نستعيد لوركا، لأن هنالك زمنًا ليعود الشعراء الحقيقيون إليه، ولأن في زمنه الخاص الذي أبدع داخله طريقًا لا يمكن أن تغطيه، أو تخفيه، الأزمنة الأخرى.
فهنالك شعراء، عندما نذكرهم، تبرز حياتهم أمامنا مثل زهرة برية رائعة، لما تحمله من معان أضافت لكلماتهم كثيرًا، فتبدو هذه الحياة وكأنها قصائد أخرى نتأمل داخلها الحدائق التي نمت فيها هذه الزهور المتجسدة في الكلمات.
“أريد أن أعود إلى الزهرة، ومن الزهرة إلى قلبي”- بهذه الكلمات، شعر لوركا أنه سيعود إلى روحه، فقد انتمى إلى حسه الإنساني العميق شعريًا، وممارسة في حياته. لوركا الأندلسي العائد الى أغنيته وحبه للموسيقى الأندلسية وانتمائه الحضاري والروحي للأندلس، اليساري بالفكر والروح حتى يرى العدالة تشع في هذا الكون. يكتب عن الأرض، ليس فقط بزهورها وأشجارها، إنما أيضًا بمآسيها وويلاتها، وبذلك الظلم الذي ينتزع منها روحها وطبيعتها. ومن هناك استطاع أن يؤسس عالمه الشعري الخاص بوجود جيل من الشعراء الذين سميوا جيل 1927، مثل رفائيل ألبيرتي، وفيسنته ألكسندري، وبيدرو ساليناس، في إسبانيا.
كان لوركا يساريًا بالمعنى الإنساني الجوهري، فقد دافع عن قيم كثيرة، وأهمها عن قدر الشعب الإسباني وقدر البشرية جمعاء، من دون أن ينتمي لأي حزب سياسي، لكن موقفه السياسي كان واضحًا جدًا ضد الظلم السياسي وضد الفاشية. كان لوركا يهجو البرجوازية والعسكر والسلطات الأخرى، معلنًا موقفه المبدئي ضد صعود الفاشية الإسبانية.
في الحرب الأهلية الإسبانية التي اندلعت بين الجمهوريين واليمينيين، دعا لوركا المثقفين والفنانين إلى الغوص في الوحل ليساعدوا المواطنين الذين يبحثون عن الزنبق.
وكأنه يقول لهم، كما قال في إحدى قصائده: “أن لا أحد ينام في هذا العالم/ ثمة ميت في المقبرة البعيدة يتذمر منذ ثلاث سنوات”.
كان يشعر في صميم كلماته أن هنالك ألمًا في جوف هذه الأرض، وأن موقفه السياسي الواضح هو أن يساعد في معرفة الحقيقة، وأن يعري الأشياء ليتضح الطغيان، فلم ينفصل التزامه السياسي عن التزامه الجمالي. ولذلك قتله الفاشيون أعداء الجمال في غرناطة، وليس على طريق قرطبة كما تنبأ، مما جعله شاعرًا شهيدًا، غرناطي الانتماء، وغجري الروح.
بحث لوركا في حياته عن ترياق آخر لذلك الألم الذي جعل الناس يقظين تمامًا، ومن خلال قصيدته الواسعة أراد للقارئ الحقيقي أن يكون يقظًا بالكامل لكل ما يفسد روحه وذائقته قائلًا في إحدى قصائده عن الألم الحقيقي:
| لوركا |
الألم الحقيقي هو الذي يُبقي الأشياءَ يقظةً
هو جرح الحريق الصغير المؤلم اللانهائي
في العيون البريئة لأنظمة الشمس الأخرى.
هكذا يذهب لوركا في شعره نحو ذلك “الجرح” الذي يجعل الأشياء يقظة كي تجد حريتها وإرادتها من دون منازع، وهو يدرك أن صيرورة الزمن تحجر بعض الأصوات، ولكن تلك الحقيقة تتحول إلى نبضات قلوب كما كتب.
ولكنه وجد الألم الحقيقي في ساحة أخرى قائلًا لنا:
رغبتُ في أنْ أجدَ الجرحَ الذي يُبقي الأشياء يقظةً/ لكنني وجدت فقط بحارةً معلقين على الأسيجة/ ومخلوقات صغيرة من السماء، مدفونةً تحت الثلج.
لم يكن لوركا يكتب لأقلية كما كان أغلب شعراء جيله يفعلون، لقد أراد كما قال يومًا: “أن تكون الصور التي أبنيها من شخصياتي مفهومة لدى شخصياتي ذاتها”.
يورد أرتوريو باريا في كتابه “لوركا: الشاعر والشعب” أمثلة على الأفعال لدى العمال البسطاء حين سماعهم شعر لوركا. ففي مجموعته “الأغاني الغجرية”، يبلغ لوركا غايته في صهر الشعبي والفني.
ليس ثمة فاصل عند لوركا بين الحديث والتقليدي، بل إن الموروث يتجدد بالجدة التي يتخذها سبيلًا إلى الشعر.
حين سنحت له الفرصة لزيارة الولايات المتحدة الأميركية، قُبل في جامعة كولومبيا، ودخل في دورة لتدريس الأجانب اللغة الإنكليزية، فبدأ يكتب كتابه الشعري: “شاعر في نيويورك”، الذي نشر بعد موته عام 1940. لقد كان ما رآه غريبًا عن أندلسه المشعة بالشمس، فقال: “جئت أرى الدم العكر/ الدم الذي يأخذ المكائن إلى الشلالات/ ويأخذ روحنا إلى لسان الكوبرا…”.
لقد عاش هناك “صدمة العالم الجديد”، فقد صدمته حضارة المعدن والإسفلت، وصار يحن للعصافير في الأندلس. ولذلك كانت إقامته هناك مهمة. يقول:
لكن الألم الحقيقي كان موجودًا على الساحة الثانية
حيث الأسماكُ الكريستالية قد ماتتْ بين سيقان الأشجار.
ولعل أيضًا أهم ما قدمه لوركا الذي كان أيضًا مسرحيًا هي مسرحيته المهمة “عرس الدم”. وهي مسرحية ذات ثلاثة فصول، ولوحة كثيفة الألوان مقتطفة من صميم الحياة الريفية في الأندلس، حيث الدم يراق من دون حساب دفاعًا عن العرض والشرف، أو طلبًا للثأر، وحيث يتعلق الإنسان بأرضه مناضلًا ضد الجفاف، وحيث القلوب تفتش عن أشواك تدميها. وهي مسرحية حافلة بالشعر، حيث الالتفات إلى المنجم الضخم الذي يقف في دائرة حواسنا. وقد عاد لوركا إلى نفسه الأندلسي الأصيل في هذه المسرحية التي كتبها سنة 1933. حيث انطلق إبداعه في اتجاهات جديدة متعددة.
تمثل المسرحية مأساة مجتمع، حيث تعيش أكثر العائلات، وحيث تعيش الحبيبات والأزواج في انتظار أحبائهن. وأي قلب لا ينفطر عندما يسمع الأم في عرس الدم تستقبل بكلمات ملؤها الشجاعة والكبرياء والألم نعي ابنها الذي قتل على درب الدم. فنرى أن المأساة في فن لوركا تصل الى حواسنا، وتؤثر بنا بطريقة غير مباشرة.
وعن قتل لوركا، يقول المؤرخ كلود كوفون في دراسته القيمة عن لوركا: “كان النزيل القديم لمنزل الطلبة الذي كان أحد المراكز الرئيسية للفكر التحرري الجديد في إسبانيا. كان لوركا أيضًا تلميذًا، ثم صديق فرناندو لويس ريوس، وقد تكون صداقاته وتأثيره على أصدقائه سببًا آخر في ذلك الاغتيال المتعمد الذي تنبأ له لوركا يومًا ما قائلًا: كما أنني لم أكن قلقًا كيف ولدت، لن أقلق بموتي”.
لقد قتل على يد أعضاء من الحزب الفاشي في حادثة غامضة، وحتى بعد عقود من اغتياله، ظلت أعماله ممنوعة من قبل نظام فرانكو.
ولعل قراءته في قصائده هي أفضل دخول إلى عالمه، حيث يقول في قصيدة “الموت الأسود” شيئًا عن انتظاره لموت آخر:
“لأنني أريد أن أغفو غفوة التفاح/ وأتعلم أغنية نوح تغسلني من كل الأرض/ لأنني أريد أن أحيا مع ذلك الطفل الذي أراد شق قلبه بعيدًا في البحور”.
لعل لوركا هنا يجيب عن كل تلك التساؤلات حول اغتياله، لقد كانوا يخافونه، تمامًا كما خافوا من كتاب ومثقفين كثيرين اغتالتهم الفاشية والصهيونية على مراحلها، وبأسماء أخرى.