ملخص
ماذا نعرف فعلياً عن البرنامج النووي السوري الذي بقيت أجزاء منه خارج الرقابة الدولية طوال هذه الأعوام؟ وهل انتهى المشروع بتدمير مفاعل الكبر عام 2007؟
قد تبدو الضربة الإسرائيلية التي استهدفت مطار أبو الظهور في شمال غربي سوريا، الـ17 من أغسطس (أب) الجاري، للوهلة الأولى، منفصلة عن ملف المنشآت والمواد النووية التي بدأت تتكشف تباعاً من إرث نظام الرئيس السابق بشار الأسد، لكن وضع الحدثين في سياق واحد يفتح باباً تحليلياً مختلفاً.
لأن إسرائيل لا تنظر إلى سوريا الجديدة بوصفها مجرد ساحة نفوذ عسكري، حيث تتنافس فيها تركيا وإيران وبقايا شبكات النظام السابق، بل أيضاً باعتبارها مساحة تضم بنى ومنشآت ومواد حساسة لم تكشف كل تفاصيلها بعد. وفي وقت تحذر فيه إسرائيل دمشق من السماح بتمركز عسكري تركي في قواعد مثل أبو الظهور، تعود الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى فتح ملف مفاعل الكبر والمواقع المرتبطة بالبرنامج النووي السري السابق، بعد الكشف عن مواد ومواقع لم تكن معلنة طوال عهد الأسد.
ومن هنا، يطرح التزامن سؤالاً أوسع من طبيعة الهدف العسكري نفسه، هل تحاول إسرائيل منع نشوء أي وجود أجنبي داخل منشآت أو قواعد يمكن أن تتقاطع جغرافياً أو لوجيستياً مع ما تبقى من البنية العسكرية والعلمية الحساسة للنظام السابق؟
أسئلة حول حجم النشاط النووي السوري السابق
السلطات السورية الجديدة كانت أبلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في يوليو (تموز) الماضي، بوجود موقع يضم بضعة أطنان من المواد النووية الموروثة عن النظام السابق، وسمحت للوكالة بالوصول إليه تمهيداً للتحقق من هذه المواد وإخضاعها لنظام الضمانات الدولية. وجاء هذا التطور بعدما أعادت نتائج عينات بيئية جمعت عام 2025 من ثلاثة مواقع مرتبطة بملف دير الزور، وأعلنت نتائج تحليلها لاحقاً، وهذا فتح الأسئلة حول حجم النشاط النووي السوري السابق.
بدوره المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، كان أكد خلال زيارته في الـ17 والـ18 من أغسطس، أن السلطات السورية الجديدة قد أبلغت عن وجود كمية كبيرة من المواد النووية في موقع لم يعلن للوكالة بموجب نظام بشار الأسد.
لكن استعادة الملف النووي السوري في هذا التوقيت تتجاوز مسألة تسوية إرث تقني تركه النظام السابق، فهي تتزامن مع إعادة رسم خريطة النفوذ العسكري في سوريا، ومع تشدد إسرائيلي حيال تمركز قوى إقليمية في مواقع عسكرية سورية، ظهر في استهداف مطار أبو الظهور والتحذيرات الإسرائيلية من استخدامه لتمركز قوات تركية.
من يسيطر على تركة الأسد “النووية”؟
لا يوجد حتى الآن ما يثبت وجود علاقة مباشرة بين مطار أبو الظهور والمنشآت أو المواد النووية السورية، لذا لا يمكن التعامل مع الضربة والملف النووي باعتبارهما جزءاً من عملية واحدة، إلا أن تزامنهما يفتح سؤالاً أوسع يتعلق بمصير البنية العسكرية والاستراتيجية التي تركها نظام الأسد، والجهة التي ستسيطر عليها في سوريا الجديدة.
وهكذا تجد سوريا نفسها أمام ملف نووي لم تغلق فصوله بسقوط النظام السابق، فيما تحاول في الوقت نفسه تسوية هذا الإرث مع الوكالة الدولية، وفتح مسار مختلف يقوم على الشفافية والالتزام بالضمانات والاستخدامات السلمية للطاقة الذرية.
فماذا نعرف فعلياً عن البرنامج النووي السوري الذي بقيت أجزاء منه خارج الرقابة الدولية طوال هذه الأعوام؟ وهل انتهى المشروع بتدمير مفاعل الكبر عام 2007، أم أن المواقع والمواد التي تظهر اليوم تكشف عن بنية أوسع مما كان معروفاً؟ ومن كان يدير هذه المواد ويعرف أماكنها بعد تدمير المفاعل؟ وهل بقي هذا الإرث محصوراً داخل مؤسسات النظام السوري، أم تقاطع في مرحلة لاحقة مع شبكات التعاون العسكري التي أقامتها دمشق مع إيران وكوريا الشمالية؟
وفي المقابل، ماذا تعني الحساسية الإسرائيلية المتزايدة تجاه القواعد والمنشآت السورية في مرحلة يعاد فيها توزيع النفوذ بين تركيا وإسرائيل وقوى أخرى؟ وهل يتعلق الأمر فقط بمنع تمركز عسكري تركي، أم بسياسة إسرائيلية أوسع هدفها منع انتقال المنشآت والقدرات الاستراتيجية التي تركها النظام السابق، إلى أي قوة إقليمية جديدة؟
مفاعل الكبر مشروع سري لنظام الأسد
لفهم ما تكشف أخيراً عن المواد والمنشآت النووية التي تركها نظام بشار الأسد، يجب الفصل بدقة بين ثلاثة ملفات مختلفة، مفاعل الكبر، والموقع السري الذي أطلقت عليه تقارير إعلامية اسم “الموقع 99″، و”المشروع 99” التابع لمركز الدراسات والبحوث العلمية السوري.
وهذا يأخذنا إلى سؤال أساس، هل كان البرنامج النووي السوري، وفي مقدمه مفاعل الكبر والمواد المرتبطة به، مشروعاً سورياً خالصاً بمساعدة كورية شمالية، أم كانت لإيران صلة به؟
ووفقاً للأدلة المتاحة حتى الآن والتقارير المحلية والإقليمية، فإن مفاعل الكبر كان مشروعاً سرياً لنظام الأسد، والمساعدة الأجنبية المثبتة في إنشائه كانت كورية شمالية، ولا يوجد دليل علني حاسم يثبت مشاركة إيران في بناء المفاعل، أو تزويده بالمواد النووية، أو دمجه في البرنامج النووي الإيراني.
لكن هذا لا ينهي السؤال الإيراني، لأن إيران أقامت لاحقاً تعاوناً عسكرياً وتقنياً واسعاً مع المؤسسات السورية المسؤولة عن الصواريخ والأسلحة غير التقليدية. وخلال مايو (أيار) 2023، وبعد شهرين من توصل دمشق وطهران إلى اتفاق تزود الأخيرة بموجبه جيش النظام السوري بمنظومة الدفاع الجوي “خرداد 15″، أعلنت إيران استعدادها لبناء “مصانع وإطلاق خطوط إنتاج للمنتجات الدفاعية الاستراتيجية” في سوريا. وذكرت وكالة أنباء “إرنا” الرسمية حينها، أن وزير الدفاع الإيراني العميد محمد رضا آشتياني ونظيره السوري الفريق علي عباس اتفقا على “تعزيز القاعدة الدفاعية لسوريا استعداداً لمحاربة الإرهاب”، مضيفة أن الجانب الإيراني أكد استعداده لتزويد دمشق بأحدث الأسلحة الدفاعية.
ماذا كان مفاعل الكبر؟
وعليه، ربما يجب البحث عن الصلة الإيرانية المحتملة في مرحلة ما بعد إنشاء الكبر وفي شبكة المنشآت السورية الأوسع، فمفاعل الكبر، والمعروف أيضاً في وثائق الوكالة الدولية للطاقة الذرية باسم موقع دير الزور، هو المنشأة التي دمرتها إسرائيل في السادس من سبتمبر (أيلول) 2007 قبل أن تدخل مرحلة التشغيل الكامل.
وبعد أعوام من التحقيق، خلصت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 2011 إلى أن المبنى المدمر كان، “من المرجح جداً” مفاعلاً نووياً غير معلن، وكان ينبغي على سوريا التصريح عنه للوكالة، والأهم أن المعلومات التي حصلت عليها الوكالة أشارت إلى أن المفاعل كان يبنى بمساعدة كورية شمالية. وفي أحدث التطورات، عاد المدير العام للوكالة رافائيل غروسي إلى دير الزور في أغسطس الماضي، وقال إن أعمال الحفر والاستكشاف الجديدة في الموقع، تدعم التقييم القديم للوكالة بأن منشأة نووية كانت تبنى هناك سراً، لذا فإن التوصيف الأكثر دقة للكبر هو أنه كان مشروعاً نووياً سورياً سرياً تابعاً لنظام الأسد، بمساعدة تقنية كورية شمالية مثبتة.
أين تكمن خطورة الكبر؟
لم تكن أهمية الكبر في إنتاج الكهرباء، إذ اعتبرت التقييمات الغربية للمفاعل أن تصميمه كان متوافقاً مع مفاعل يمكنه، عند تشغيله، إنتاج البلوتونيوم، وهذا مهم لأن البلوتونيوم يمكن، بعد فصله ومعالجته، استخدامه في تصنيع سلاح نووي، لكن تدمير المفاعل عام 2007 منع الوصول إلى المرحلة التي كان يمكن فيها معرفة المسار النهائي للبرنامج بصورة عملية.
وعلى مدى ثلاثة أعوام حققت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في ثلاثة مواقع سورية أخرى كانت لديها أسباب للاعتقاد بأنها مرتبطة وظيفياً بموقع دير الزور.
ففي عام 2024 حصلت الوكالة على إمكان الوصول إلى هذه المواقع وأخذت منها عينات بيئية، والنتائج التي أعلنتها الوكالة عام 2025 كانت بالغة الأهمية، فقد عثر في عينات مأخوذة من أحد المواقع على عدد كبير من جزيئات اليورانيوم الطبيعي التي تعرضت لمعالجة بشرية. وتوصل التحليل إلى أن بعض هذه الجزيئات يتوافق مع عملية تحويل مركز خام اليورانيوم إلى أكسيد اليورانيوم، لكن لا تثبت هذه المعلومة وحدها وجود برنامج متكامل لإنتاج الوقود النووي، لكنها تؤكد وجود نشاط نووي غير مفسر يتعلق بمعالجة اليورانيوم خارج مبنى مفاعل الكبر.
وقالت السلطات السورية الحالية إنها لا تملك معلومات تفسر وجود تلك الجزيئات، لأنها تتعلق بأنشطة جرت في عهد النظام السابق، وهنا بدأ يتضح أن الملف الذي تركه الأسد أوسع من مجرد مفاعل دمرته إسرائيل عام 2007
.ماذا اكتشف في 2026؟
وكان أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن دمشق أبلغت الوكالة رسمياً بوجود مواد نووية في موقع لم يكن معلناً سابقاً، وأن الموقع والمواد من إرث النظام السابق. ولاحقاً أعلن غروسي أن الأمر يتعلق بـبضعة أطنان من المواد النووية، وأن هذه المواد ستحصى وتدرج تحت نظام الضمانات الدولية، وفي الزيارة نفسها، تفقد غروسي موقع دير الزور، أي موقع مفاعل الكبر، إضافة إلى الموقع الآخر الذي كشفت عنه السلطات السورية.
لكن الوكالة لم تسم الموقع الجديد رسمياً “الموقع 99” في تصريحاتها العلنية، لكن اسم الموقع ظهر في تقارير صحافية استندت إلى مسؤولين أميركيين وإسرائيليين.
ما هو “الموقع 99″؟
يشير تقرير نشره موقع “أكسيوس” الأميركي، في الـ10 من أغسطس، إلى أن هناك موقعاً سرياً في سوريا يراقبه الإسرائيليون والأميركيون ويشار إليه باسم “الموقع 99″، ونقل التقرير عن مسؤولين إسرائيليين أن نظام الأسد كان يخزن فيه مواد مرتبطة بمشروع مفاعل الكبر، بينها مركز خام اليورانيوم المعروف باسم “الكعكة الصفراء”، وهي مسحوق مستخرج من خام اليورانيوم يمكن معالجته لاحقاً وتخصيبه في إطار دورة الوقود النووي. وأفاد التقرير بأن إسرائيل قصفت مداخل الموقع بعد سقوط نظام الأسد لمنع الوصول إلى المواد الموجودة داخله، وأن الولايات المتحدة عملت على ترتيب حل بالتعاون مع دمشق والوكالة الدولية للطاقة الذرية لتأمين المواد.
وبحسب “أكسيوس” فقد طور نظام الأسد برنامجاً نووياً سرياً، تمحور حول “مفاعل الكبر” الذي قصفته إسرائيل عام 2007، مما أدى إلى تدمير البرنامج النووي السوري إلى حد كبير، غير أن مواقع عدة مخصصة للبحث والتطوير والتخزين ظلت قائمة وكانت غالبيتها غير نشطة. ونقل الموقع عن مسؤول أميركي أن المواد النووية المخزنة داخل “الموقع 99” شملت “الكعكة الصفراء”، إضافة إلى بقايا ومخلفات أخرى من موقع الكبر، بينما أضافت “أكسيوس” أن المواد الموجودة لا يمكن استخدامها في صنع سلاح نووي، لكنها قد تستخدم لصنع “قنبلة قذرة”، وهي عبوة متفجرة تقليدية تعمل على نشر مواد مشعة لتلويث منطقة ما بدلاً من إحداث انفجار نووي.
إذاً “الموقع 99” هو تسمية واردة في تقارير استخباراتية وصحافية لموقع تخزين مرتبط بإرث البرنامج النووي السوري، وهنا يجب عدم الخلط مع “المشروع 99”.
“المشروع 99”
وفي موازاة الحديث عن “الموقع 99” المرتبط بالمواد النووية السورية، يبرز اسم آخر شديد التشابه هو “المشروع 99″، لكن الفصل بينهما ضروري.
بحسب مركز “ألما” الإسرائيلي للبحوث فإن “المشروع 99” هو مشروع عسكري سوري تابع لمركز الدراسات والبحوث العلمية، وليس مشروعاً نووياً بحسب المعلومات المتاحة. ويتمركز الجزء الأكبر منه في منطقة تل قرطل، على مسافة نحو 35 كيلومتراً شمال حمص و18 كيلومتراً جنوب حماة، وكان يعمل في عهد الأسد تحت إشراف “المعهد 4000” أو “القطاع الرابع” في مركز الدراسات والبحوث العلمية، والمسؤول عن تطوير وإنتاج الصواريخ والطائرات.
ووفق تقرير تفصيلي نشره “ألما” عام 2023 خصص “المشروع 99″ أساساً لتطوير وإنتاج الصواريخ الباليستية، بما فيها صواريخ من عائلة سكود. ويقول المركز إن العمل فيه جرى بالتعاون مع متخصصين إيرانيين وكوريين شماليين، وتحدث في تقرير لاحق عن مشاركة عناصر مرتبطة بـ”حزب الله” في المشروع. وينسب “ألما” تأسيس المشروع وإدارته الأولى إلى المهندس السوري محمود إبراهيم، الذي يصفه بأنه من أبرز الشخصيات التي أسست برنامج الصواريخ الباليستية السوري، قبل انتقاله لاحقاً إلى منصب إداري في مركز الدراسات والبحوث العلمية ومقتله عام 2015.
وعاد اسم “المشروع 99” إلى الواجهة في أغسطس الجاري، بعد ظهور تقارير عن “الموقع 99” الذي قيل إنه يحوي مواد متبقية من البرنامج النووي السري لنظام الأسد ومشروع مفاعل الكبر. وهنا طرح “ألما” بنفسه السؤال عما إذا كان الاسمان يشيران إلى الموقع ذاته، لكن المركز قال صراحة إنه لا يمتلك معلومات تسمح له بتأكيد أن “الموقع 99” الوارد في التقارير المتعلقة بالمواد النووية هو نفسه “المشروع 99” الموجود في تل قرطل.
حماية المخزون “النووي” بيد الدولة السورية
وتعتبر تقارير أن المسؤولية الفعلية عن الحماية المادية للمخزون تبقى في يد الدولة السورية، وتعتبر ذلك نقطة الضعف الأساسية في ظل الوضع الأمني القائم، بخاصة أن سوريا لا تزال تعاني عدم الاستقرار ولا تفرض سيطرة كاملة ومتواصلة على جميع أراضيها، في وقت لا تزال خلايا تنظيم “داعش” ناشطة وتستفيد من الثغرات الأمنية.
وفي السياق يحذر البعض من الخطر المحتمل، فيقول إنه في ظل هذه الظروف لا يمكن استبعاد سيناريو تحاول فيه جهات معادية، من بينها خلايا تنظيم “داعش” أو شبكات مرتبطة بإيران بقيت في سوريا أو منظمات إجرامية، الوصول إلى جزء من المواد النووية الموجودة في سوريا، وربما الخطر الأساس تمثل في احتمال سرقة مواد مشعة أو تهريبها أو بيعها أو استخدامها للابتزاز أو لأغراض إرهابية.
أين توجد الصلة الإيرانية المثبتة؟
إيران وعلى مدى عقود كانت شريكاً عسكرياً مهماً لنظام الأسد، وكانت لها صلات موثقة بمركز الدراسات والبحوث العلمية السوري. وتوجد وثائق رسمية أميركية تثبت أن المركز السوري استخدم إحدى المؤسسات التابعة له لشراء مكونات من إيران لاستخدامها في إنتاج الوقود الصلب للصواريخ خلال عامي 2009 و2010، كذلك فإن إيران امتلكت نفوذاً عسكرياً واسعاً داخل سوريا، وأقامت تعاوناً مع مؤسسات النظام المسؤولة عن بعض أكثر برامجه العسكرية حساسية، وتظهر كوريا الشمالية في المسارين معاً.
يشير “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” وفي أكثر من تحليل، إلى أن أحد الأسئلة التي بقيت مفتوحة لدى الاستخبارات الأميركية هو مصدر تمويل مشروع الكبر، ونقل عن باحثين ومسؤولين سابقين أن إحدى الفرضيات التي جرى بحثها كانت أن إيران ربما مولت المشروع وسعت إلى نقل جزء من نشاطها أو أبحاثها النووية إلى سوريا. ولكن غياب الدليل العلني على مشاركة إيران في بناء مفاعل الكبر لا يلغي الأسئلة التي أحاطت بدورها المحتمل في البرنامج السوري منذ اكتشافه، كذلك فإن المساعدة التقنية الكورية الشمالية في بناء المفاعل هي الحلقة الأكثر ثبوتاً، لكن بقيت أسئلة أخرى بلا إجابات حاسمة، في مقدمها مصدر تمويل المشروع، ومصير البنية والمواد التي كان يحتاج إليها، وطبيعة العلاقة بين البرامج السورية الحساسة وشبكة التعاون العسكري التي جمعت دمشق بكل من طهران وبيونغ يانغ.
ويشير “معهد واشنطن” إلى أن إحدى الفرضيات التي بقيت موضع بحث هي احتمال أن تكون إيران قد أسهمت في تمويل الكبر، وأن تكون قد نظرت إلى سوريا باعتبارها مساحة يمكن نقل جزء من النشاط أو البحث النووي إليها، بعيداً من الرقابة المباشرة على منشآتها. ويكتسب هذا الطرح أهميته من أن الاستخبارات الأميركية لم تكن متأكدة من الجهة التي دفعت لكوريا الشمالية كلفة بناء المفاعل، في وقت كانت فيه القدرات المالية لنظام الأسد تثير تساؤلات حول قدرته على تمويل مشروع سري بهذا الحجم بمفرده، لكن هذه الفرضية لم تتحول إلى استنتاج استخباري معلن أو دليل موثق على شراكة نووية إيرانية – سورية.
علاقة ثلاثية عنوانها الصواريخ
وتزداد المسألة تعقيداً بسبب العلاقة الثلاثية التي تشكلت في مجال آخر أكثر وضوحاً، هو الصواريخ، إذ خلص تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس الأميركي إلى أن سوريا تلقت صواريخ وتقنيات مرتبطة بها من إيران وكوريا الشمالية معاً، بينما كان تعاونها النووي المثبت مع كوريا الشمالية. وهذا الفصل مهم، لكنه يكشف في الوقت نفسه أن الدول الثلاث لم تكن تعمل في بيئات منفصلة تماماً، بل ضمن شبكة تعاون عسكري وتقني متداخلة، وإن اختلف مستوى التعاون من برنامج إلى آخر، كذلك فإن العلاقة الإيرانية – الكورية الشمالية نفسها كانت عميقة في مجال الصواريخ. ويشير مركز “38 نورث” المتخصص في كوريا الشمالية إلى وجود سجل موثق من تبادل التكنولوجيا والخبرات الصاروخية بين طهران وبيونغ يانغ، لكنه يؤكد أن الأدلة المتاحة لا تكفي لإثبات تعاون نووي واسع بينهما.
ولذلك يصبح الكبر حالة مثيرة للاهتمام تحليلياً، فكوريا الشمالية التي تعاونت مع إيران في مسألة الصواريخ هي نفسها التي بنت المفاعل السوري، فيما كانت إيران الشريك الإقليمي الأوثق لنظام الأسد.
ومن هنا قد تكون النقطة الأكثر أهمية اليوم ليست البحث فقط عمن بنى الكبر قبل عام 2007، وإنما ما الذي حدث لشبكة البرنامج بعد تدمير المفاعل، فالمواد والمواقع التي يجري الكشف عنها تباعاً تثبت أن الملف لم ينته بالغارة الإسرائيلية، وخلال الأعوام التالية تحول نظام الأسد، ولا سيما بعد اندلاع الحرب السورية، إلى حليف شديد الاعتماد على إيران، فيما توسع الوجود الإيراني داخل البنية العسكرية السورية بصورة غير مسبوقة.
هل كان البرنامج السوري امتداداً للبرنامج النووي الإيراني؟
وهذا يفتح المجال أمام أسئلة مختلفة، هل بقيت المواد والمنشآت والمعرفة المرتبطة بالبرنامج النووي السوري، معزولة طوال تلك الأعوام عن المؤسسات والشبكات التي توسع داخلها النفوذ الإيراني؟ أم أن طهران كانت تعرف بوجودها، أو امتلكت بحكم نفوذها العسكري والأمني القدرة على الوصول إليها، حتى وإن لم تكن شريكاً في المشروع الأصلي؟
حتى الآن لا توجد معلومات علنية تسمح بحسم ذلك، لكن ظهور مواد نووية بقيت خارج الرقابة الدولية طوال هذه المدة، يجعل البحث في مرحلة ما بعد الكبر أكثر أهمية من محاولة إثبات أن إيران كانت وراء المفاعل منذ البداية، فالبصمة الإيرانية إذا ظهرت مستقبلاً قد لا تكون في قرار إنشاء المفاعل، وإنما في معرفة ما بقي من البرنامج، أو الوصول إليه، أو إدخاله ضمن شبكة المصالح العسكرية التي بنتها طهران داخل سوريا خلال الأعوام اللاحقة.
وعليه، لا يمكن اليوم وصف البرنامج السوري بأنه امتداد مثبت للبرنامج النووي الإيراني، لكن يمكن طرح فرضية أكثر دقة، هل مثلت سوريا في مرحلة ما، مساحة احتياطية أو موازية استفاد منها محور “طهران – دمشق – بيونغ يانغ” لتوزيع بعض القدرات والتكنولوجيا الحساسة بعيداً من مواقع البرنامج الإيراني الخاضعة لرقابة دولية أشد؟
إنها فرضية طرحت في دوائر بحثية عدة، لكنها لا تزال تنتظر الأدلة التي تسمح بنقلها من دائرة الاحتمال إلى دائرة الإثبات.
ويمكن ترتيب المعطيات المثبتة بأن مفاعل الكبر كان منشأة نووية سرية بناها نظام الأسد، والمساعدة الخارجية التي أشارت إليها الوكالة كانت كورية شمالية، والتحقيق لم يعد مقتصراً على المفاعل، هناك مواقع أخرى مرتبطة بأنشطة سوريا النووية السابقة، وقد عثر في أحدها على يورانيوم طبيعي تعرض لمعالجة كيماوية. والمثبت أيضاً أن مركز الدراسات والبحوث العلمية السوري أدار برامج للصواريخ والأسلحة غير التقليدية، وكانت له علاقات شراء وتعاون عسكري مع إيران، كذلك فإن “المشروع 99” التابع لهذا المركز مرتبط بإنتاج وتطوير الصواريخ، وهناك تقارير عن تعاون إيراني وكوري شمالي فيه.
هل ورثت إيران البرنامج النووي السوري؟
وبناءً على كل المعطيات الواردة، الخلاصة الأهم التي يمكن استنتاجها، هي أن السؤال الإيراني يبدأ فعلياً بعد تدمير الكبر، لا عند بنائه، فبقاء مواد ومواقع مرتبطة بالبرنامج السوري خارج الرقابة الدولية لأعوام طويلة، يتزامن مع المرحلة التي بلغ فيها النفوذ الإيراني داخل البنية العسكرية والأمنية السورية مستويات غير مسبوقة. ومن هنا يصبح السؤال، هل كان من الممكن أن تبقى بقايا برنامج بهذه الحساسية مجهولة عن طهران طوال تلك المرحلة؟ لا توجد معلومات علنية تجيب عن ذلك، لكن المسألة تستحق البحث من زاوية المعرفة والوصول إلى من كان يدير هذه المواد بعد 2007؟ من عرف أماكنها؟ وهل أتاح النفوذ الإيراني الوصول إلى المواقع أو إلى الأشخاص الذين احتفظوا بأسرار البرنامج؟
لذا فالبحث عن الصلة الإيرانية لا ينبغي أن يقتصر على إثبات شراكة في البرنامج الأصلي، بل على معرفة ما إذا كانت إيران قد ورثت لاحقاً معرفة ببقاياه، أو قدرة على الوصول إليها، وهذا هو الجزء الذي لا يزال مفقوداً من الصورة.
