حازم صاغية…كاتب لبناني
منذ صباي الأوّل، وكانوا يصفونني بالخلود، كنت أرى تفسّخي واضمحلالي.
ويوم أمس، حين نبشت أوراقي القديمة والقصائد الموزونة المقفّاة التي كنت أكتبها، وجدت هذه الأبيات الحائرة المحيَّرة:
“إن أضاءت تلك القناديل بيتي
تركتْ خلفها سديماً وظلاّ
وأعارت أو استعارت حروفاً
تلد العتم بينما تتسلّى
ثمّ صارت إنساً وسعياً وحقّاً
ثمّ صارت للناس والأهل أهلا
أيُّ ربٍّ مصيرها في الأعالي
فالنبوءات لا تني تتخلّى”.
نعم، علمت أنّ أورشليم سوف تسقط، وكنت أجزم بأنّنا سنعيش معلّقين بين مصر وبابل.
قلت لهم ذات مرّة، وكان الصراخ قد سرق صوتي: اخضعوا لبابل الكريهة إذاً.
فالله سوف يعاقب يهوذا بسبب انحرافها الكثير.
بلى، قلت لهم ذلك: اخضعوا لبابل. لكنّني أضفت: اشتروا، على سبيل الاحتياط، قطعة أرض لأنّ الله سوف يعاقب بابل أيضاً. إنّه سوف يعاقبها ولو بعد حين.
وهم لم يسمعوا. لقد حملوا السكاكين بين أسنانهم وأرادوني حيواناً مقيّداً بسلاسل يُدفن آلاف المرّات.
وفي وسعهم دائماً أن يقولوا إنّهم يكرهونني، لكنّ عليهم أن يعلموا أنّ الله الذي أغواني هو ما جعلني مكروهاً. لقد انغويت وكان ما كان من ألعاب لعبتْها روحي مع المغامرة.
واليوم أقول أحياناً: ليتني لم أولد.
فأنا نبيّ لكنْ مهزومْ،
نبيٌّ لكنْ شكّاكْ،
نبيٌّ لكنْ فاشل،
نبيٌّ لكنْ بكّاء.
غير أنّني أختزن نفوساً كثيرة استضفتُها فيّ، وهم يعيشون على نفْس واحدة طردوا منها نفوس الآخرين. مع هذا لن أبيع الأوهام لإرضاء هؤلاء. سوف أظلّ أمتهن الانهزام والشكّ والفشل، وسوف أظلّ أبكي. فأنا نبيٌّ لا يريد شعباً، ولا تابعين، ولا تلامذة، ولا عَشرة مبشِّرين بالجنّة. إنّني لا أحبّ المتفائلين الذين تهرّأت أسنانهم الأماميّة من شدّة استخدامها.
وهذا النبيّ الذي هو أنا لا يريد أن يقال عنه إنّه مُصيب. إنّه نبيٌّ من طراز جديد، بحسب الرفاق الماويّين في الصين، لا يختلط بزملائه الأنبياء الذين يتألّمون لحبّة ماء وقعت عليها صخرة ثمّ يقولون إنّ التناقض قد حُسم.
فدعوني إذاً لشأني، وألّفوا أنفسكم بأنفسكم عبر عمليّات نفي متلاحقة. بهذا النفي افتتحوا الأسبوع. افتتحوا الزمن وافتتحوا العالم.