د. أنسام عباس بدران.. المصدر صفحة الكاتبة
“أنا لا أكذب ولكني أتجمل”، ذلك الفيلم المصري الذي أعتبره شخصيا من روائع السينما المصرية والعربية، عمل وضعنا وجها لوجه أمام مرآة كشفت واحدة من أعمق التراجيديات الإنسانية: مأساة الإنسان الذي يرى في حقيقته شيئا يجب مواراته.
الفيلم، المأخوذ عن قصة للكاتب إحسان عبد القدوس، ومن إنتاج شبكة قنوات التلفزيون المصري في عام 1981، وإخراج ابراهيم الشقنقيري، قدم لنا شخصية إبراهيم، التي جسدها ببراعة الفنان الراحل أحمد زكي. كان إبراهيم شابا جامعيا ذكيا ومتفوقا في دراسته، لكنه كان يعيش مع أسرته في المقابر، حيث يعمل والده حانوتي، يغسل الموتى ويدفنهم، وكان يساعده بين الحين والآخر.
عندما وقع في حب خيرية، الفتاة الجامعية الأرستقراطية التي أدت دورها الفنانة آثار الحكيم، وجد نفسه ممزقا بين عالمين متناقضين: جامعة تضج بالحياة والطموح ومجتمع جديد ومختلف جدا عن بيئته، ومقبرة لم تحضن فقط الموتى و القبور، بل احتضنت عائلات سحقها الفقر ونسيها الزمن.
اختلق إبراهيم لنفسه هوية أخرى، وبدأ ينسج حكايات كاذبة عن عائلة ثرية ومكانة اجتماعية مرموقة، حتى كبرت الأكاذيب والتهمت أحلامه وطموحه.
لكن هل كان ابراهيم كاذبا بالمعنى الأخلاقي للكلمة؟
كان شابا يعيش حالة دائمة من القلق والتأهب، يحاول التوفيق بين شخصيتين: ابراهيم ابن الحانوتي الفقير الذي يسكن المقابر، وابراهيم الطالب الجامعي اللامع الذي يريد أن يكون جديرا بالحب والقبول. بالنسبة إليه لم يكن ما يفعله مجرد كذب، بل محاولة يائسة للهروب من وصمة اجتماعية شعر أنها تسبقه أينما ذهب.
يكشف لنا الفيلم أيضا حقيقة مؤلمة أخرى: فالتجمل، مهما كانت دوافعه مفهومة وإنسانية، لا يمكن فهمه بهذه البساطة، يبدأ أحيانا كدرع يحمي صاحبه من نظرة المجتمع، ثم يتحول تدريجيا إلى سجن. لم يسقط إبراهيم لأنه أراد أن يكون أفضل مما هو عليه، وأن يحقق طموحه وأحلامه، فهذا حق مشروع، بل لأنه أصبح أسيرا للصورة التي صنعها عن نفسه، حتى فقد القدرة على العودة إلى الحقيقة، ومن كذبة إلى أخرى، أوقع نفسه في مصيدة شرسة، حاول دفنها كما يدفن أباه الموتى.
وتبرز هنا شخصية والد خيرية بوصفها واحدة من أكثر شخصيات الفيلم التي تستحق التأمل. ذلك الكاتب والمفكر الإنساني الذي لا يتوانى عن تأليف كتب وروايات يدعو فيها إلى العدالة والمساواة الاجتماعية بين البشر، لكنه عندما تجسدت مبادئه الإنسانية في صورة حقيقية لشاب فقير ومكافح يطلب الزواج من ابنته المدللة، تراجع إلى داخل حصن طبقته الاجتماعية. وهي حقيقة أخرى لا تقل إيلاما عن حقيقة هذا الشاب الطموح، بل هي أخطر منها. أعتبرها شخصيا مأساة حقيقية تعري هذا الشرخ الاجتماعي الكبير، شخصية الأب، الأكاديمي المثقف، صاحب الأفكار الإنسانية، تقدم رمزا أو نموذجا لشرخ عميق بين الخطاب والممارسة، بين حب الإنسانية كفكرة مجردة تنام بين السطور و بين قبول الإنسان الحقيقي عندما يقف امامه.
كان إبراهيم المرآة التي كشفت التناقض بين ما نقوله وما نفعله، بين المثال النظري والواقع المر.
سألت نفسي: لو كان إبراهيم يعيش بيننا اليوم، لما احتاج إلى استعارة بدلة فاخرة أو اختلاق سيرة ذاتية مزيفة. ربما كان يكفيه أن ينشئ حسابا على إحدى منصات التواصل الاجتماعي.
فجملته الشهيرة التي قالها قديما، تتحول اليوم إلى ممارسة يومية يقوم بها الملايين. لم يعد التجمل محصورا بثياب أنيقة أو كلمات منمقة، بل أصبح صناعة متواصلة للذات لتبقى الصورة مثالية وكاملة.
لكن سيكون من الاجحاف القول أن كل أشكال التجمل العصرية هي نوعا من الكذب أو الخداع. فالإنسان بطبيعته يختار ما يظهره جيدا أمام الآخرين. نحن جميعا نفعل ذلك في العمل، وفي المناسبات الاجتماعية. لا أحد يقدم نفسه للعالم بكل تفاصيله وهشاشته دفعة واحدة. وإن فعل، سيلقى رفضا قد يتمثل بالتجاهل أو التعالي أو التنمر أو حتى الاستغلال.
المشكلة تبدأ عندما يصبح المظهر أهم من الذات، وعندما يتحول الجهد المبذول في صناعة الانطباع إلى جهد أكبر من الجهد المبذول في بناء الحقيقة نفسها. عندها لا يعود التجمل مجرد تحسين للصورة، بل يصبح بديلا عن الواقع.
كان إبراهيم يخلع شخصيته التنكرية في آخر النهار، يعود إلى المقبرة، إلى أبيه الكادح البسيط، و المكان الذي يعرف فيه من يكون حقا، و إلى أمه التي تخدم في البيوت.
أما اليوم، المساحات الآمنة تحتفظ بثيابها التنكرية ويضيق الخيار. الهاتف يرافقنا إلى غرف النوم والحمامات، يزيد وحدتنا وعزلتنا، حتى أصبح القناع الرقمي في أحيان كثيرة بشرة ثانية يصعب إزالتها.
وما هو مثير للتأمل والجدل هو ذاك التجمل في المعرفة والثقافة أيضا. حتى الكتابة لم تنجو من التجمل. نشهد أحيانا استعراضا معرفيا سطحيا يشبه ما يسميه الألمان “Ersatz”، وسبق أن كتبت عنه مرارا، البديل الرديء الذي يحل محل الأصل. كلمات براقة، ومصطلحات معقدة، وآراء جاهزة تستخدم أحيانا لإيهام الآخرين بالنضج والعمق، تماما كما استعار إبراهيم لغة عالم لا ينتمي إليه ليقنع الآخرين بأنه يستحق مكانا فيه.
“أنا لا أكذب ولكني أتجمل” جملة سينمائية، أصبحت مرآة لمجتمع كامل يعاني شكلا من الاغتراب الجماعي، مجتمع يخشى النبذ إلى درجة تدفع أفراده إلى ارتداء الأقنعة، وليس من باب الكذب والتزييف، بل خوفا من ألا يكونوا كاملين أمام الآخرين. الإنسان يشعر بأن عليه الاعتذار عن بساطته، أو إخفاء هشاشته، أو إعادة اختراع نفسه كي يستحق القبول.
ما أردته من هذا التأمل ليس إصدار أحكام أخلاقية على أولئك الذين يتجملون، سواء في الواقع أو على الشاشات. فالإدانة سهلة جدا ولكن هل تساعدنا على فهم الجرح والشرخ والتناقض؟
الأهم أن نسأل أنفسنا عن العالم الذي جعلنا نكره ذواتنا الحقيقية ونعشق صورنا المجملة.
نحن نعيش في عصر يعاني من هوس الكمال، عصر جعل من عمليات التجميل قالبا لقص ولصق الوجوه وصناعة وجوه مستنسخة تتشابه حد الرعب، حتى بات الإنسان المعاصر يشعر بنقص وجودي حاد إن بدا عاديا أو بسيطا.
لهذا السبب يجب أن نكون أكثر رحمة عندما ننظر إلى المسألة بنظرة واعية. فمعركتنا الحقيقية ليست مع الذين يرتدون الأقنعة ليتجملوا، بل مع الظروف الاجتماعية والثقافية التي جعلت الوجه الحقيقي يبدو قبيحا مرفوضا.
وعندما ننظر بإنسانية إلى هذه المأساة، يصبح الحكم أكثر عدلا، ويتحول إلى تعاطف إنساني مع هشاشتنا البشرية.
حينها فقط، ندرك أن معركتنا الحقيقية ليست مع ارتداء الأقنعة، بل مع عالم متطلب للكمال، حتى جعل من الوجه الطبيعي العفوي خطيئة تستوجب الاعتذار.
وأصبحنا جميعا ضحايا للتجمل.
يبقى السؤال الآخر الذي يتركه الفيلم مفتوحا بعد أكثر من أربعة عقود:
كم واحدا منا كان سيتصرف مثل إبراهيم صالح لو وضع في الظروف نفسها؟
أدناه: صورة لي، قبل فيلتر تنقية البشرة بواسطة سناب شات وبعد الفلتر.
عرض أقل