منى مهدية الفريج – سوريّة مدافعة عن حقوق …موقع درج
تتجاوز القضيّة فداء الحوراني ورولا الركبي. فالمشكلة ليست أن امرأتين سوريتين تعرّضتا لنقد قاسٍ. النقد القاسي جزء من السياسة، والنساء لسن بحاجة إلى حصانة من الاختلاف. المشكلة تبدأ حين يتغيّر موضوع النقاش نفسه: مِن “ماذا قالت؟” إلى “مَن هي؟”، ثم إلى “مَن أبوها؟”…
قبل أن تقول فداء الحوراني ما لديها، كان بعضهم قد أصدر حكمه عليها. لم يكن الاعتراض من جانب الحملة التي رافقت الإعلان عن استضافتها للحديث في برنامج “صالون الجمهورية” الذي يُبثّ على قناة “سوريا الآن” القطرية، متعلّقاً بفكرة قالتها أو بموقف سياسي اتّخذته، بقدر ما كان اسمها كافياً لاستدعاء ملفّ يعود إلى عقود مضت… إنها ابنة أكرم الحوراني.
عاد الأب إلى الواجهة: اشتراكيته وصراعاته ودوره في حماة، وعلاقته بالفلاحين ومُلّاك الأراضي، وتحالفاته وخصوماته في التاريخ السياسي السوري. وهنا لا بدّ من الانتباه إلى مفارقة قد تضيع وسط ضجيج السجال الراهن.
فنحن لا نتحدّث عن اسم عابر، ولا عن شخصيّة يمكن اختزال تاريخها في تهمة جاهزة. أكرم الحوراني من الشخصيّات الوطنية البارزة في التاريخ السياسي السوري الحديث، مهما اختلف السوريون في تقييم تجربته وبعض خياراته. وقد كان، إلى جانب نشاطه السياسي المعروف، من المتطوّعين في “جيش الإنقاذ” في فلسطين في عام 1948.
وللمفارقة، يظهر اسم الحوراني في يوميات رجل آخر سيُستدعى اسمه، بعد نحو ثمانية عقود، في مواجهة ابنته: الدكتور فيصل الركبي، والد رولا الركبي. كان الركبي قد تخرّج في كلية الطبّ ويستعدّ للسفر إلى فرنسا للتخصّص، لكنّه عدل عن السفر حين سمع بتشكيل “جيش الإنقاذ”، واشترى بالمال الذي جمعه والده لتعليمه أدوية ومعدّات طبّية، ثم توجّه إلى فلسطين طبيباً مقاتلاً، وفي يومياته يذكر أسماء رفاق تلك الحملة ومن بينهم أكرم الحوراني.
أي أن الرجلين اللذين يجري اليوم استدعاء اسميهما في سياق الهجوم على ابنتيهما، التقيا ذات يوم من أيّام العام 1948 في طريقهما إلى فلسطين.
لا تجعل هذه الواقعة أياً منهما فوق النقد، ولا تحوّل التاريخ إلى سيرة قديسين. فأكرم الحوراني شخصيّة سياسية إشكالية في جوانب من تجربتها، ومن حقّ المؤرّخين والسوريين مناقشة إرثه وآثاره وخياراته. لكنْ ثمّة فارق بين نقد التاريخ واستخدامه كسلاح ضد الأبناء. فالمشكلة ليست في أن نسأل من كان أكرم الحوراني، بل في أن يتحوّل السؤال إلى حجّة ضد فداء الحوراني.
وفداء بدورها، ليست مجرّد “ابنة أكرم الحوراني”. لها سيرتها السياسية الخاصّة: طبيبة وناشطة سياسية شاركت في إعلان دمشق، وانتُخبت في عام 2007 رئيسة لمجلسه الوطني، ثم اعتقلها نظام بشّار الأسد وحُكم عليها بالسجن ثلاث سنوات. أي أن أمام من يريد نقدها تاريخاً سياسياً ومواقف تخصّها هي، يمكن الاتّفاق معها أو الاختلاف عليها من دون الحاجة إلى استدعاء الأب كلما تكلّمت ابنته.
بعد أيّام، تكرّر الأمر بصورة مختلفة مع رولا الركبي. ففي 27 آب/ أغسطس، قدّمت الركبي إحاطة شديدة النقد للمرحلة الانتقالية السورية أمام مجلس الأمن الدولي. تحدّثت عن مركزية السلطة، وضعف الفصل بين السلطات والشفافية والمساءلة، وعن العدالة الانتقالية والفضاء المدني ومشاركة النساء، وحذّرت ممّا اعتبرته خطراً لإعادة إنتاج نظام مشابه للنظام السابق تحت اسم جديد.
في كلامها ما يكفي لخلاف سياسي جدّي. يمكن مناقشة دقّة توصيفها للواقع السوري والاعتراض على استنتاجاتها والسؤال عن مدى توازن خطابها، وحتى عن اختيار مجلس الأمن منبراً لقول ذلك. هذه كلها أسئلة سياسية مشروعة، وليس ثمّة ما يُلزم السوريين بالموافقة عليها لأنها امرأة أو ناشطة في المجتمع المدني.
لكنّ جزءاً من النقاش اتّخذ طريقاً آخر. انتقل من كلامها إلى شخصها، ومن شخصها إلى عائلتها، وصولاً إلى اتّهامها بالخيانة ووضعها إلى جانب فداء الحوراني في خانة “الفلول”. بل ظهر أحد المؤثّرين المناصرين للسلطة الجديدة في مقطع متداول يتّهم الامرأتين بالخيانة؛ نعم بالخيانة!
وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً. كيف تصبح فداء الحوراني التي اعتقلها نظام الأسد بسبب نشاطها في إعلان دمشق، من “فلول” ذلك النظام؟ وكيف تصبح رولا الركبي كذلك، وهي ابنة رجل تصفه سيرته بمسار طويل من السجن والتشرّد في مواجهة الاستبداد، وظلّ رافضاً لنظام الأسد حتى نهاية حياته، وحين اندلعت الثورة السورية في عام 2011 تحمّس لها إلى درجة أنه كان يقول وقد أقعده المرض: “لولا هذا الكرسي لكنت في الشارع مع المتظاهرين”؟
ربما لأن كلمة “فلول” بدأت في مثل هذا الاستخدام تفقد معناها الأصلي. فهي لا تعود وصفاً لمن كان جزءاً من النظام السابق أو مدافعاً عنه، بل تتحوّل إلى أداة لتصنيف الموقف من السلطة الحالية، وقد لا تحتاج وفق هذا المنطق، إلى أن تكون من بقايا نظام الأسد لكي تصبح من “الفلول”؛ يكفي أحياناً أن تكون خصماً للسلطة الجديدة.
هنا تتجاوز القضيّة فداء الحوراني ورولا الركبي. فالمشكلة ليست أن امرأتين سوريتين تعرّضتا لنقد قاسٍ. النقد القاسي جزء من السياسة، والنساء لسن بحاجة إلى حصانة من الاختلاف. المشكلة تبدأ حين يتغيّر موضوع النقاش نفسه: مِن “ماذا قالت؟” إلى “مَن هي؟”، ثم إلى “مَن أبوها؟”، وبعد ذلك “مَن يقف خلفها؟”، وصولاً إلى السؤال الأخطر: “هل هي وطنية أصلاً؟”، هكذا هو الهجوم يبدأ بسؤال “مَن أبوها” وينتهي بنزع “سوريتها” منها!
هكذا ننتقل من تفنيد الرأي إلى نزع الشرعية عن صاحبته، تصبح هذه الآليّة أكثر قسوة حين يتعلّق الأمر بالنساء، لأن المرأة التي تدخل المجال العامّ في مجتمعاتنا تدخل إليه، في كثير من الأحيان، محمّلة بأرشيف إضافي: الأب والزوج والأخ والعائلة والسمعة والحياة الخاصّة. يمكن استدعاء كل هذا في لحظة خلاف سياسي، بحيث يصبح مطلوباً منها أن تدافع عن رأيها وعن نفسها وعن تاريخ عائلتها في الوقت نفسه.
لهذا فالقول إن فداء الحوراني ليست أكرم الحوراني، وإن رولا الركبي ليست فيصل الركبي، لا يحمل أيّ انتقاص من الرجلين. على العكس، لكل منهما سيرته ومكانه في التاريخ السوري، وفي حالة فيصل الركبي لدينا سيرة رجل ترك السفر إلى فرنسا ليتطوّع في فلسطين، وعاش لاحقاً تجربة السجن والمنفى، وظلّ رافضاً للاستبداد حتى أيّامه الأخيرة. لكنّ هذا التاريخ مهما كان مشرّفاً أو إشكالياً أو موضع خلاف، يبقى تاريخ الأب وليس بطاقة تعريف سياسية للابنة.
ولعلّ الاعتراف الحقيقي بالمرأة بوصفها فاعلاً سياسياً يبدأ، للمفارقة، من الاعتراف بحقّها في أن تخطئ. من حقّ رولا الركبي أن تقدّم قراءة يعتقد البعض أنها خاطئة، ومن حقّ فداء الحوراني أن تتّخذ موقفاً لا يعجبنا، ومن حقّنا أن ننتقدهما بقسوة. إذا أخطأت إحداهما، فلنقل أين أخطأت، وإذا قدّمت معلومة غير دقيقة، فلنصحّحها. وإذا اتّخذت موقفاً سياسياً نرفضه، فلنواجه ذلك الموقف. لكنّ الأب ليس حجّة، والعائلة ليست حجّة، والتخوين ليس حجّة، و”الفلول” ليست إجابة عن سؤال سياسي.
والأخطر أن هذا النوع من الهجوم لا يتوقّف أثره عند المرأة التي تتكلّم. هناك دائماً نساء أخريات يشاهدن. امرأة تفكّر في دخول المجال العامّ ترى أخرى يُنبش تاريخ عائلتها لأنها قالت رأياً، وثانية تُتّهم بالخيانة، وثالثة تتحوّل حياتها الخاصّة إلى مادّة للنقاش بدلاً من أفكارها. لا يحتاج إقصاء النساء عندها إلى قرار رسمي يقول لهن “اصمتن”. الرسالة تصل من تلقاء نفسها: فكّرن جيداً في الثمن قبل أن تتكلّمن.
ثم يعود البعض ويسأل باستغراب، مشكّكاً: أين النساء؟ ولماذا حضورهن ضعيف في السياسة ومواقع القرار؟ لكنْ ثمّة فارق كبير بين أن يكون باب المجال العامّ مفتوحاً أمام النساء، وبين أن يكون عبوره آمناً.
وفي قصّتي الحوراني والركبي سؤال سوري آخر لا يتعلّق بالنساء وحدهن: مَن يملك حقّ توزيع شهادات الوطنية؟ لقد عاش السوريون عقوداً تحت نظام جعل من نفسه مرادفاً للدولة والوطن، وكان المعارض في قاموسه “عميلاً” و”خائناً” و”متآمراً”. سقط نظام الأسد، لكنّ سقوط النظام لا يعني بالضرورة سقوط اللغة السياسية التي صنعها، فاللغة قد تعيش أطول من أصحابها، وقد يُعيد استخدامها، للمفارقة، من كانوا يوماً ضحايا لها.
وحين يصبح من الممكن وصف شخص عارض نظام الأسد وسُجن في معتقلاته بأنه من “الفلول” لأنه يعارض السلطة الجديدة، فإن المشكلة لا تعود في دقّة المصطلح فقط، بل في الثقافة السياسية التي تسمح بإعادة إنتاجه. فهل المعارضة حقّ سياسي، أم أن الوطنية تقتضي الولاء للسلطة القائمة؟ وهل الدولة شيء والسلطة شيء آخر، أم أننا نُعيد دمجهما بحيث يصبح نقد الحاكم طعناً بالوطن؟
لذلك ربما علينا تعديل السؤال الذي نكرّره عن ضعف مشاركة النساء في الحياة السياسية. بدلاً من أن نسأل فقط “أين النساء؟”، علينا أن نسأل أيضاً: ماذا نفعل بالنساء اللواتي حضرن؟ هل ناقشنا أفكارهن وعاملناهن كخصوم سياسيات كاملات الأهلية، أم بحثنا عن الأب والزوج والعائلة، ثم انتقلنا من كل ذلك إلى الوطنية والخيانة؟
ليست القضيّة دفاعاً عن فداء الحوراني أو رولا الركبي، وغداً قد تكون امرأة أخرى تقف في الطرف السياسي المقابل لهما وتقول كلاماً نرفضه بالكامل. الاختبار سيبقى نفسه: هل نستطيع أن نختلف معها من دون أن ننزع عنها حقّها في الكلام؟
فالحرّية ليست أن تتكلّم المرأة حين تقول ما نريد سماعه، الحرّية تبدأ عندما تقول ما لا نريد سماعه، ولا نجد للردّ عليها سوى الحجّة.
أختم بالقول: النساء موجودات، وبعضهن وصل بالفعل إلى المنابر. لذلك ربما لم يعد السؤال الأهمّ “أين النساء؟”، السؤال الأصعب هو: “ماذا نفعل بهن عندما يتكلّمن؟”.