منذ سقوط نظام الدكتاتورية السوري في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، يتكرر سؤال واحد في بيوت عائلات المفقودين: من أين نبدأ؟ مرّ أكثر من سبعة عشر شهراً، وعامٌ كاملٌ على تأسيس الهيئة الوطنية للمفقودين، ولم يأتِ أي جواب. كل ما جاء هو سلسلة بيانات وتحذيرات وتصريحات، من ثلاث جهات رسمية: الهيئة الوطنية للمفقودين، وزارة العدل، ووزارة الداخلية.

كل تلك البيانات كانت بلغة واحدة تقريباً: سلّموا الوثائق، لا تنشروها، لا تتعاملوا مع جهات غير مخوّلة، ومن يحتفظ بما لديه قد «يعرقل العدالة» أو يتعرّض للملاحقة. في الظاهر، الكلام مفهوم. لا يُمكِن التعامل مع صور الضحايا، أو قوائم الإعدام، أو وثائق الاعتقال، أو مقاطع السجون، كأنها مواد للنشر العشوائي؛ في بلد خرج من منظومة أمنية صنعت الإخفاء القسري، وثيقةٌ واحدة غير مُدَقَّقة قد تؤذي عائلة مرة ثانية: اسم خاطئ، صورة قاسية، إشاعة، ابتزاز، أو وعد كاذب بمعرفة المصير.

لكن السؤال الحقيقي ليس عن حماية الوثائق. السلطة الانتقالية نفسها، بتصريحات مسؤوليها، تقول إنها تملك نحو 95 بالمئة من أرشيف النظام السابق. كشف ذلك نائب وزير الداخلية عبد القادر الطحان في مقابلة مع الجزيرة الشهر الماضي، وأكّد أن الوزارة «استحدثت جهة معنية بالحفاظ على أرشيف النظام البائد».

فلماذا، إذن، لم تبدأ هذه الجهات بطرق أبواب عائلات لتقول لها إن الانتظار انتهى؟

حتى اليوم، لم تنشر السلطة الانتقالية خطة وطنية لكشف المصائر، ولا جدولاً زمنياً، ولا حصيلةً لما أُنجز. وما نشرته حتى الآن كان بيانات تطلبُ تسليم الوثائق، وتُحذِّر من النشر، وتتّهم من لا يُسلِّم بالعرقلة. أمّا المسار العملي: أي مؤسسة تعمل؟ في أي خطة؟ بأي نتائج؟ تحت أي رقابة؟ فيظل غامضاً.

والغموض يصبح أغربَ حين نعرف أن كل المعلومات كانت في يد السلطة الانتقالية منذ اليوم الأول. سجون، فروع أمنية، مقار شرطة عسكرية، مشافٍ عسكرية، سجلات، كاميرات، خوادم، دفاتر نقل ودفن، ومواقع يُفترَض أنها مَسارحُ جرائم. في الأشهر التي تلت سقوط النظام، ظهرت شهادات ومقاطع ومُعاينات عن عبث واسع بمواقع الاحتجاز السابقة وأرشيفاتها: أوراق تُرمَى، غرف أرشيف تُفرَّغ، مبانٍ تُرمَّم، جدران تُطلى، ومواقع تُعاد للاستخدام قبل أن تُمسَح جنائياً أو يُعلَن عن جرد بما حُفظ وما فُقد فيها.

كيف تطلب السلطة من المنظمات والأفراد تسليم أرشيفهم، فيما لم تنشر بعد جردة بما ورثته هي من أرشيف النظام؟ لماذا تُحذِّر من تداول الوثائق «غير الرسمية»، بينما لا تخبر الناس ماذا فعلت بالوثائق «الرسمية» التي صارت في يدها؟ وكيف تتّهم منظمات حقوقية بالعرقلة، بينما لم تُعلَن قناة آمنة لتسليم الأدلة، ولا بروتوكول لحفظها، ولا آلية لضمان حق العائلات في معرفة ما يحصل لها؟

هذا المقال يقرأ البيانات الرسمية الصادرة بشأن هذه القضية بوصفها نمطاً في إدارة ملف المفقودين في سوريا، نمطاً يطلب من الناس الثقة أولاً، والتسليم أولاً، والصمت أولاً، دون أن يقدّم لهم ما يستحق الثقة: خطة معلنة، مسار قانوني، بروتوكول حفظ، تقرير دوري، وقناة واضحة تصل في النهاية إلى باب العائلة.

السلطة لها أن تُنظّم الملف، هذا مفهوم؛ لكن التنظيم بلا شفافية ولا ضمانات ولا رقابة يصبح مقامرة غير محسوبة، وورقة سياسية بيد السلطة. وفي ملف المفقودين، تتحوّل هذه الورقة السياسية إلى باب مغلق أمام كل عائلة تنتظر.

ما تعترف السلطة بامتلاكه

في 11 أيار (مايو) 2026، أطلَّ نائب وزير الداخلية اللواء عبد القادر الطحان على قناة الجزيرة، في برنامج «للقصة بقية»، قال إن الوزارة «حرّزت ما يقارب 95 بالمئة من أرشيف النظام البائد»، ووصف حجم الوثائق المُكتشفة في مستودعات الأجهزة الأمنية بأنه «مذهل ومَهول لا يتخيله عقل بشري»، وأكدَ أن وزارته «استحدثت جهة معنية بالحفاظ على أرشيف النظام البائد».

قبله بستة أشهر، في 9 كانون الأول (ديسمبر) 2025، أعلنَ وزير العدل مظهر الويس على قناة العربية/الحدث، في الذكرى الأولى لسقوط النظام، أن لدى وزارته أرشيفاً يوثّق 96 ألف عملية إعدام أو أمر إعدام.

وفي نيسان (أبريل) 2026، تداولت وسائل إعلام عربية معلومة أن 96 غيغابايت من تسجيلات كاميرات المراقبة في سجن صيدنايا الأحمر باتت بيد «الجهات المختصة»، إثر تسريب ثلاثة مقاطع عبر حساب فيسبوك مجهول.

لم تكتفِ السلطة بالاعتراف بامتلاك الأرشيف، بل استخدمته فعلياً في قضايا مُختارَة. وزارة الداخلية أعلنت اعتقال أمجد يوسف، المعروف بـ«سفاح التضامن»، وأكدت تورّطه في مقتل أطفال الدكتورة رانيا العباسي، كما صدرت مذكرات توقيف ضد مئات الشخصيات من رموز النظام السابق، استناداً إلى وثائق الأجهزة الأمنية نفسها التي يقول الطحان إنها بحوزة الوزارة.

أي أن الأرشيف موجود، فلماذا، إذن، لم تبدأ معلوماتٌ من هذا الأرشيف الـ«مذهل والمَهول» بالوصول إلى عائلات سوريّة من بين الـ250 ألف عائلة التي تنتظر؟ لا يمكن أن يكون الجواب «نقص الأرشيف». السلطة نفسها تقول إن الأرشيف معها.

الجواب الوحيد المُتبقّي: القرار ونقص الكفاءة. القرار بأن يُستخدَم الأرشيف لأغراض مُختارَة، مثل اعتقالات بعينها أو إعلانات بعينها أو قضايا بعينها، دون أن يُفتَح بشكل منهجي ومنظّم لكل العائلات السورية التي تنتظر أخباراً من هذه الـ 95 بالمئة من أرشيف النظام البائد التي تحدّثَ عنها نائب وزير الداخلية.

أربع محطات رسمية 

في 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، أصدرت الهيئة الوطنية للمفقودين بياناً حذّرت فيه من تداول وثائق غير رسمية أو غير دقيقة تتعلق بالمفقودين. أكدت الهيئة في بيانها، الذي نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، أن أي وثيقة لا تُعَدّ صحيحة ولا يُعتَدُّ بها إلا إذا صدرت عنها أو عن جهات مُخوَّلة بالتنسيق معها. وطلبت من الأهالي عدم التعامل مع صفحات ومواقع غير رسمية، وعدم مشاركة بياناتهم مع جهات غير حكومية. وفي البيان نفسه، تحدّثت عن ملاحقة الصفحات المسيئة قانونياً بالتنسيق مع وزارتي الداخلية والعدل.

بعد أسبوعين، في 5 كانون الأول (ديسمبر) 2025، أصدرت وزارة العدل السورية بياناً قريباً في لغته ومضمونه، حذّرت فيه من نشر وثائق وصور ومعلومات تتعلق بضحايا انتهاكات النظام السابق، ومن استخدامها في عمليات ابتزاز أو متاجرة. ودعت الأفراد والمنظمات إلى تسليم ما لديهم إلى الجهات الرسمية المختصة، سواء في وزارة العدل أو الهيئات الوطنية المعنية. وشدّدت الوزارة على أنها لن تتوانى عن ملاحقة كل من يخرق الأنظمة والقوانين، أو يتاجر بآلام الضحايا، أو يستغل قضيتهم لأغراض غير مشروعة.

بعد أربعة أيام فقط من بيان الوزارة، في 9 كانون الأول 2025، خرج وزير العدل في الحكومة الانتقالية، مظهر الويس، على قناة العربية/الحدث، في الذكرى الأولى لسقوط النظام، ليُعلن أن لدى وزارته أرشيفاً يوثّق 96 ألف عملية إعدام أو أمر إعدام كما ورد أعلاه، وأعلن أيضاً في المقابلة نفسها أن عدد المفقودين السوريين بين عامي 2011 و2024 يصل إلى 250 ألف مفقود.

التسلسل لافت ويستحق التأمل: تحذير من النشر، ثم دعوة إلى التسليم، ثم إعلان عن حجم الأرشيف الذي بحوزة الوزارة. ثلاث محطات في نحو ستة أشهر ونصف. مفردات تتكرّر بحرفيتها تقريباً: التسليم، المتاجرة، الملاحقة، المرجعية الوطنية.

ثم جاءت محطة رابعة مع تصريحات عمار العيسى، مسؤول التحقق والتوثيق في الهيئة الوطنية للمفقودين، في الأول من حزيران (يونيو) 2026، عبر قناة الإخبارية السورية، والتي نقلتها وكالة سانا تحت عنوان مباشر: «عدم تعاون بعض المنظمات عرقل عمل الهيئة وأخّر مسار العدالة». قال العيسى إن منظمات سورية ودولية، لم يُسمِّها، امتنعت عن تسليم ما لديها من وثائق، وعبّر عن رفضه أن تتحول الأدلة إلى «مادة للمتاجرة» بدل إنصاف الضحايا. ودعا المؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني إلى تسليم ما لديها إلى الهيئة، باعتبارها «المرجعية الوطنية وصاحبة الولاية القانونية في هذا الملف».

في هذه المحطات الأربع، تتكرر المفردات نفسها، لكن ما يغيب باستمرار هو اللغة العملية: عنوان الاستلام، الضمان القانوني، بروتوكول الحفظ، رقم الملف، حق المتابعة، حق العائلة في معرفة النتيجة. وحدها لغة التحذير حاضرة. لغة الخدمة غائبة.

من الشراكة إلى الاتهام 

في تصريحاته نفسها، قال العيسى جملة تستحق إعادة قراءتها: «أهمية قضية رانيا العباسي لا تكمن فقط في كشف مصير الأطفال، بل في أنها أظهرت أهمية انتقال الملفات من نطاق المبادرات الفردية والحقوقية إلى إطار مؤسسات الدولة».

هذه الجملة هي إعلان منهج عمل السلطة على ملف المفقودين، الذي يجب أن يُنزَع بحسب هذه الرؤية من يد «المبادرات الفردية والحقوقية»، ويُحصَر في يد «مؤسسات الدولة».

لا أحد يُنكر حاجة ملف بهذا الحجم إلى إطار مؤسسي وطني. مئات آلاف الملفات لا يمكن أن تُدار عبر صفحات متفرّقة على فيسبوك، أو مبادرات متباعدة، أو رسائل خاصة بين الناشطين. السؤال ليس: هل يجب أن توجد مؤسسة وطنية؟ السؤال: أي مؤسسة؟ بأي ضمانات؟ وبأي علاقة مع الجهات التي وثّقت الانتهاكات طوال السنوات الماضية، حين كانت مؤسسات الدولة نفسها جزءاً من منظومة الإخفاء؟

الجهات التي تصفها التصريحات الرسمية بـ«المبادرات الفردية والحقوقية» ليست كيانات طارئة. منها منظمات سورية ودولية أمضت أكثر من عقد كامل في توثيق الانتهاكات، تحت ظروف بالغة الصعوبة. بنت قواعد بيانات، جمعت شهادات، وثّقت صوراً وأسماء وسجلات، رافقت العائلات في الانتظار، وأنشأت أرشيفات صار بعضها مرجعاً لتحقيقات قضائية في دول أوروبية. حين لم تكن للدولة السورية إرادة للكشف، كانت هذه المنظمات تحفظ الأسماء.

لا يمكن الحديث عن هذا التاريخ دون التوقف عند ملف قيصر: الـ55 ألف صورة التي هرّبها المصوّر العسكري السوري المعروف بـ«قيصر» عام 2014، وَثَّقت تعذيب وإعدام آلاف المعتقلين في سجون النظام، وحفظت أسماءهم وأرقامهم ووجوههم. هذا الملف صار مرجعاً لتحقيقات قضائية أوروبية وأميركية، ولقانون عقوبات باسم «قانون قيصر» أُقِرّ في الكونغرس الأميركي عام 2019. لم يكن إنتاج «مؤسسة دولة»، بل كان ذلك إنتاج منظمة سورية حقوقية حملت اسمه. هذا «ملف فردي وحقوقي» بحسب التصنيف الرسمي اليوم، وهو عملياً أحد أهم وثائق العدالة الانتقالية السورية، وأكثرها استخداماً في المحاكم الأوروبية.

المشكلة تتعمّق حين ننظر إلى السير المهنية للقيادة التنفيذية للهيئة. رئيسها، الدكتور محمد رضا جلخي، تُشير سيرته المنشورة إلى خلفية في الاستشارات الإدارية وذكاء الأعمال، وقد عملَ سابقاً في شركة استشارية في المملكة العربية السعودية، ويحمل دكتوراه من جامعة القديس يوسف في لبنان في الإدارة العامة. لا تظهر في سيرته خبرة سابقة في ملف المفقودين، أو التوثيق الحقوقي، أو الطب الشرعي، أو العدالة الانتقالية.

ومسؤول التحقق والتوثيق في الهيئة، الدكتور عمار العيسى، تُشير المعلومات المتاحة عن سيرته إلى أنه درس الطب في سوريا وتركيا، وعاد إلى سوريا قبل أن يُكمل تخصصاً طبياً. لم تُعرَف عنه خبرة سابقة في العمل الحقوقي، أو في الطب الشرعي، أو في التحقيق الجنائي، أو في توثيق الانتهاكات. وموقعه الحالي يستلزم بطبيعته إحدى هذه الخبرات على الأقل. مهمة التحقّق من الأدلة في ملف مصير عشرات الآلاف من المختفين قسرياً ليست مهمة إدارية أو طبية عامة، بل هي مهمة قانونية وجنائية وفنية متخصصة، يُفترَض أن تُوكَل إلى من راكم خبرة سنوات فيها.

هذا لا يعني التشكيك بالنوايا الشخصية، بل هو سؤال مؤسسي مشروع: كيف يُوضَع ملف بحجم 250 ألف مفقود، بحسب تصريح وزير العدل نفسه، في يد قيادة تنفيذية لم تعمل سابقاً في هذا الملف، بينما تُتَّهم منظمات أمضت عقداً كاملاً فيه بـ«العرقلة»؟

USB في بروكسل: مفارقة الأدلة

في 31 أيار (مايو) 2026، أي بعد يوم واحد من بيان «الاستنتاج بدرجة عالية من اليقين» بوفاة أطفال العباسي، أصدرت الهيئة الوطنية للمفقودين بياناً ثانياً، نقلته وكالة سانا، يكشف تفاصيل بالغة الدقة عن كيفية وصول الأدلة إليها.

البيان قال، حرفياً، إن الهيئة تسلّمت «29 مقطع فيديو على وحدة تخزين USB، بتاريخ 12 أيار 2026، عند الساعة الخامسة مساءً بتوقيت دمشق، في مدينة بروكسل، عبر جهة حقوقية سورية». هذه دقّة لافتة في بيان رسمي: التاريخ، الساعة، المدينة، الدولة، وسيلة التخزين، الجهة الوسيطة. كل ذلك في جملة واحدة.

هذه المقاطع التسعة والعشرون، التي أتت من خارج سوريا، عبر منظمة سورية حقوقية لم تُسمَّ، هي التي قاد تحليلها، بحسب الهيئة نفسها، إلى الاستنتاج بشأن مصير أطفال الدكتورة رانيا العباسي. أي أن مادة الكشف وصلت من جهة حقوقية، لا من السلطة نفسها. ولولا منظمة سورية أَخَذَت على عاتقها حفظ هذه المواد، ونقلها، وتسليمها، لما كان للهيئة بيانٌ أصلاً.

هذه المفارقة وحدها تستحق التأمل. الهيئة التي خرج مسؤول التحقّق والتوثيق فيها بعدها بأيام ليتهم المنظمات بـ«العرقلة» و«المتاجرة» و«عدم التعاون»، استندت في قضيتها النموذجية الأولى إلى مواد سلّمتها لها منظمة حقوقية سورية. لو طبّقت الهيئة على هذه القضية منطقها الذي أعلنت عنه، لكانت هذه المنظمة «مُعرقِلة» لأنها احتفظت بالمواد عاماً كاملاً قبل التسليم. أمّا حين تُسلِّم، تصبح المواد بطلَ البيان الرسمي، ويُنسَب الفضل إلى «غرفة العمليات».

الأرشيف الذي تتجاهله السلطة

من بضع عشرات من مقاطع الفيديو، توصّلت الهيئة إلى تحديد مصير عائلة واحدة. هذا في حدّ ذاته دلالة على ما يمكن أن يكشفه الأرشيف الرقمي، إذا عُمِل عليه بجدية. والسؤال البديهي: ماذا لو كانت هذه المقاطع تسعةً وعشرين ألفاً، لا تسعةً وعشرين فقط؟ ماذا لو كانت تشمل سنوات من تسجيلات سجون النظام الرئيسية؟ ماذا لو كانت كاميرات صيدنايا، وعدرا، والفرع 215، والفرع 251، ومطار المزة العسكري، وكل بقية السجون والفروع التي صنعت منظومة الاختفاء؟

هذه ليست أسئلة افتراضية. هذه المادة موجودة، ومعروفة، ومُعلَنة في المجال العام.

في 28 نيسان (أبريل) 2026، أي قبل بيان قضية العباسي بشهر واحد فقط، نشر حساب فيسبوك مجهول بِاسم «حيدر التراب» ثلاثة مقاطع فيديو من نظام المراقبة المركزي في سجن صيدنايا، مأخوذة قبل ستة أيام فقط من سقوط النظام. الفيديوهات أثارت ضجة واسعة، وتناولتها وسائل إعلام عربية، ثم أعقبها تداول مقطع آخر لناشطَين قالا فيه إن 96 غيغابايت من تسجيلات كاميرات المراقبة في سجن صيدنايا الأحمر أصبحت بيد الجهات المختصة.

منظومة الكاميرات في صيدنايا مُركَّبة منذ عام 2018، أي أن سنوات كاملة من تسجيلات يومية، من سجن «المسلخ البشري»، موجودة الآن في يد جهة سورية رسمية. ماذا فعلت السلطة الانتقالية بهذا الأرشيف منذ سقوط النظام حتى لحظة كتابة هذا التحقيق؟ فعلياً لا شيء، لم يصدر بيان رسمي واحد، لا من وزارة الداخلية ولا من الهيئة الوطنية للمفقودين ولا من وزارة العدل، يُحدِّد ما عُثِر عليه من هذه التسجيلات، ولا ما حُفِظ منها، ولا ما الجهة التي تملكها اليوم، ولا الخطة الزمنية للعمل عليها، ولا عدد المفقودين الذين يُمكن أن تَكشِفَ مصيرهم.

عاتبٌ على المنظمات، عاجزٌ عن الأرشيف الرقمي

إذن، الهيئة الوطنية للمفقودين تقول إن المنظمات تُعرِقل عملها، بامتناعها عن تسليم وثائقها، وفي الوقت نفسه تجلس السلطة الانتقالية، وفي يدها أرشيف رقمي ضخم من تسجيلات كاميرات صيدنايا، ولا تعرف ماذا تفعل به، أو أنها لا تريد أن تفعل به شيئاً.

لو أن الهيئة، خلال عام كامل من تأسيسها، حلّلت ولو نسبة صغيرة جداً من تلك التسجيلات، لكانت قد كشفت مصائر مئات أو آلاف العائلات. لو أنها أنشأت غرفة عمليات حقيقية، علنية، تحت إشراف قضائي، بمشاركة طبابة شرعية وخبراء فنيين، لمعالجة الأرشيف الرقمي للسجون، لكانت قد قدّمت إنجازاً قابلاً للقياس. لو أنها أصدرت تقريراً يقول للسوريين: «لدينا هذه الكمية من التسجيلات، وهذه الخطة الزمنية للعمل عليها، وهذه الجهة المسؤولة، وهذه النتائج الأولية»، لكانت قد أسّست لثقة حقيقية.

بدلاً من ذلك، خرج مسؤول التحقّق والتوثيق في الهيئة ليتّهم منظمات حقوقية سورية ودولية بـ«العرقلة» و«المتاجرة». منظمات دفعت أثماناً باهظة، حتى أن كثيراً من كوادرها اعتُقلوا أو عُذِّبوا أو هُجِّروا أو قُتلوا، لأنها أصرّت طوال عقد كامل على توثيق الحقيقة.

مشكلة الثقة

ليس مفاجئاً أن المنظمات السورية والدولية تتحفّظ، بل إن عدم الثقة هذا ليس عدائية مسبقة ولا «عرقلة» متعمَّدة كما تُوحي التصريحات الرسمية، بقدر ما هو نتيجة طبيعية لمنطق السلطة في إدارة الملف.

أيّ منظمة تُفكّر في تسليم وثائقها للهيئة الوطنية للمفقودين، عليها تطرح أسئلة عملية بسيطة، مثل: أين ستُخزَّن الوثائق؟ وكيف سيجري التعامل معها؟

الهيئة الوطنية للمفقودين، رغم وصفها في المرسوم التأسيسي بـ«الهيئة المستقلة»، لا يزال مكتبها الرئيسي في وزارة الخارجية في دمشق، بحسب تقارير دولية موثَّقة. هذا الواقع المُؤسَّسي يطرح سؤالاً جوهرياً قبل أي شيء آخر: هل ستُخزَّن وثائق المفقودين في مبنى وزارة خارجية؟ هل في خوادم تابعة لجهة سيادية؟ وبأيِّ معايير حماية رقمية ومادية؟ ووفقَ أيِّ بروتوكول دولي مُعتمَد لحفظ الأرشيف الحقوقي؟

ما المنهجية المُتَّبَعة؟ لا توجد منهجية مُوثَّقة منشورة من الهيئة حتى الآن. ليس هناك تعريفٌ موحَّدٌ لمن يُعَدُّ «مفقوداً»، ولا معايير لقبول البلاغات، ولا مستويات للتحقّق، ولا قواعد للإفصاح، ولا سياسة مُعلَنة لحماية البيانات، ولا آلية مُحدَّدة لدمج قواعد بيانات المنظمات، ولا بروتوكول لسلسلة حفظ الدليل. وكانت الهيئة قد قالت لصحيفة عنب بلدي في 30 آب (أغسطس) 2025 إنها «تعمل على إنشاء منهجية موحَّدة للتوثيق»، وقد مرّت تسعة أشهر على ذلك التصريح، ولا منهجية منشورة بعد.

هل هناك ضمانة لعدم ملاحقة من يُسلِّم؟ هذا السؤال أصبح أكثر إلحاحاً بعد بيان وزارة العدل في 5 كانون الأول (ديسمبر) 2025، الذي هدّدَ بملاحقة «كل من يخرق الأنظمة والقوانين أو يتاجر بآلام الضحايا». في ظلِّ غياب تعريف واضح لما يُعَدُّ «خرقاً» أو «متاجرة»، يقف حامل الوثيقة أمام مخاطرة قانونية حقيقية. قد يُسلِّم اليوم وثيقة، ثم يجد نفسه غداً تحت طائلة بيان رسمي يُصنِّفه ضمن «المُخوَّنين» أو «المُحرِّضين» أو «المُتاجِرين».

أيضاً ليس هناك تقرير سنوي قابل للقياس. مرّ عام كامل على تأسيس الهيئة، ولم يصدر تقرير علني واحد يُحدِّد: كم بلاغاً استُلِم، كم ملفاً دُقِّق، كم عائلة أُبلِغت، كم رفاتاً حُدِّدت هوية صاحبها.

في غياب كل ذلك، يُصبح «التسليم» مخاطرة لا واجباً، والمنظمة المهنية، التي راكمت بياناتها بجهد عقد كامل، وتعهّدت لمصادرها وللعائلات بحماية هذه البيانات، لا يمكن أن تتنازل عن هذه الأمانة بناء على مجرد بيان رسمي يطلب التسليم، بل إنها تحتاج إلى ضمانات.

ما الذي يجب أن يتغيّر

إذا أرادت السلطة الانتقالية تحويل ملف المفقودين من احتكار إلى مسار، ومن خطاب إلى خدمة، فهناك حدّ أدنى لا يمكن تجاوزه، وهو شرط أوّلي للثقة، ولأي عمل جاد في هذا الملف.

أولاً؛ قانون أرشيف وطني للمرحلة الانتقالية، يضع وثائق النظام السابق تحت إدارة مدنية مستقلة، ويُحدِّد حق العائلات في الوصول إلى ملفاتها، وقواعد حماية الخصوصية، وآليات استخدام الأرشيف قضائياً وبحثياً.

ثانياً؛ قرار رسمي بوقف فوري لأي تعديل على السجون والفروع ومواقع الاحتجاز والمقابر، قبل إجراء مسح جنائي علمي وتوثيق شامل. لا طلاء، لا ترميم، لا إعادة استخدام، قبل الجرد والحفظ والتصوير، ولا قبل تمكين منظمات التوثيق المتخصصة، السورية والدولية، من القيام بدورها دون قيود انتقائية.

ثالثاً؛ قناة استلام آمنة مُعلَنة للوثائق والأدلة من الأفراد والمنظمات. تشمل: ضمانة قانونية مكتوبة لحامل الوثيقة بعدم الملاحقة، إيصال استلام رسمي، بروتوكول حفظ، رقم ملف، وحق متابعة.

رابعاً؛ بروتوكول مُعلَن لسلسلة حفظ الدليل، يوضح بدقة كيف تنتقل الوثيقة أو الفيديو أو العينة من يد حاملها إلى الهيئة أو القضاء، ومن يطلع عليها، وكيف تُحفَظ، وكيف تُستَخدم، ومن يُساءَل إن ضاعت.

خامساً؛ مسار قضائي وفني واضح، يُحدِّد دور كُلٍّ من الهيئة، وزارتي الداخلية والعدل، النيابة العامة، الطب الشرعي، والخبراء المستقلين. لا يكفي إعلان وجود «غرفة عمليات». يجب نشر أساسها القانوني، أسماء أعضائها، صلاحياتها، وضمانات مراجعة نتائجها.

سادساً؛ شراكة حقيقية مع منظمات المجتمع المدني، لا اتهام. لا يمكن للهيئة أن تحتاج إلى بيانات المنظمات في الصباح، وتعاملها كمتّهمة في المساء. إن كانت هناك خلافات، تُحلّ ببروتوكولات حماية وشفافية، لا باتهامات عامة بـ«العرقلة» و«المتاجرة».

اتهام المنظمات بعرقلة عمل الهيئة، الذي صدر في 1 حزيران (يونيو) 2026، يطرح سؤالاً معكوساً لا يُمكن الهرب منه: ما الذي قدّمته مؤسسات السلطة الانتقالية، خلال عام كامل، للعائلات السورية، استناداً إلى الأرشيف الذي تقول إنها تملكه؟ كم وثيقةَ إعدام، من بين الـ 96 ألفاً، تحوّلت إلى إخطار رسمي لعائلة؟ كم عائلةً، من بين الـ 250 ألفاً، عرفت مصير مفقودها؟ كم سجِلَ وفاة دُقِّق؟ كم فرعاً أمنياً أُغلق بوصفه مسرح جريمة محفوظاً؟ كم موقعاً حُمي قبل تنظيفه أو ترميمه؟ وكم مرة، خلال عام كامل، طلبت الهيئة علناً وقف العبث بالأدلة؟

 *****