
سياسي سوري…. الثورة السورية دمشق
لا يزال ملف التسويات المالية التي أجرتها الدولة السورية مع رجال أعمال كانوا من واجهات الفساد في عهد النظام البائد يثير نقاشاً مجتمعياً وأخلاقياً وسياسياً، زاد منه أن بعض من شملتهم حاولوا تقديم أنفسهم بعدها وكأنهم انتصروا على ضحاياهم واستعادوا نفوذهم السابق، وبلغ بهم الأمر أنهم يسعون للإيحاء بأنهم يتحركون اليوم بتأييد من الدولة الجديدة، أو دول إقليمية.
من المهم التوضيح أن هذه التسويات هدفها استعادة أموال السوريين المنهوبة، وقد تكون الطريق الأنجع والأسرع لتحقيق ذلك ضمن القانون، وبما يحفظ استقرار البيئة الاستثمارية في البلاد، وهذه مسؤولية الدولة بلا شك. لكنها بالتأكيد لا تُسقط المسؤولية الجنائية عن أي جرائم أخرى ارتكبوها، لاسيما جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وهو ما تؤكده الجهات الرسمية.
لقد عاش السوريون أزمة طويلة شديدة التعقيد، تباينت خلالها مواقفهم من الثورة والنظام، وتغيرت مواقف كثيرين مع الوقت، في سياق إنساني طبيعي أمام استفحال الظلم وجرائم الاستبداد. فقد يكتشف الإنسان – ولو بعد سنوات – أنه أخطأ في موقف أو تقدير، وتستحق المراجعة الصادقة الاحترام حين يكون صاحبها قادراً على الاعتراف بخطئه، ما لم يكن متورطاً في دماء الناس وأعراضهم وأموالهم.
لكن من المهم عدم تجاهل الظروف التي وُلدت من رحمها سوريا الجديدة، فنحن نعيش ثمرة انتصار ثورة قدم السوريون في سبيلها ثمناً باهظاً، دفعه الشهداء والمعتقلون، وذاق مرارته ملايين السوريين بالتهجير والفقد والقهر، حتى سقط النظام المجرم بلا رجعة.
إن لهذه التضحيات مكانتها في وجدان السوريين، وستؤثر دوماً على الطريقة التي نتعامل بها مع إرث الماضي. ولذلك تثير عودة بعض الشخصيات إلى مواقع متقدمة حساسية مفهومة، لا سيما حين يتذكر السوريون مواقف علنية لها بررت جرائم النظام، أو استخفت بضحاياه، أو شاركت في حملات التشبيح ضد من ثاروا عليه. ويزداد الاستغراب عندما يعود أصحاب تلك المواقف بخطاب شديد الحماسة للعهد الجديد، متجاوزين تماماً ما قالوه وفعلوه قبل انتصار الثورة، في وقاحة تفترض غياب الذاكرة الجمعية، فضلاً عن كونها إهانة مباشرة ومؤلمة لضحايا أفعالهم المباشرين وغيرهم!
إن “التشبيح” الذي جاء به العهد البائد يتجاوز حالة “التأييد” أو “الموالاة”، ويطرح إشكالية العلاقة المشوهة مع السلطة. فقد اعتاد بعض الناس استمداد مكانتهم من قربهم من صاحب القوة، واستخدام اسمه في مواجهة الآخرين، والمزايدة في الولاء له طمعاً بالنفوذ والمصلحة.
لكن انتقال هذه الثقافة إلى العهد الجديد سيكون واحداً من أسوأ كوابيس الماضي التي تلاحقنا. ندرك أن الإنسان قد يغير شعاراته وخطابه سريعاً حين تتغير السلطة، لكن مراجعة المواقف تحتاج إلى تحول أعمق يظهر في قدرته على مواجهة ما سبق أن قاله أو فعله.
لسنا حراس الأخلاق، ولا يستطيع أحد منا أن يزعم أنه في موقع يسمح له بالتفتيش في ضمائر الناس، أو توزيع شهادات الوطنية والثورية عليهم. كما أن الرأي السياسي – صواباً كان أو خطأ – يبقى حقاً لصاحبه ما لم يرتبط بجريمة تستوجب المحاسبة. لكن الظهور في المجال العام يحمل معه قدراً مختلفاً من المسؤولية، لاسيما لمن يريد اليوم تولي موقع رسمي، أو العودة إلى صدارة عالم الأعمال والاقتصاد، أو التأثير في السوريين من خلال الإعلام والفن والمجتمع.
من أساء إلى السوريين علناً يستطيع أن يخاطبهم علناً أيضاً، ويقول لهم ببساطة ووضوح إنه أخطأ. ويكتسب الاعتذار قيمة أكبر عندما يأتي من المنبر الذي صدرت منه الإساءة، أو عبر منبر بمستواه، لأن جزءاً من الاعتذار يتعلق برد اعتبار الذين مسّتهم الإساءة. وأشدد على أن هذا لا ينطبق على المجرمين.
لذلك لا تستغربوا إن اعترض قسم من الجمهور على عودة بعض الفنانين الذين عُرفوا بتأييد النظام البائد إلى المسارح السورية. وإن كنت أرى الاعتذار الصادق والصريح أجدى من المنع. إذ يستطيع الفنان الذي مجّد النظام سابقاً أن يقف أمام جمهوره، ويعتذر إلى سوريا العظيمة وشعبها الذي ضحى وعانى وقدم، ثم يقدم لسوريا عملاً يليق بها وبانتصار شعبها.
والسوريون يعرفون الاعتذار الصادق حين يسمعونه؛ تظهر فيه شخصية صاحبه ومسؤوليته عما فعل، بعيداً عن العبارات العامة التي تتحدث عن أخطاء مرحلة كاملة من دون أن تقول شيئاً عن خطأ صاحبها نفسه. فالاعتذار المطلوب هنا يحمل احتراماً لمن تعرضوا للأذى، ويسهم في رد اعتبارهم.
بفضل انتصار الثورة عادت سوريا لجميع أبنائها، بمن فيهم من أخطأ التقدير، ومن راجع موقفه من الظلم والاستبداد بصدق. وفتح باب الحياة العامة للجميع جزء من قدرة المجتمع على التعافي من الآلام وتجاوز سنوات الدمار. ولكن هذا الشعب العظيم الذي قدم تضحيات يصعب أن يحيط بها وصف، من حقه على من آذوه، ثم عادوا اليوم ليقفوا أمامه ويتحدثوا باسمه أو يخدموه ويطلبوا ثقته، أن يسمع منهم اعتذاراً يليق بما قدمه وما عاناه.