كما لم يكن لدى الجنرال المتقاعد غابرييل غارسيا ماركيز، من يراسله، كذلك “الحزب” اليوم. غير أنّ مشكلة الأخير في مكان آخر: ليس لديه من يحالفه. كان أهالي القرية التي يقيم فيها الجنرال ماركيز يقدّرونه ويلتفّون حوله ويحترمونه، لكن لم تصله رسالة. أمّا “الحزب”، فيواصل انتظار الرسائل من إيران إلى اليمن، ويراهن عليها، من دون سبيل إلى البناء عليها مع القوى السياسيّة المختلفة في لبنان. هذا على الأقلّ ما أظهرته الجلسة البرلمانيّة الأخيرة. بدا واضحاً للعيان أنّه ليس لـ”الحزب” من يحالفه.
يبدو “الحزب” اليوم على أرض الواقع كما الجنرال في رواية ماركيز الشهيرة (“ليس لدى الجنرال من يراسله”)، عجوزاً متعباً ومنهكاً وهزيلاً تبدو عليه أمارات الشيخوخة بوضوح. لكنّهما يقاومان كلٌّ على طريقته: “الحزب” يحمل “ديكه” ولا يفرّط فيه، والكولونيل يحمل ديك نجله أغوستين الذي قُتل بالرصاص في حلبة مصارعة الديوك أثناء توزيعه منشورات سياسيّةً سرّيّةً معارضةً للنظام العسكريّ القائم.
صمت مريب
خسر “الحزب” حلفاءه في لبنان الذين غدوا أيتاماً وخسر حليفه في سوريا حتّى استفاق وله أيتام في صقيع روسيا. خسر عسكريّاً في حربَي إسناده الأخيرتين، غزّة وإيران. والأنكى من ذلك أنّه خسر أكثر من 60 قريةً وبلدةً جنوبيّةً كانت تشكّل قاعدته الأماميّة لسنوات ضدّ إسرائيل، وآخرها تلّة عليّ الطاهر. باختصار، خسر هيبته. حدث هذا وهو يتلقّى الرسائل من كلّ حدب وصوب. وحدث والأقربون ينفضّون عنه، حليفاً تلو تيار تلو حليف. وهنا تبدأ حكاية الأيتام:
ـ هناك أوّلاً أيتام خرجوا منه: حلفاء سابقون ابتعدوا عنه بعدما تبدّلت موازين القوى أو تغيّرت حساباتهم السياسيّة.
ـ هناك أيتام خرج منهم: قوى سياسيّة استفادت في مرحلة من التحالف معه أو من قوّته الإقليميّة، ثمّ وجدت نفسها أمام حزب أقلّ قدرة على توفير الغطاء أو الحماية أو المساندة السياسيّة التي كانت متاحة سابقاً.
ـ هناك أيتام ما زالوا معه: حلفاء لم يخرجوا من المعادلة، لكنّهم لم يعودوا قادرين على توفير الوظيفة السياسيّة نفسها التي وفّروها في زمن القوّة.
ربّما هذا هو جوهر المأزق: ليس عدد الحلفاء هو الذي تغيّر فقط، بل قيمة التحالف بالنسبة إلى إنتاج السلطة.
لا تهديد ولا وعيد… ولا إسناد بعد اليوم. لا قدرة على ذلك. برغم ذلك، “نتّكل على الله وإيران”، قال نائب “الحزب” حسين الحاج حسن قبل أيّام. أمّا الآخرون فعماد خطابهم اليوم المطالب المعيشيّة والأوضاع الاقتصاديّة الصعبة التي تمرّ بها البلاد. أكثر من ذلك، تحوّل “الحزب” إلى هيئة لمكافحة الفساد.
من إسناد إلى إسناد
لم يراهن “الحزب” يوماً على الذي بين يديه وبالقرب منه. يرى نفسه أكبر من الوطن الصغير. كيف لا وجغرافيته لا تبدأ في طهران ولا تنتهي في البوسنة أو العراق أو سوريا أو فلسطين أو حتّى اليمن؟
لطالما راهن على شبكة إقليميّة ودوليّة شديدة الصلة بعلاقته العضويّة بالنظام الإيرانيّ. هي وحدها تحميه. الوليّ الفقيه في إيران وحرسه الثوريّ يحميانه. نظام الإجرام الأسديّ، يحميه. فصائل الحشد الشعبيّ أيضاً، وكذلك الأمر مع “الأخوة” في حركتَي حماس والجهاد الفلسطينيّتين، ومع الحوثيّين في اليمن.
الشريك اللبنانيّ لا يفيده. الحليف اللبنانيّ لا يقدّم ولا يؤخّر. الآخر اللبنانيّ لا يعنيه. خصومه السياسيّون في لبنان ليسوا “على قدر أهل العزم”. وحدها “حركة أمل” تستحقّ الالتفات، درءاً للفتنة بين ذوي القربى.
هكذا اختار بملء إرادته أو إرادة وليّه الفقيه أو محوره “المقاوم”، أن يقفز فوق الداخل اللبنانيّ متجاهلاً كلّ حليف وشريك وآخر على مقربة أمتار أو كيلومترات معدودة منه. فضّل الذهاب بعيداً في الجغرافيا والسياسة والعسكر والأمن، وانتقل من إسناد حلفاء إيران في العراق، ثمّ حليفها في دمشق، “فالأخوة” في غزّة، وبين هذه وتلك يمضي إلى اليمن ويعود أو لا يعود.
من مضيق إلى مضيق
عند دخوله الحرب المندلعة في الشرق الأوسط، في 2 آذار الماضي، إسناداً للنظام الإيرانيّ، كان “الحزب” يوغل في رهانه على الخارج متجاهلاً الداخل اللبنانيّ بقضّه وقضيضه.
لكن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. راهن على انتصار إيرانيّ يمحو نتائج إخفاقه العسكريّ في الحرب التي جرّها على نفسه وبيئته وبلده، إسناداً لغزّة في 8 تشرين الأوّل سنة 2023. يومها خسر نقاطاً عسكريّةً قيل إنّها خمس نقاط في أقصى جنوب لبنان، ولم يتّعظ.
بعدها ظهرت نتائج إسناده السابق للنظام الأسديّ: سقط بشّار الأسد ونظامه في 8 كانون الأوّل، بُعيد أيّام من انتهاء معارك إسناد غزّة، وانقطع خطّ الإمداد، ولم يفهم الدرس.
إسناد إيران كانت نتيجته أشدّ وأقسى من سابقاتها. خسر ما تسمّيه إسرائيل اليوم “منطقةً أمنيّةً” أو “خطّاً أصفر”، ولم يرتدع.
لحظة سقوط تلّة عليّ الطاهر، سقط الرهان على إغلاق مضيق هرمز، وبدت الشروط الإيرانيّة التي شدّدت على وقف الحرب الإسرائيليّة على لبنان، مجرّد كلام. واليوم يوحي صمت “الحزب” بالرهان على الحوثيّين، وعلى قدرتهم على إغلاق باب المندب وهذا لن يستمر..
“يا حوثيّ أدركنا”
برغم نتائج الإسنادات السابقة، يستمرّ “الحزب” اليوم في رهانه على الخارج ضدّ كلّ من في الداخل، ومَن في الخارج أيضاً. كأنّ شيئاً لم يكن. كأنّ إسناداً لم يحدث. كأنّ درساً لم يعطَ وبدلاً من مرّة خمس مرّات وأكثر.
أسند ما لا يقلّ عن خمسة حلفاء في السنوات الأخيرة، على خمس جبهات، وحين احتاج إلى إسناد لمنع سقوط “عليّ الطاهر” لا سند طلّ ولا عون وصل. فشل الرهان على إغلاق مضيق هرمز من قبل نظام الملالي أو “الخراسانيّ” في طهران، وتبقى العين على إغلاق الحوثيّين أو “اليمانيّ” مضيق باب المندب.
الأهمّ أنّه لم يعد يملك الترف السياسيّ نفسه: أن يختلف مع هذا، ويهادن ذاك، ويعطّل هنا، ويعقد تسوية هناك، ثمّ ينتظر أن تأتي قوّة إقليميّة لتعيد ضبط الميزان.
خسر بعض أيتامه، وخسر بعضهم إيّاه، وبقي بعضهم معه. لكن ما تآكل فعلاً هو شبكة الأمان السياسيّة التي كانت تحيط بقوّته العسكريّة.
هكذا يحمل ديكه، وينتظر الرسائل. لكنّ المشكلة ليست في الرسائل هذه المرّة. المشكلة في من يفتحها، ومن يستطيع ترجمتها إلى سياسة لبنانيّة. ومَثل “الحزب” في رهاناته المتعاقبة كمثل الفقير الحجازيّ الذي خرج يبحث عن عنب اليمن، فحدّثه عائد من الشام عن بلحها، فغيّر وجهته، ليصل متأخّراً. فلا طال بلح الشام ولا عنب اليمن.
أمّا لبنان، فلا يستطيع أن ينتظر إلى ما لا نهاية وصول رسالة جديدة من الخارج.
