يمكن النظر إلى جانب مهم من تاريخ الفلسفة بوصفه صراعا بين الواثقين بقدرة العقل والشاكّين فيها. وكان هايدغر يوصي طلابه بقراءة كتاب سيكستوس إمبيريكوس “الخطوط العريضة للبيرونية”، إنجيل الشكوكيين، انسجاما مع مشروعه في العودة إلى النصوص المؤسسة واستخراج الإمكانات التي طمرتها القراءات اللاحقة. وهذا هو معنى “التدمير” عنده: لا هدم التراث، بل تفكيك طبقاته وإعادة فتح أسئلته المنسية.
غير أن هايدغر لم يكن عقلانيا بالمعنى التقليدي، ولا شكوكيا بيرونيا. لقد وجد في الشكوكية القديمة قوة نقدية أكثر مما وجد مذهبا قابلا للتبني. أهم ما أخذه منهم هو نقد الادعاء بأن الفلسفة تستطيع بلوغ أساس نهائي لا يمكن مساءلته. فقد بين الشكوكيون أن كل تبرير يحتاج إلى معيار، لكن المعيار نفسه يحتاج إلى تبرير، فإذا استند إلى معيار آخر وقع الفكر في تسلسل لا ينتهي، وإذا عاد المبدأ إلى إثبات نفسه وقع في الدور، وإذا توقف عند مسلمة أعلنها بديهية فإنه يكون قد أوقف السؤال من غير برهان. وقد وجدت مؤخرا أن لا أحد إطلاقا يستطيع أن ينطلق من غير مسلمة يعتبرها بديهية رغم كونها بلا برهان.
وجد هايدغر في هذا النقد كشفا لوهم عميق في الميتافيزيقا الغربية حين تبحث عن نقطة يقين مطلقة يبنى فوقها صرح المعرفة كله، كما فعل ديكارت. لكنه لم يستنتج من فشل هذا المشروع استحالة المعرفة أو وجوب تعليق الحكم. سؤاله كان أسبق: لماذا نفترض أصلا أن علاقتنا بالعالم لا تكون مشروعة إلا إذا قامت على برهان؟
فالإنسان لا يبدأ بإثبات وجود العالم ثم يقرر التعامل معه. نحن موجودون فيه قبل كل نظرية، نستخدم الأشياء ونفهمها قبل أن نحولها إلى موضوعات للمعرفة. لذلك فالفهم ليس ثمرة البرهان، إنه شرط إمكانه. نحن لا نفهم لأننا برهنا أولا، بل نستطيع البرهنة لأن العالم منكشف لنا سلفا، ولأننا نقيم فيه.
ومن أكبر علامات إفادة هايدغر، مقاومة الدوغمائية، فقد كان الشكوكيون يضعون الحجة بإزاء الحجة، والرأي بإزاء نقيضه، لكي يكشفوا أن ما يقدمه أصحاب المذاهب بوصفه حقيقة نهائية يظل قابلا للاعتراض. وقد رأى هايدغر أن تاريخ الميتافيزيقا مليء بمثل هذه الادعاءات، إذ يقدم فهم تاريخي معين للوجود كأنه الوحيد الممكن، كأن يقال إن الوجود حضور، أو جوهر، أو موضوع أمام الذات، أو مادة قابلة للحساب والسيطرة.
ليست هذه التصورات باطلة تماما، لكنها تصبح خطرة حين تنسى تاريخيتها وتتحول إلى الأفق الوحيد الذي نرى من خلاله الموجودات. ومن هنا أفاد هايدغر من الشكوكية في مقاومة انغلاق الفلسفة داخل مذاهب مكتفية بذاتها. فالفكر الحقيقي لا يبدأ بامتلاك الجواب، بل بالقدرة على إبقاء السؤال مفتوحا، والمذهب يصبح عائقا حين يتحول من طريق إلى التفكير إلى قضايا يطلب التسليم بها.
كما وجد عند الشكوكيين تنبيها إلى حدود العقل البرهاني. فالبرهان يعمل دائما داخل مجال سبق أن انكشف، ويستعمل مفاهيم ومقدمات لا يستطيع أن يؤسسها كلها في اللحظة نفسها. لكن العصر الحديث وسع سلطان هذا التفكير حتى بدا ما لا يمكن قياسه أو إخضاعه للسبب الكافي كأنه غير حقيقي.
وسوف يظهر ذلك في نقد هايدغر للتفكير التمثيلي والحسابي. فهو لا يرفض الحساب والبرهان، بل يرفض تحولهما إلى الصورة الوحيدة للعقل. حين يطلب العقل من كل شيء أن يقدم أوراق اعتماده أمام محكمته، يعجز عن تبرير سلطة المحكمة نفسها. إنه يطلب الأساس لكل شيء، لكنه لا يستطيع تقديم أساس نهائي لطلبه.
ومن الشكوكيين أخذ هايدغر أيضا قيمة الهدم الفلسفي بوصفه طريقا لا غاية. فقد كشفوا الافتراضات غير المعلنة التي تقوم عليها المذاهب. وهذا قريب من مشروعه في “تدمير تاريخ الأنطولوجيا”، أي تفكيك المفاهيم الموروثة للوصول إلى الخبرات الأصلية التي نشأت منها قبل أن تتحول إلى قوالب مدرسية. فالوجود والحقيقة والعقل والزمان تصل إلينا محملة بتاريخ طويل من التفسيرات.
ويتقاطع هايدغر معهم في الحذر من ادعاء امتلاك الحقيقة نهائيا، لكنه يختلف عنهم في معناها. فالشكوكي يواجه تعادل الحجج بتعليق الحكم، أما هايدغر فلا يجعل الحقيقة نتيجة لموازنة الأدلة. الحقيقة تحدث قبل الحكم، حين ينكشف الشيء داخل مجال من الفهم. ولكي أحكم عليه ينبغي أن يكون قد ظهر لي من قبل بوصفه قابلا للحكم. ولهذا لم ينكر هايدغر الحقيقة، بل رفض اختزالها في صحة القضايا. فالقضية الصادقة ممكنة لأن الموجود قد انكشف أولا. غير أن كل انكشاف يصاحبه احتجاب، فما يظهر من الشيء لا يستنفد حقيقته، وكل عصر يكشف جانبا من الوجود ويحجب جوانب أخرى. الحقيقة ليست ملكية تضعها الذات أمامها، بل حركة ظهور واحتجاب.
أما الفارق الأوضح فهو أن الشكوكي ينتهي إلى تعليق الحكم طلبا للسكينة، بينما لا يجعل هايدغر السكينة غاية فلسفته، ولا أي سبب نفسي أو أخلاقي. همه ليس علاج اضطراب الإنسان أمام تضارب الآراء، بل إحياء سؤال الوجود الذي نسيته الفلسفة حين انشغلت بالموجودات. الشكوكي يسأل: كيف نبرر المعرفة؟ وما المعيار الذي يرجح حكما؟ أما هايدغر فيسأل: ما الذي جعل العالم منكشفا لنا أصلا بحيث صار قابلا للمعرفة والحكم؟ وهكذا يظل الشكوكي داخل مشكلة المعرفة، بينما يرجع هايدغر إلى انكشاف العالم السابق على انقسام الذات والموضوع.
خلاصة الأمر أن هايدغر أخذ من الشكوكيين قوة النقد لا نتائج الشك والتزم بالحذر من الأسس النهائية، وكشف حدود العقل البرهاني، واستمر في مقاومة الدوغمائية، وانتهج الهدم الذي يعيد فتح الأسئلة. لكنه رفض أن يقوده ذلك إلى تعليق الحكم. فإذا كان الشكوكي يقول إن غياب الأساس الحاسم يمنعنا من القطع، فإن هايدغر يسأل: لماذا ينبغي للفهم أصلا أن يقف على أساس أخير؟ هنا يلتقي الطريقان لحظة، ثم يفترقان: الشكوكي يكشف أن الأساس لا يمكن إثباته، وهايدغر يكشف أن الوجود الإنساني لم يكن محتاجا إليه منذ البداية.
