-
الجمهورية.نت
-
-
-
كان سقوط نظام الأسد إحقاقاً لحق ضحايا المجزرة الكيميائية في الغوطة، فالنظامُ الذي قتلهم فعل ذلك دفاعاً عن تأبيد حكمه، وفي سياق حرب مفتوحة على الشعب الذي تمرّدَ عليه. ووحده سقوط النظام فتح الباب أمام تصوّر ممكنات عدالة أوسع لضحايا المجزرة، حقوقياً وتاريخياً وسياسياً.
في فجر 21 آب (أغسطس) 2013، ضربت صواريخ محمّلة بالسارين مناطق مأهولة في الغوطتين الشرقية والغربية. وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 1144 شخصاً اختناقاً، بينهم 1119 مدنياً، من ضمنهم 99 طفلاً و194 امرأة. مات الناس في بيوتهم وبين أطفالهم، فيما كان الحصار يحرم المنطقة من الأدوية والمعدات والكوادر القادرة على إنقاذ المصابين.
للبرنامج الكيميائي السوري تاريخه ورجاله وبنيته. وراء الصواريخ مختبرات ومستودعات وخبراء وضباط ووحدات عسكرية وسلسلة قيادة. العدالة تضع أسماء على هذه المواقع: من صنعَ وخزّن، ومن خطط وأصدر الأوامر ونفّذ، ومن ساهم في إخفاء الأدلة. سقوط النظام يجعل كشف هذه البنية ممكناً، ويحمّل السلطة السورية الجديدة مسؤولية وضع الحقيقة أمام السوريين، عوضاً عن التعامل الدبلوماسي مع البرنامج الكيميائي بوصفه إرثاً تقنياً خطراً ينبغي التعامل بصمت مع تفاصيل التخلص منه.
وللمجزرة تتمة دولية تنتمي إلى تاريخها. بعد الهجوم، ابتكرت روسيا والولايات المتحدة في اتفاق جنيف تخريجةً جرى بموجبها تسليم الترسانة الكيميائية المُعلَنة مقابل مسامحة القاتل بحكم الأمر الواقع. تحوّلَ النقاش من الجريمة ومرتكبيها إلى كميات المواد ومواعيد إخراجها وطرق إتلافها، ثم فُتِحَ المسار السياسي كي يغطي بقاء الأسد في الحكم، ويمنحه موقعاً في تفاوضٍ زائف على مستقبل البلد الذي قتله.
لم يُسلِّم النظام برنامجه الكيميائي كاملاً في أي يوم، وعاد إلى استخدام المواد الكيميائية في هجمات لاحقة. ومع ذلك أدّى اتفاق جنيف وظيفته السياسية: نجا الأسد من العقاب، ورسّخَ العالم خطّاً يفصل بين السلاح المحظور دولياً، الذي تتولى آلة الإنكار التعمية على استخدامه، والأسلحة التي يمكن بها قتل السوريين من دون حاجة حتى لإنكار. هكذا حصلت البراميل المتفجرة والطائرات والمدفعية والصواريخ والحصار والتجويع على شرعية الأمر الواقع، وصار الاعتراض الدولي متعلقاً بأداة القتل، بينما استمر القتل نفسه سنوات طويلة، وبالكيماوي مجدداً في محطات عديدة لاحقة.
تثبيت هذه القصة جزءٌ من العدالة. وقعت المجزرة، وارتكبها النظام الأسدي، وحمت روسيا مرتكبها، وصنعت مع الولايات المتحدة تسويةً استبدلت العقاب بإدارة السلاح، ثم شُغِّلت طوال أكثر من عقد آلة روسيّة هائلة للإنكار والتضليل وترهيب الشهود. لهذه الوقائع مكان تأسيسي في ذاكرة سوريا، وفي نظرتها إلى العالم وعلاقاتها به.
وتبقى العدالة عهداً يخص الدولة السورية المقبلة: ألّا يُستخدَم سلاحها ضد أهل البلد، كيماوياً كان أم تقليدياً. لقد أظهرت مجازر الساحل والسويداء أن سقوط الأسد لا يكفي لصون حياة السوريين وكرامتهم، كل السوريين، في كل سوريا.
-