ملخص
صدرت حديثاً الترجمة العربية لرواية الكاتب العراقيّ عبّاس خضر عن الألمانيّة بعنوان “مزوِّر الذكريات”، ( منشورات المتوسّط، ترجمة الكاتب والمترجم سمير جريس). وتأتي هذه الرواية بعد اعمال روائية وضعها خضر بالألمانيّة تروي علاقته ببلده الأمّ وعلاقته بدول المهجر، من أبرزها: “الهنديّ المزيّف” (2008) و”برتقالات الرئيس” (2011) و”رسائل من جمهوريّة الباذنجان” (2013).
في 12 فصلاً، وما يربو على المئة صفحة بقليل، يقدّم الروائيّ العراقيّ الألمانيّ عبّاس خضر رواية موجزة سهلة فيها الكثير من سيرته الذاتيّة إنّما أيضاً من معاناة كلّ مهاجر عربيّ إلى أوروبّا. بين بيروقراطيّة قاتلة ودوائر رسميّة قاهرة، بين نظرة البيض الدونيّة المتوجّسة إلى اللاجئين ووطن تمزّقه الحروب والميليشيات، يكتشف القارئ شخصيّة بطل عبّاس خضر وهمومه ومآسيه، ويكتشف أنّ البطل “سعيد الوحيد” وحيد نعم إنّما غير سعيد أبداً.
يهرب بطل عبّاس خضر من العراق، من الاستبداد، من الوحشيّة، من العنف، لكنّه لا يجد الراحة ولا الأمان ولا الملجأ. الأوطان كلّها تلفظه بعد أن لفظه وطنه الأمّ، العراق الذي نهشته الديكتاتوريّة ثمّ الحروب والميليشيات لم يقبله لا عندما كان صغيراً ولا عندما عاد إليه مواطناً ألمانيّاً، فيقول الكاتب: “كانت البلاد قفصاً ضخماً، وكلّ مَن عاش فيه كان إمّا جنديّاً أو عبداً للحكومة. الأوطان ليست سوى سجون في كثير من الأحيان بأدوات تعذيب مسموح بها،”
لا يجد بطل عبّاس خضر ملاذه في وطنه ولا في أيّ دولة هرب إليها. من العراق مروراً بسورية فالأردنّ ومصر وليبيا وصولاً إلى ألمانيا، يرافق القارئ البطل في قصّة ترحال وتشرّد وسفر أبديّ. حتّى ألمانيا التي يقيم فيها البطل منذ سنوات ما يزال يجد نفسه غريباً عنها وما يزال يعيش فيها مهاجراً عربيّاً ينظر إليه أهل البلد البيض الأصليّون بفوقيّة وتوجّس.
وأوّل ما يلفت القارئ في هذه الرواية هو العنوان المشوّق: “مزوِّر الذكريات”. فلماذا سيزوّر البطل ذكرياته؟ أين هي ذكرياته الحقيقيّة؟ ماذا سيخلق من حقائق بديلة؟ ثمّ سرعان ما تأتي الإجابات مع تقدّم السرد. إنّ البطل نسّاء، ذاكرته ضعيفة وتخونه عند كلّ منعطف ما يضطره إلى اختراع أحداث يعتبرها مطابقة لما قد يكون قد وقع فعلاً. كلّ ما حصل مع البطل قبل أكثر من ثلاثة أو ستّة أشهر يمّحى من ذاكرته، لدرجة أنّ الراوي يقول في جملة مضحكة عن لقاء سعيد الوحيد بأقربائه وجيرانه لدى عودته إلى العراق: “على ما يبدو يعرفونه من أيّام عيشه هنا، هؤلاء الناس يأتون وينصرفون مثل الجنّ، يعرفونه ولا يعرفهم.”
يواجه البطل أزمة الذاكرة التي تمنعه عن تذكّر أمور بالغة الأهمّيّة في حياته ومناسبات هي الأخرى مهمّة، ما يثير الكثير من الحنق حوله. لكنّ هذه الذاكرة تنسى لأسباب. هل هي الصدمات الكثيرة التي عرفها في حياته؟ هل هي ذاكرته التي ترفض أن تملأ الثغرات القاسية؟ هل هي السنوات السوداء في العراق والغربة التي تلفظها الذاكرة؟
سفر على ثلاثة أصعدة
يبدو بطل هذه الرواية في سفر لا ينتهي، سفر في الزمان وسفر في المكان وسفر في الذات. فمن ناحية أولى تدور أحداث القصّة في زمن حاضر هو زمن السفر من ألمانيا إلى العراق على وجه السرعة لرؤية الأم المحتضرة قبل وفاتها، لكنّه ليس الزمن الوحيد. يروح البطل مع تقدّم السرد يسترجع رويداً رويداً أحداثاً حصلت معه أو يظنّ أنّها حدثت معه ليقوم السرد بأكمله على العودات إلى الوراء، والعودات إلى أزمنة مختلفة: زمن الطفولة أو زمن المراهقة أو زمن الهجرات الكثيرة والسفر بين الدول المحيطة بالعراق. لكنّ السفر في الزمن والعودات إلى الوراء تبدو محاولات تبوء بالفشل في كلّ مرّة في هذا السرد. فكلّما حاول البطل تذكّر ما وقع، فشل وراح يملأ التفاصيل بما يعتبره ممكن الوقوع، من هنا عنوان الرواية “مزوِّر الذكريات”.
يبدو سفر البطل في الزمن عملاً شاقّاً لدرجة أنّه يروح يخبر عدّة نسخ من الأحداث ليحاول تذكّر أيّها التي وقعت فعلا، فيقول الراوي مثلاً في أحد المواضع: “قد تكون إحدى الحكايتين صحيح، حتّى إنّ هناك حكاية ثالثة، لكنّ سعيد لا يكاد يتذكّرها.”
السفر في المكان هو الآخر مثار فشل لدى البطل، فأينما رحل سعيد الوحيد هو غير مقبول وغير مرغوب وغير قادر على البقاء. الوطن الأمّ يلفظه ويرفضه ويجبره على الهرب بما فيه من ديكتاتوريّة وفقر وبؤس. ثمّ الدول العربيّة هي الأخرى تلفظه الواحدة منها تلو الأخرى، ليجد البطل نفسه مقيماً في ألمانيا التي هي الأخرى ترفضه بعنصريّة ناسها وشرطتها ودوائرها الرسميّة.
حياة البطل في ألمانيا متعبة مرهقة مليئة بالمشاكل والأخطار فرفض العرب والمهاجرين عموماً يضع البطل في مواقف حرجة تؤدّي إلى سجنه حتّى، فيقول الراوي عن سعيد الوحيد وحاله في هذا العالم: “ما يزال لا يثق في هذا العالم، ففي الغربة لا توجد اتّجاهات، والتجارب علّمته ذلك. على الإنسان أن يكون مستعدّاً في كلّ وقت، لكي يًخلي الساحة، أو أن يضرب رأسه في الحائط،”.
تقوم هذه الرواية على الكثير من السرد الذاتيّ وغوص في النفس، عدا عن أنّ البطل يشبه عبّاس خضر الكاتب ويمكن القول إنّه قرينه، وذلك من خلال التوقّف عند عناصر كثيرة من البناء السرديّ، من هنا يأتي السفر الثالث وهو السفر في الذات والذكريات ودوّامات النفس.
يشبه البطل الكاتب بترحاله وبإقامته في ألمانيا وبامتهانه الكتابة وبتعلّمه الألمانيّة وكتابته فيها وبتفاصيل كثيرة يقع عليها القارئ وتكون متشابهة بين حياة الاثنين كمثل وفاة شقيقة البطل وعائلتها في تفجير قرب بيتها وهو ما وقع فعلاً مع الكاتب وترك فيه عميق الأثر.
“مزوِّر الذكريات” رواية سهلة بسيطة مقتضبة للكاتب العراقيّ الألمانيّ عبّاس خضر، يروي فيها العلاقة الشائكة والشاقّة بالزمان والذاكرة ورفض الإنسان بلا وعيه عمليّة تذكّر كلّ الصدمات التي تلقّاها والحقائق البشعة التي عاشها ليخلق بديلاً عنها. هي كذلك رواية العلاقة الشائكة والشاقّة بالوطن والمنافي والرجل الأبيض والبيروقراطيّة الأوروبّيّة والديكتاتوريّات العربيّة، هي رواية استحالة العودة إلى الوطن الأمّ وإلى الأمّ مع صعوبة الإكمال في بلاد ترفض المهاجرين وتنظر إليهم بتوجّس.
تبدو الرواية غنيّة بالموضوعات وهي موضوعات معاصرة اليوم، لكنّ السرد سريع موجز يخلو من التراكم والتعقيد القصّي. الرواية فيها الكثير من الشحّ بالتفاصيل والبنى السرديّة المسطّحة، فحبّذا لو وسّع الكاتب السرد قليلاً، لو عمّق تركيب الشخصيّات، لو بدأ سرده بوتيرة أبطأ وأغنى وأعمق لكانت المتعة أكبر خلال القراءة، مع الإشارة الى متانة ترجمة سير جريس.
