديب سيك” إلى كثير من وسائل الحماية المدمجة في الأنظمة الأميركية، ووفقاً لأبحاث حكومية أميركية فإنه يقبل التعليمات الخبيثة بمعدل يزيد 12 مرة على النماذج الأميركية الرائدة، وكذلك فإن نماذجه أكثر عرضة للهجمات بدرجة ملاحظة، إذ تؤدي أساليب كسر الحماية القياسية، أي تقنيات التحايل على ضوابط السلامة المدمجة في النموذج، إلى استجابات ضارة في 94 في المئة من الحالات، مقارنة بثمانية في المئة فقط في الأنظمة الأميركية المماثلة، ويزداد هذا الخطر عندما يشغّل نموذج صيني عدداً كبيراً من الوكلاء الذاتيين، مثل “أوبن كلو” الذي انتشر أخيراً على نطاق واسع، ويمكنه تصفح الإنترنت والوصول إلى قواعد البيانات على نطاق واسع من دون إشراف بشري.
وبصفتهما القوتين المهيمنتين في مجال الذكاء الاصطناعي التحويلي، فستحدد واشنطن وبكين ما إذا كانت هذه التكنولوجيا ستنتج فوائد واسعة النطاق أم ستولد أخطاراً جديدة، وعندما تطور القوى الكبرى تقنيات عالية الأخطار تصبح قنوات الاتصال المفتوحة ضرورية لمنع سوء الفهم الذي قد يفضي إلى الكوارث، ففي ذروة الحرب الباردة مثلاً تبادل علماء أميركيون معلومات مع الاتحاد السوفياتي عن تقنيات منع الاستخدام النووي غير المصرح به، ويتطلب تحديد متى تُتبادل المعلومات المتعلقة بالتقنيات الحساسة قدراً كبيراً من الحذر في ما يُكشف وما يُحجب، لكن حتى أكثر الخصوم عداء يمكنهم إيجاد سبل للتعاون الفعّال.
يجب على الولايات المتحدة والصين أن تتعاونا لإدارة الأخطار المتنامية للذكاء الاصطناعي بينما تتنافسان على التفوق التكنولوجي، ولا تعني الإستراتيجية الأميركية الحكيمة للحد من الأخطار إبطاء الابتكار، بل تعني العمل مع بكين للتوصل إلى فهم مشترك لأولويات أبحاث السلامة، وتنسيق اختبارات مواطن الضعف وتطبيق وسائل الحماية، ووضع أفضل الممارسات المشتركة لاحتواء الأخطار العالمية الحقيقية، وفي المقابل تحتاج الصين إلى الاستثمار في القدرات التقنية التي تجعل الدخول في سلامة الذكاء الاصطناعي مجدياً، فالعمل المشترك ضروري وممكن إذا اُعتمد النهج الصحيح، ومن خلال التركيز على كيفية البحث عن الأخطار لا على تفاصيل ما يُكتشف منها، تستطيع واشنطن وبكين أن تتنافسا بشراسة في الذكاء الاصطناعي، مع الحد في الوقت نفسه من أخطر ما قد يترتب عليه عالمياً.
قبول التحدي
يتطلب جعل الذكاء الاصطناعي أكثر أماناً فهماً واضحاً للأخطار التي تخلقها هذه التكنولوجيا، وبالأدوات المتاحة للحد من هذه الأخطار، وتؤدي التقييمات المنهجية للتطورات المتقدمة في الذكاء الاصطناعي الوظيفة نفسها التي تؤديها التجارب السريرية للأدوية الجديدة واختبارات تصادم السيارات، فهي تحدد الأخطار قبل النشر وأثناءه لضمان ألا تتسبب الابتكارات التكنولوجية في أضرار كان يمكن منعها.
لكن أنظمة الذكاء الاصطناعي تختلف عن الأدوية والسيارات، فهي تقنيات عامة الغرض تتطور باستمرار بعد النشر، ويمكن للمستخدمين إعادة توظيفها بطرق لم يتوقعها المطورون، وكذلك فإنها تنتشر عالمياً بسرعة غير مسبوقة، لذلك لا يكفي اختبار الأنظمة الجديدة قبل طرحها لمواكبة الطرق غير المتوقعة التي قد تتطور بها قدرات الذكاء الاصطناعي. وهذه اللايقينية هي ما يجعل الفحص المستمر والدقيق للأخطار الجديدة أمراً ملحاً، والتدخل الآني ضرورة، وقد بدأت الولايات المتحدة والصين تدركان الحاجة إلى ممارسات سلامة أقوى على امتداد سلسلة إمداد الذكاء الاصطناعي، ففي الولايات المتحدة بدأت تتشكل منظومة متعددة الطبقات، وهي تبدأ بشركات الذكاء الاصطناعي الرائدة التي تمتلك موارد تقنية واسعة لتقييم احتمال وقوع حالات قصوى نادرة وتعديل نماذجها تبعاً لذلك، ويمكن أيضاً لمقيّمين من أطراف ثالثة يتمتعون بالصدقية والاستقلال والخبرة أن يختبروا هذه النماذج، وكذلك تمتد السلامة إلى التطبيقات الأخرى التي تستخدم الذكاء الاصطناعي، فهناك مجموعة من المؤسسات المستقلة تبني أدوات يمكن تخصيصها لاعتراض المحتوى الضار في تطبيقات محددة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل مساعدي البرمجة أو روبوتات التعليم، ويمكن للحكومة أيضاً أن تسهم في هذه الجهود، فجهات حكومية أميركية مثل “مركز معايير الذكاء الاصطناعي والابتكار” التابع لوزارة التجارة، ومعاهد سلامة الذكاء الاصطناعي الشريكة له، تستطيع الاستفادة من النتائج والأدوات التقنية لدى المطورين والمؤسسات المستقلة المعنية بالسلامة، لوضع سياسات ومعايير أكثر استنارة ومعالجة مواطن الضعف قبل أن تُطرح النماذج للعامة.
تفتقر الصين إلى البنية التحتية التقنية نفسها لقياس الأخطار الكارثية والحد منها، فقد أعطت بكين تاريخياً الأولوية لما تسميه أمن المحتوى، أي ضمان ألا تولّد أنظمة الذكاء الاصطناعي محتوى حساساً سياسياً أو غير مرغوب فيه أيديولوجياً، ونتيجة لذلك ركّز المنظمون والشركات في الصين على ضمان توافق النماذج مع أولويات “الحزب الشيوعي الصيني”، لكن هذا التركيز الضيق على السيطرة الاجتماعية والسياسية آخذ في الاتساع، فالقادة الصينيون باتوا يولون اهتماماً للأخطار الأوسع التي يطرحها الذكاء الاصطناعي، وفي فبراير (شباط) الماضي اقترحت “وكالة الفضاء السيبراني” الصينية سياسة لتنظيم التفاعل مع الذكاء الاصطناعي الشبيه بالبشر، وهو ما يعكس مخاوف من الأضرار البشرية الناجمة عن الإدمان والاعتماد.
ولا يزال الخطاب حول أخطار الذكاء الاصطناعي أوسع انتشاراً من السياسات الملموسة، لكن بكين بدأت تتخذ خطوات ذات مغزى، ففي سبتمبر (أيلول) 2025 نشرت السلطات الصينية إطاراً محدثاً لحوكمة سلامة الذكاء الاصطناعي، ويعكس هذا الإطار كثيراً من المخاوف التي ترددت أصداؤها في وادي السيليكون، بما في ذلك احتمال أن يخفض الذكاء الاصطناعي الحواجز أمام تطوير أسلحة كيماوية أو بيولوجية أو نووية، وإمكان أن يعيد إنتاج نفسه إلى حد يتجاوز السيطرة البشرية، وكذلك يحذر الإطار من أن النماذج الأساس مفتوحة المصدر التي تهيمن على منظومة الذكاء الاصطناعي في الصين، تجعل إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي أسهل انتشاراً، وتختبر المختبرات الوطنية أيضاً أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدماً لرصد الأخطار المحتملة، ففي يوليو (تموز) 2025 قيّم “مختبر شنغهاي للذكاء الاصطناعي”، وهو مؤسسة بحثية كبرى مدعومة من الدولة وتركز على تطوير الذكاء الاصطناعي، 18 نموذجاً لغوياً كبيراً عبر سبعة مجالات من أخطار الذكاء الاصطناعي المتقدم، وحدد المختبر أخطاراً بيولوجية وكيماوية في معظم النماذج، ورصد مؤشرات تحذيرية على أن عدداً منها قد يدخل في خداع إستراتيجي، وهي ملاحظات تتقاطع مع تقييمات كبار مطوري الذكاء الاصطناعي الأميركيين لتحديات السلامة في كل من الولايات المتحدة والصين.
تزداد قناعة الصين بأن سوء إدارة الأخطار قد يعرقل طموحاتها في الذكاء الاصطناعي، لكن خفض الأخطار المحتملة بصورة جوهرية يتطلب من بكين مواصلة توسيع هذه الجهود، فالتعاون في إدارة الأخطار لا تكون له قيمة إلا بقدر ما يملكه الطرفان من بنية تحتية تقنية يضعانها على الطاولة.
على الصفحة نفسها
على رغم أن ردم الهوة بين واشنطن وبكين صعب لكنه ليس مستحيلاً، وكذلك في قطاع الطيران حيث تتنافس شركة “بوينغ” الأميركية و”إيرباص” الأوروبية تجارياً مع التزامهما معايير سلامة مشتركة، فإن التنافس في الذكاء الاصطناعي لا يستبعد وجود خطوط أساس مشتركة للسلامة، ويمكن للولايات المتحدة والصين أن تعملا مع كبار العلماء والمختبرات على بلورة فهم مشترك لأخطار الذكاء الاصطناعي، ومع أن تعريف ما يشكل خطراً سيفسر حتماً في ضوء أطر قانونية وثقافية مختلفة، لكن الطرفين يستطيعان الاتفاق على مجموعة فرعية من الأخطار العالمية الشديدة التي تهدد البلدين بوضوح، وعلى مجموعة من الحلول التقنية العامة التي يمكن لكل منهما تطبيقها بمرونة.
يفترض أن تُبنى هذه القاعدة المشتركة على الجهود العالمية القائمة، فالتقرير الدولي عن سلامة الذكاء الاصطناعي مثلاً يقدم تقييماً موثوقاً لحال العلم الذي يستند إليه الذكاء الاصطناعي المتقدم، وكذلك فإن اختبارات سلامة الذكاء الاصطناعي المشتركة، مثل تلك التي أجرتها المملكة المتحدة والولايات المتحدة، حددت أخطاراً ناشئة مشتركة وثغرات في القدرات التقنية، وأيضاً تتيح حوارات الذكاء الاصطناعي المستمرة غير الرسمية، أو ما يسمى المسار الثاني، بين الولايات المتحدة والصين، للخبراء تحديد نقاط الالتقاء والاختلاف.
توضح حال مجال آخر من مجالات العلوم المتقدمة، وهو تحرير الجينات، أخطار غياب التوافق الأميركي – الصيني في فهم مشترك للأخطار وما قد يتيحه ذلك التوافق من تحسين للسلامة حين يتحقق، ففي عام 2018 أعلن العالم الصيني هي جيانكوي أنه عدّل سراً جينات توأمين حديثتي الولادة في محاولة لجعلهما مقاومتين لفيروس نقص المناعة البشرية، وسرعان ما أثار هذا التصرف رد فعل علمي عنيف على المستوى العالمي، وسط مخاوف من الأخطار المحتملة للتلاعب الجيني في السلالة البشرية، أي الخلايا التي تنقل الجينات إلى الذرّية، وكانت الحكومة الصينية قد أشادت في البداية بهذا الاختراق العلمي ثم تراجعت وعاقبت هي.
واستجابة لذلك شجعت جهات دولية الصين على وضع معايير أخلاقية في مجال البيولوجيا، فمثلاً قدمت مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي من الحزبين قراراً يدعم التعاون الثنائي لمنع سباق يفضي إلى تآكل المعايير قد يؤدي إلى حوادث أخرى شبيهة بما حدث مع هي، ولم تتجاهل الصين هذه الجهود بل عملت على تحديث لوائحها الخاصة بالمعايير الأخلاقية لتتوافق مع المعايير الدولية، وأدخلت أحكاماً جديدة في قانونها المدني لحظر تعديل الخلايا الجنسية البشرية من دون تصريح، واشترطت موافقة الحكومة المركزية على أي أبحاث تتعلق بتحرير الجينات البشرية، وكذلك أنشأ مسؤولون صينيون لجنة وطنية للأخلاقيات العلمية، وعلى الورق في الأقل، أصبحت كثير من قواعد الصين الأخلاقية في مجال السلامة البيولوجية متوافقة الآن مع القواعد المعمول بها في أوروبا وأميركا الشمالية.
ممارسة التشارك الآمن
لكن الاستعداد لإقامة فهم مشترك للأخطار لا يكفي لمنع الضرر العالمي، إذ يجب على الولايات المتحدة والصين العمل معاً لوضع أفضل الممارسات التقنية للحد من أخطار نماذج الذكاء الاصطناعي، وعليهما أن تسيرا على الحبل المشدود نفسه الذي مشت عليه الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في ما يتعلق بالتقنيات النووية خلال الحرب الباردة، أي تبادل ما يكفي من المعلومات للتخفيف من الأضرار العالمية مع حماية المعلومات الاحتكارية والأسرار التجارية، وعملياً هذا يعني تعاوناً في كيفية اختبار أنظمة الذكاء الاصطناعي للكشف عن القدرات الخطرة، وكيفية بناء وسائل حماية تقلل الأخطار التي تكشفها تلك الاختبارات.
وفي ما يتعلق بالاختبارات فإن إحدى الأولويات لدى البلدين هي كيفية تنظيم ما يسمى الفِرق الحُمر، وهي مجموعات تختبر ضوابط السلامة في محاولة لكشف مواطن الضعف في نموذج الذكاء الاصطناعي، ويحتاج البلدان إلى مناقشة كيفية تصميم التجارب وتوسيع تقنيات الفِرق الحُمر للتعامل مع طيف أوسع من التهديدات، وقد تشمل هذه الأساليب استخدام نماذج لغوية كبيرة أخرى بدلاً من الخبراء البشريين، واختبار الأخطار التي تظهر عندما تُدمج نماذج الذكاء الاصطناعي في تطبيقات تؤدي مهمات مثل كتابة الشيفرة أو تصفح الإنترنت بصورة ذاتية، لكن البلدين، وهما يتبادلان أفضل الممارسات، ينبغي أن يمتنعا من كشف تكتيكات محددة قد تعزز تطوير الذكاء الاصطناعي لدى الطرف الآخر.
ويجب أن تمتد الاختبارات أيضاً إلى ما هو أبعد من المجال الرقمي، ففي ما يعرف باسم الدراسات التمثيلية في المختبرات الرطبة، تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي البشر في بيئات حية أو محاكاة لتقييم الأخطار الواقعية للأنشطة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وقد تضع دراسة من هذا النوع باحثين ذوي مستويات متفاوتة من الخبرة داخل منشأة خاضعة للضبط في مجال السلامة البيولوجية، وتقيس ما إذا كانت المساعدة الموجهة بالذكاء الاصطناعي تمكنهم من تصنيع مركبات خطرة بسرعة أكبر أو بدقة أعلى مما يمكنهم بلوغه، بالاعتماد على الأبحاث المنشورة وحدها، وينبغي للدول أن تناقش كيفية إجراء هذه الاختبارات بأمان، بما في ذلك تحديد بروتوكولات أمن المختبر المناسبة واستخدام تجارب غير ضارة يمكن أن تكون بديلاً من التجارب الخطرة، من دون كشف الطرق المحددة التي يستخدمها الخبراء لانتزاع المساعدة من نماذج الذكاء الاصطناعي.
ومن خلال التركيز على كيفية إجراء اختبارات السلامة بدلاً من مضمونها، يمكن للتعاون التقني أن يتجنب كشف معلومات حساسة أو التفريط في المزايا التي كسبها أحد الطرفين بشق الأنفس، وبذلك تستطيع الولايات المتحدة والصين وضع أفضل الممارسات من دون الاضطرار إلى كشف الأساليب الدقيقة التي تستخدمها لدفع النماذج إلى السلوك الضار، أو الإستراتيجيات التي قد تشجعها على الإفصاح عن بيانات حساسة، أو المعارف البيولوجية أو الكيماوية المحددة اللازمة لبلوغ عتبة غير آمنة من المعرفة لدى الذكاء الاصطناعي.
وإضافة إلى الاختبارات يحتاج البلدان إلى التعاون في مجال وسائل الحماية، أي الآليات التقنية التي تُضاف أثناء تطوير النموذج وبعده للحد من الأخطار، فوسائل الحماية الحالية غير كافية وتفشل أمام الهجمات المتعمدة والمتطورة، وفي الوقت نفسه تحجب كثيراً من الطلبات المشروعة، فقد ترفض مثلاً مساعدة باحثين في الأمن السيبراني أو علماء في الدفاع البيولوجي في الوصول إلى المعلومات التي يحتاجونها إذا افترضت خطأ أنهم يسعون إلى إحداث ضرر.
وسيستفيد البلدان من تطوير أدوات تستطيع التمييز بين الاستخدامات المشروعة والخطرة لنماذج الذكاء الاصطناعي، وتضبط أيضاً الأخطار التي تنشأ لاحقاً من النموذج نفسه، ويصبح التعاون في هذا المجال ممكناً إذا ركز على الأدوات الخارجية التي تشكل سلوك النماذج بعد نشرها، فيمكن للولايات المتحدة والصين أن تناقشا مثلاً مرشحات المحتوى والضوابط التنفيذية وقيود الاستخدام، من دون كشف كيفية بناء النماذج نفسها، أما المقاربات التي تتطلب الوصول إلى البنية الداخلية للنموذج فقد تفضي إلى كشف طرق احتكارية يمكن أن تعزز قدرات الطرف المنافس، وينبغي أن تبقى خارج الحوار، لكن مجرد النقاش حول المقاربات العامة سيمثل تقدماً ذا معنى، لأن أياً من البلدين لا يملك حالياً القدرة الكاملة على الدفاع ضد إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي المتطور.
حيث تُصنع القرارات
فشل أول حوار رسمي بين الحكومتين الأميركية والصينية حول الذكاء الاصطناعي، والذي عُقد في جنيف في مايو (أيار) 2024، بسبب التباين في الخبرات والأولويات، فقد أوفدت الولايات المتحدة خبراء تقنيين من داخل الحكومة، بينما أرسلت الصين دبلوماسيين أكثر دخولاً في شواغل السياسة الخارجية وضوابط الرقائق، وبعبارة أخرى كانت واشنطن تركز على الخطر التقني، فيما كانت بكين تركز على الخطر السياسي.
وما نحتاج إليه الآن هو نقاش ضيق ومستقر حول الأخطار العالمية للذكاء الاصطناعي، منفصل عن تقلبات العلاقة الثنائية الأوسع بين الولايات المتحدة والصين، ومثل هذا النقاش يخدم المصلحة الذاتية للبلدين، لكن جمع الأشخاص الأنسب لهذا النقاش يتطلب قدراً من الإبداع، ومن المقاربات الواعدة إشراك خبراء مرتبطين بالحكومة لكنهم يعملون خارجها، مثل أفراد من “جمعية الصين لسلامة الذكاء الاصطناعي وتنميته”، وهي شبكة محلية تضم مؤسسات منها “جامعة تسينغهوا” و”مركز أبحاث سلامة الذكاء الاصطناعي” في الصين، و”مختبر شنغهاي للذكاء الاصطناعي”، فجمع باحثين يملكون فهماً تقنياً عميقاً وقرباً من دوائر السلطة سيساعد في ترسيخ الحوار ضمن لغة مشتركة، ويمنح النقاشات الحكومية الرسمية تركيزاً أوضح.
وكذلك يمكن لدول أخرى تتمتع بالخبرة التقنية وبعلاقات دبلوماسية جيدة مع كل من الولايات المتحدة والصين أن تساعد في الحفاظ على هذه الحوارات، فالمملكة المتحدة مثلاً تستطيع الاستفادة من الخبرة التقنية الخاصة لدى “معهد أمن الذكاء الاصطناعي” لديها لمناقشة إدارة أخطار الذكاء الاصطناعي مع كل من القوتين العظميين، ويمكن لجهود من هذا النوع أن تجسر الهوة بين واشنطن وبكين عندما ترتفع التوترات الثنائية.
وسيساعد الحوار الناجح صناع القرار في فهم الأنشطة الخطرة من دون خنق الابتكار، وفي نهاية المطاف سيساعد الاستثمار في تعاون كلا البلدين على رصد أخطار النماذج الجديدة وتحسين وسائل حماية الذكاء الاصطناعي وتعزيز الشفافية بين الشركات والحكومات والمستخدمين الدوليين في ما يعرفونه، والأهم في ما لا يعرفونه، عن القدرات الناشئة للذكاء الاصطناعي، ولا يمكن للولايات المتحدة والصين أن تفهما وتخففا الأخطار العالمية للذكاء الاصطناعي التي تهددهما معاً إلا من خلال العمل المشترك، وقد تحول محادثات حصيفة اليوم دون وقوع ضرر كارثي لاحقاً.
ترجمة عن “فورين أفيرز”، 7 أبريل (نيسان) 2026.
كريستينا نايت مرشحة لنيل درجتي الدكتوراه في القانون والماجستير في إدارة الأعمال من “جامعة هارفرد”، وقد سبق لها أن قادت مختبر الأبحاث الأمنية والسياسات في “سكيل إيه آي”، وعملت مستشارة أولى للسياسات في “المركز الأميركي لمعايير الذكاء الاصطناعي والابتكار”.
سكوت سينغر زميل في برنامج التكنولوجيا والشؤون الدولية.