ملخص
ليس من السهل اليوم أن يصدر كتاب جديد عن الكولونيالية من دون إثارة السؤال التقليدي: ما الذي لم يُقَل بعد، وما الذي ينتظر أن يُقال؟ فالمكتبة العالمية تغص بالدراسات التي تناولت التوسع الأوروبي وبناء الإمبراطوريات المترافقة مع العنف وحركات التحرر والذاكرة الاستعمارية، التي صار يُنظر إليها اليوم كبنية تاريخية لا تزال آثارها تتردد في قضايا الهجرة والتمييز العرقي وإعادة الممتلكات الثقافية والعلاقات غير المتكافئة بين الشمال والجنوب.
الباحثة المتخصصة في تاريخ الاستعمار وتقاطعاته مع القانون والعلوم الاجتماعية الفرنسية إيمانويل سعادة، أستاذة التاريخ واللغة الفرنسية في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة، لا تضيف كتاباً جديداً إلى تاريخ الاستعمار، لأن كتابها “تواريخ واستعمارات، من سرديات الفتح إلى الإرث ما بعد الكولونيالي” الصادر حديثاً في باريس عن منشورات غاليمار (2026) يتجاوز هذا المأزق، لدعوته إيانا إلى إعادة التفكير في الطريقة التي كتب بها المؤرخون هذا التاريخ طوال العقود الماضية.
بعبارة أكثر وضوحاً، لا يدور كتاب سعدى حول ظاهرة الاستعمار وحدها، بل حول “معرفة الاستعمار”، أي حول الكيفية التي تشكلت بها أسئلة المؤرخين ومناهجهم ومفاهيمهم وسردياتهم، وكيف تغيرت نظرتهم إلى الماضي الاستعماري منذ تسعينيات القرن الـ20؛ الفترة التي تطلق عليها المؤلفة اسم “المنعطف الكولونيالي”. ولعله، في هذه المقاربة، تكمن فرادة وأصالة هذا الكتاب الذي يقدم لقرائه دراسة في تاريخ الكتابة التاريخية أو ما يعرف بـ”الإيستوريوغرافيا”.
يبرز هذا الكتاب ما أتاحته الأبحاث الحديثة من فهمٍ أعمق للظاهرة الكولونيالية في تعقيداتها وتنوعاتها العابرة للقارات على امتداد قرون. ولعله يولي اهتماماً خاصاً باختلال التوازن بين المصادر، وممارسات الأفراد والجماعات، والحدود الفعلية التي واجهت السلطات الاستعمارية.
مراجعة نقدية
ليس الكتاب إذاً عبارة عن سرد كرونولوجي لتوسع الإمبراطوريات الأوروبية، ولا دراسة لإقليم استعماري بعينه؛ إنه مراجعة نقدية واسعة لما يقارب ثلاثة عقود من التحولات التي شهدتها الكتابة التاريخية منذ تسعينيات القرن الماضي، مع تصاعد الاهتمام بقضايا الإرث الاستعماري في المجال العام والنقاشات السياسية التي جعلت من تاريخ الاستعمار أحد أكثر ميادين البحث في العلوم الإنسانية حيوية، سواء في فرنسا أو في دول أخرى، أكانت دولاً استعمارية أم خضعت للاستعمار.
يكشف هذا المسار عن مدى إسهام الدراسات الكولونيالية في إعادة صياغة طرائق البحث التاريخي وكتابة التاريخ، كما يجدد مقاربة السجالات ما بعد الكولونيالية التي تحلل الخطاب الاستعماري معيدة قراءة سردياته بعيون الشعوب المُستعمرة، بدءاً من مبرراته، مروراً بالهيمنة الثقافية، وصولاً إلى تفكيك الإرث المعرفي المتبقي، تمهيداً لكتابة تاريخية أكثر إنصافاً وعدالة.
تفتتح سعدى كتابها بفكرة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تختزل انقلاباً معرفياً في دراسة الاستعمار، كاشفة عن بعض التحولات التي شهدتها الكتابة التاريخية خلال العقود الأخيرة، والمتمثلة في الانتقال من تاريخ يُقرأ ويُكتب من زاوية القوى الإمبراطورية إلى تاريخ يبدأ من منظور المجتمعات التي خضعت للهيمنة الاستعمارية، وما خلفته تلك التجربة في ذاكرتها ومؤسساتها وحياتها اليومية، مما يعيد الاعتبار لتجارب شعوبها وفاعليتها في صنع تاريخها.
فإذا كانت الكتابات التاريخية التقليدية قد انشغلت بالفتوحات والمغامرين والقرارات الصادرة من العواصم الأوروبية، مهملة الشعوب المستعمَرة، فإن إيمانويل سعدى تؤكد أن هذا النموذج قد بدأ بالتراجع مع صعود دراسات التاريخ الاجتماعي وما بعد الكولونيالية والأنثروبولوجيا التاريخية، التي أعادت الاعتبار إلى تجارب هذه الشعوب الخارجة من صورة الضحية السلبية، والتي أبرزت قدرتها على العمل والمقاومة والتفاوض وإعادة تشكيل واقعها وصنع مساراتها الخاصة، ولو كانت ترزح تحت نير سلطة كولونيالية عنيفة. لكن ذلك لا يعني التخفيف من وطأة الاستعمار، بل على العكس من ذلك، إن الدراسات الجديدة جعلت فهمه أكثر دقة، لأنها تناولته من داخل العلاقات الاجتماعية اليومية، لا كحدث عسكري.
فضاء معقد
ولعل إيمانويل سعادة باحتفائها بهذا التحول، تسعى أيضاً إلى تقييمه نقدياً، مؤكدة أن الاستعمار لم يكن يوماً علاقة أحادية الاتجاه بقدر ما كان فضاء معقداً من التفاعلات والمواجهات والتسويات.
هنا تكمن إحدى أهم أفكار الكتاب. فالكاتبة ترفض السرديات المبسطة، سواء تلك التي مجدت المشروع الإمبراطوري في الماضي، أو بعض المقاربات المعاصرة التي حولت التاريخ الاستعماري إلى محاكمة أخلاقية لا ترى فيه سوى مواجهة بين الجلاد والضحية. بالنسبة إليها، لا يستطيع المؤرخ أن يتخلى عن الوقائع المعقدة باسم الالتزام الأخلاقي، كما لا يجوز له أن يُذيب العنف الاستعماري في تفاصيل الحياة اليومية. فالتاريخ الحقيقي، كما يوحي الكتاب الواقع في 463 صفحة، يبدأ عندما نستطيع الجمع بين الأمرين.
لذا، تقترح سعادة إعادة التفكير في الاستعمار باعتباره “وضعاً” يُنتج أنماطاً من العلاقات والبنى الاجتماعية، أكثر من كونه نظاماً سياسياً. ذلك أن السيطرة لا تُمارس عبر الجيوش والإدارات فحسب، بل تتجسد أيضاً في المدرسة والمحكمة والأسرة وسوق العمل والإرساليات الدينية والعلاقات الاجتماعية وفي اللغة التي تُصاغ بها القوانين والأحكام العرقية. ولعل هذا الانتقال من دراسة المؤسسات إلى دراسة الممارسات اليومية هو ما منح في رأي الباحثة الدراسات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية حيويتها الجديدة.
لكن الاعتراف بتنوع التجارب الاستعمارية لا يعني إنكار وجود قاسم مشترك بينها. فإيمانويل سعادة تصوغ ما يمكن تسميته “النواة الصلبة” للاستعمار في ثلاثية واضحة قوامها: الاستيلاء على الموارد، واستخدام العنف، وإخضاع الشعوب المُستعمَرة لمنظومات الحكم والسيطرة، مؤكدة أنه مهما اختلفت الإمبراطوريات في خطابها أو أساليبها، فإن هذه الثلاثية تشكل الأساس الذي تقوم عليه التجربة الاستعمارية في مختلف أنحاء العالم.
ومن أكثر فصول الكتاب إثارة للاهتمام تلك التي تخصصها المؤلفة للأرشيف الكولونيالي والتي تتناول فيها الوثائق الاستعمارية كجزء من النظام الذي أنتج هذا الماضي، شارحة كيف أن الإدارات الاستعمارية هي التي كتبت التقارير، وأجرت الإحصاءات، وصاغت القوانين، وحددت الفئات القانونية والعرقية، ولذلك فإن الأرشيف يعكس، قبل كل شيء، منظورها السلطوي. لذا، تقول سعدى إن مهمة المؤرخ الدارس للظاهرة الاستعمارية لا تنحصر في جمع المعلومات من الوثائق الأرشيفية، بل تبدأ فعلياً عند إخضاع هذه الوثائق للنقد والتحليل. فالسؤال لا يقتصر على ما تقوله الوثيقة، وإنما يمتد إلى كيفية إنتاجها: من صاغها، ولأي غاية، وما الذي تعمدت إغفاله أو إسكاته، ومن هم الفاعلون الذين استُبعدت أصواتهم من سجلها؟ ومن هذا المنطلق، تدعو المؤرخة إلى قراءة الأرشيف في “اتجاه معاكس”. ففي هذا الأرشيف، لا تقتصر مهمة المؤرخ على استنطاق ما يبوح به من معلومات، بل تمتد إلى التنقيب عن آثار المستعمَرين في هوامشه، وفي الصمت الذي يكتنف وثائقه، وفي الشهادات الشفوية، والأدب، والثقافة المادية، وسائر المصادر التي تكشف ما تعجز الوثائق الرسمية عن الإفصاح عنه.
السلطة الاستعمارية
ويُحسب للكتاب أنه يبتعد عن الصورة التقليدية التي تصور السلطة الاستعمارية كجهاز متماسك لا يخطئ. فالدراسات الحديثة التي تستعرضها المؤرخة تكشف هشاشة الإدارة الاستعمارية أكثر مما تكشف قوتها. لذا نراها تشير إلى نقص الموظفين، وضعف الموارد، والحاجة الدائمة إلى التفاوض مع النخب المحلية، فضلاً عن المقاومة اليومية التي لم تتوقف أبداً، مؤكدة أن هذه العوامل تجعل الاستعمار يبدو كسلطة قلقة، لا كسلطة مطلقة.
وفي السياق ذاته، يبرز الكتاب التحول الذي عرفته الدراسات المقارنة للاستعمار، إذ لم يعد الباحثون يدرسون كل إمبراطورية استعمارية بمعزل عن غيرها، بل اتجهوا إلى استكشاف الروابط التي نسجتها الإمبراطوريات في ما بينها، من خلال تبادل الخبرات الإدارية، وانتقال التصنيفات والقوانين العرقية، وحركة الأفكار والأشخاص. ومن ثم، لم يعد تاريخ الاستعمار يُقرأ بوصفه تاريخاً وطنياً منفصلاً لكل إمبراطورية، بل غدا جزءاً من تاريخ عالمي متشابك ومترابط.
ولا تخفي سعادة تقديرها للدراسات ما بعد الكولونيالية، لكنها تتعامل معها بقدر كبير من التحفظ العلمي. فهي تعترف بأنها أسهمت في زعزعة المركزية الأوروبية، وأعادت الاعتبار للأصوات المهمشة، وفي نقد التصنيفات التي أنتجها النظام الاستعماري، وكذلك في التفكير في الآثار التي خلفها الاستعمار. غير أنها تذكرنا بأن النظرية لا يمكن أن تحل محل البحث التاريخي القائم على الوثائق والتحقيق النقدي للمصادر. فالالتزام الفكري، مهما كان مشروعاً، لا يعفي المؤرخ من صرامة المنهج.
في فصوله الأخيرة، وكما يشير العنوان الفرعي، يطرح الكتاب سؤال الإرث الاستعماري، وهو السؤال الأكثر حضوراً في النقاش العام. لكن سعادة ترفض التفسيرات التي تجعل كل مشكلات الحاضر كالذكريات المتعارضة والمتنازَع عليها، والنقاشات حول إعادة الممتلكات والآثار والتعويض عن الأضرار، وأشكال التمييز التي ورثتها المجتمعات عن النظام الاستعماري، والهجرات في مرحلة ما بعد الاستعمار، وإعادة تشكيل الهويات، نتيجة مباشرة للماضي الاستعماري. فهي تدعو إلى دراسة الروابط التاريخية الفعلية التي تصل بين الماضي والحاضر، بدل اللجوء إلى تفسيرات عامة أو اختزالية. فالتاريخ، في نظرها، لا يقدم أحكاماً نهائية بقدر ما يفسر العمليات المعقدة التي صنعت عالمنا المعاصر.
ختاماً، تتجلى قيمة هذا الكتاب في قدرته على الجمع بين العمق النظري والوضوح المنهجي. فهو لا يغرق القارئ في متاهات المصطلحات، ولا يكتفي باستعراض المدارس التاريخية والاتجاهات البحثية، بل يقدم قراءة نقدية لمسار تطور حقل الدراسات الاستعمارية، موضحاً كيف أعادت الأسئلة الجديدة تشكيل فهمنا لهذه الظاهرة، وغيرت طرائق قراءتها وكتابة تاريخها.
لكن، لا يخلو الكتاب من بعض الملاحظات التي ينبغي التوقف عندها. فهو أقرب إلى عمل تركيبي يقدم حصيلة ثلاثة عقود من البحث والنقاش الأكاديمي حول التاريخ الكولونيالي منه إلى دراسة ميدانية تقوم على أرشيف جديد أو تقدم نتائج بحثية غير مسبوقة حول حالة استعمارية بعينها. ولذلك قد لا يجد فيه القارئ الباحث عن تحليل تفصيلي لتجربة استعمارية محددة ما يروي فضوله. غير أن ما قد يبدو للوهلة الأولى نقطة ضعف، يتحول في الواقع إلى عنصر قوة؛ إذ ينجح الكتاب في جمع عشرات الدراسات والمقاربات المختلفة ضمن إطار تحليلي متماسك، مبرزاً التحولات الكبرى التي عرفها هذا الحقل المعرفي، كاشفاً الروابط التي تصل بين قضاياه المتعددة من أنظمة الهيمنة إلى أشكال المقاومة، ومن إنتاج المعرفة الاستعمارية إلى آثارها المستمرة في المجتمعات المعاصرة.
وتبرز أهمية الكتاب أيضاً في جملة من السمات المنهجية والعلمية. فهو يتميز باتساع دائرة المراجع التي يستند إليها، وبإحاطته الدقيقة بأهم النقاشات التاريخية والمنهجية التي طبعت تطور الدراسات الاستعمارية الراهنة. كما ينجح في إقامة حوار خصب بين مجالات معرفية مختلفة، جامعاً بين التاريخ الاجتماعي والتاريخ السياسي والتاريخ القانوني والأنثروبولوجيا، فضلاً عن تقديمه تأملاً منهجياً عميقاً في طبيعة المصادر والأرشيف، وفي الشروط التي تجعل من كتابة تاريخ الاستعمار عملية نقدية تتطلب مساءلة الوثائق نفسها، لا مجرد استعمالها.
لذا يمكن اعتبار “تواريخ واستعمارات” واحداً من أبرز الإصدارات الفرنسية في مجال الدراسات الكولونيالية في السنوات الأخيرة التي تحث على فهم الاستعمار في تعقيداته التاريخية، وعلى التعامل معه بمزيد من الدقة، لا سيما في مقاربة الذاكرة الاستعمارية وإرثها المستمر في الحاضر. ذلك أن الاستعمار ظاهرة تاريخية مركبة، تجمع بين أشكال العنف البنيوي وآليات السلطة والمعرفة، وبين التجارب الإنسانية المتعددة التي تشكلت داخل هذا السياق.
