
على قدر ما اقترفه حزب الله في هدم الدولة وسيادتها، ومنعها من الاستواء والاقتدار، ينحو بعض اللبنانيين من جهة نقيضة على استكمال هذا الهدم، بذريعة التخلص من حزب الله، أو باسم السيادة نفسها.
ما فعله المصرفي والممول السياسي أنطون الصحناوي، أنه وبعد أيام على لقاء الرئيسين دونالد ترامب وجوزاف عون، استضاف على عشاء 15 عضواً بارزين في مجلس الشيوخ الأميركي، إضافة إلى مستشارين لترامب ووزراء، ومعهم رئيس الحكومة الإسرائيلية وزوجته.
ولقاء على هذا المستوى الرفيع والمفعم بالحميمية، يؤكد النفوذ الذي حازه الصحناوي وجعله فاعلاً سياسياً مؤثراً في واشنطن. وهو الذي نسج قبل ذلك في لبنان شبكة واسعة من النفوذ المالي (التمويلي) في الجسم السياسي والإعلامي، علاوة على نفوذه في عصبة المصارف التي أطاحت بالنظام المالي ونهبت اللبنانيين بواحدة من أكبر السرقات في التاريخ الحديث.
وليس افتراء أو تخميناً القول، وفق ما تكشفت عنه وقائع العام 2019 وما تلاها، إن الصحناوي وشركاءه المصرفيين كانوا جزءاً لا يتجزأ من المنظومة السياسية التي وطدها وحماها وشاركها حزب الله في السلطة والمفسدة الكبرى والمنهبة الأكبر. فتعاونوا جميعاً في نهش الدولة وتمزيقها والاستيلاء عليها، كما في السطو على ثروات اللبنانيين والاستيلاء على مقدارت البلد وتوزيعها مغانم وحصصاً.
واليوم، وبعدما أكمل حزب الله مسيرته المظفرة فوق ركام البلد وخرائبه، وما زال مصرّاً على السير في تحطيم ما تبقى، معلناً رغبته في إسقاط السلطة وإخضاع البلاد لمشيئته مجدداً، يأتي السيد الصحناوي ليهشم ليس القانون اللبناني أو ليدوس على كرامة البلد ودستوره وحسب، بل ليطرح نفسه (ومن معه) بديلاً عن الدولة اللبنانية بأسرها، إضافة إلى سرقة جديدة هي سرقة معارضة حزب الله ومصادرة هذا الاعتراض ووضعه في جيبه، ربما كهدية مجانية لإسرائيل.
وفعلة الصحناوي هذه، أقل ما فيها أنها تقفز فوق كل الجهد الذي بذل لصوغ موقف لبناني رسمي أثمر كسباً نسبياً لمصلحة البلد في نظرة ترامب إلى النزاع مع إسرائيل، ورصيداً لا بأس به في التفاوض مع إسرائيل. فالصحناوي يوحي لإدارة ترامب أن اللبنانيين ليسوا على خلاف مع نتنياهو، بل وكأنهم يميلون إليه أكثر من ميلهم إلى موقف الدولة اللبنانية نفسها. وبالموازاة، منح الصحناوي نتنياهو حجة مثالية له أمام ترامب في سجالهما حول لبنان، ربما على نحو يضعف من نتائج قمة عون- ترامب.
وهذا المصرفي، يذكرنا بتجربة حركة 14 آذار، حين راح شطر من سياسييها يتحولون إلى رجال أعمال على النمط المافياوي إلى حد تحويل دماء شهدائهم إلى ماء مبتذل. فهو على السوية نفسها يفعل الآن بنضالات اللبنانيين لاستعادة دولتهم متحررة من الاحتلالات والوصايات والميليشيات، ويحيلها إلى لقمة في فم نتنياهو.
هذا بالضبط هو التحدي الذي يواجه السلطة اللبنانية اليوم، ومعها الشطر الغالب من اللبنانيين، الذين عليهم تحويل فعلة الصحناوي إلى “شيك بلا رصيد”. ولو أن حزب الله ومن معه، سيحاولون بكل حماسة وصم كل معارضيه والحكومة ورئاسة الجمهورية بـ”الصحناوية”. فهذه تحيي عنده ما خبا وانطفأ من عدّته الدعائية والسياسية. وهو تلقف صورة العشاء كهدية سماوية، ورقة ياناصيب رابحة وقعت في يده.