إن تقدير سبب الوفاة مرتبط بحقوق العائلات في التقاضي ومحاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان خلال الأعوام الماضية، وهو من الشروط والقواعد الأساسية في القضاء العادل والعدالة الانتقالية، التي  تقوم على استيفاء الحقوق بالطرق القانونية، وضمان ألا يتكرر ما حصل من ظلم وأحكام غير شرعية في ظلِّ الحكم السابق. وفي سياق العمل في المقابر الجماعية والبحث عن المفقودين الذين تحوّلت أجسادهم إلى هياكل عظمية بعد سنوات من الدفن، تُعدُّ الأنثروبولوجيا الشرعية هي الطريقة العلمية المعتمدة لدراسة سبب الوفاة، مستعينة بالمعلومات الواردة من التحقيقات وعملية استخراج الرفات. ويُشكِّل هذا التخصص الذي يُعنى بالرفات المتحلّلة علماً موازياً للطب الشرعي، بيد أن الأخير يتعامل مع الجثث والأنسجة الرخوة.

لا يقتصر دور الأنثروبولوجيا الشرعية على الجانب العلمي والإنساني فحسب، وإنما يتعداه إلى دعم المسارات القضائية أيضاً. وقد أسهمت في التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، وفي الإجراءات القضائية اللاحقة التي أفضت إلى إداناتٍ جنائية بحق أفرادٍ متهمين بارتكاب فظائع مرتبطة بالإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، في كلٍّ من الأرجنتين وغواتيمالا، وفي قضايا نُظِرت أمام المحكمة الجنائية الدولية لرواندا (ICTR) وأمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة (ICTY).

ما هي الأنثروبولوجيا الشرعية، وما الفرق بينها وبين الطب الشرعي؟

تُعرّف الأنثروبولوجيا الشرعية بأنها تطبيق أساليب الأنثروبولوجيا الفيزيائية ونظرياتها، ولا سيما تلك المُتعلِّقة باستخراج الرفات البشري وتحليله، بهدف معالجة المسائل القانونية. ويشمل ذلك فحص الهياكل العظمية البشرية للإجابة على أسئلة طبية قانونية، من بينها تحديد الهوية. وفق ما يُورده بروتوكول مينيسوتا 2016.

أمّا في الجرائم وحوادث السير وحالات الانتحار والكوارث الطبيعية، وغيرها من حالات الوفاة أو القتل قريبة العهد، التي تبقى فيها الجثة غير متحلّلة، فيتولى الأطباء الشرعيون وأطباء الأسنان الشرعيون دراستها لتحديد الجنس، والعمر التقريبي، والصفات الجسدية المميزة، وفحص الأسنان، وتقدير زمن الوفاة، وذلك بإجراء تحاليل وفحوص مختلفة، منها تحاليل السمية، والتشريح، والتصوير الشعاعي. وتعتمد هذه الإجراءات أساساً على وجود أنسجة رخوة وسوائل الجسم (جثة غير متحلّلة، أو متحللة جزئياً).

ويُحدِّد الأطباء الشرعيون (وأطباء الأسنان الشرعيون) هوية الشخص، كما يُقدِّرون سبب الوفاة ونوع الأداة المستخدمة أو طبيعة الإصابة، وتُضمَّن هذه البيانات كافة في تقرير يُرفَع إلى القضاء للمساعدة على التحقيق في الحالات وفهم ملابساتها.

ولكن ماذا يحصل عندما لا تعود هناك أنسجة رخوة وسوائل جسمية؟ وهذا ما ينطبق على معظم الحالات المرتبطة بالمقابر الجماعية في سوريا، إذ لم يبقَ فيها سوى هياكل عظمية، ممّا يجعل قدرة الطب الشرعي التقليدي محدودة. وهنا تبرز الحاجة إلى الأنثروبولوجيا الشرعية بوصفها تخصصاً أساسياً ومكمّلاً في منظومة مُتعدّدة الاختصاصات، إذ تُسهِم في مساعدة العائلات على تحديد هوية المفقودين، وتقدير أسباب وفاة ضحايا المقابر الجماعية أو آلية الإصابات التي تعرضوا لها. كما تُمكِّن العائلات من استرداد رفات أحبائها بعد طول انتظار، والمضي قدماً نحو المحاسبة والعدالة الحقيقية، بوصفهما جزءاً لا يتجزأ من مسار العدالة الانتقالية.

كيف يعمل مختصو الأنثروبولوجيا الشرعية في المختبر؟

لتبسيط آلية عمل خبراء الأنثروبولوجيا الشرعية، يُمكِن تصوُّر حالة افتراضية لا تستند إلى واقعة حقيقية، وإنما تهدف إلى توضيح خطوات العمل. فلنفترض أن مختبر الأنثروبولوجيا تسلَّم عشرة صناديق تضمّ رفاتاً بشرياً، واردةً من قسم استخراج الرفات، وتلقى معلومات تُفيد بأن الرفات عُثر عليه في قرية صغيرة كانت قوات الجيش قد اقتحمتها، واعتقلت عشرةً من أهاليها، من الشبان والنساء، وقتلتهم في مكان واحد، ثم دفنتهم في مقبرة جماعية واحدة، كما أشارت المعلومات إلى أن أصحاب الرفات عُثر عليهم مطروحين على وجوههم، وأن بعضهم مكبَّلو الأيدي.

لنفترض أن إحدى العائلات تبحث عن ابنتها المفقودة في تلك الحادثة، وأنها تعرّضت – قبل نحو ثلاث سنوات من الاعتقال – لكسر في ساقها استلزم تثبيت صفائح معدنية، ثم أُزيلت لاحقاً بعملية جراحية جراء ألم أو التهاب. في هذه الحالة لا يقتصر عمل خبير الأنثروبولوجيا الشرعية على دراسة الرفات العظمية لتحديد الفئة العمرية والجنس فحسب، بل يبحث أيضاً عن العلامات التي قد تُساعِد في إعادة الاسم إلى صاحب الرفات.

بعد التأكد في المختبر من بشرية الرفات، وأنه لا يعود إلى عصور قديمة أو إلى سياق أثري مختلف، تُنظَّف العظام، وتُفحص، وتصوّر بالأشعة، فقد تظهر داخل العظام مقذوفات نارية، أو كسور، أو صفائح معدنية، ثم يُجرى جرد للعظام الموجودة للتأكد من أنها تعود إلى فرد واحد فقط، وفق ما ورد من قسم استخراج الرفات.

ثم يُفحص الرفات لبناء ما يُسمّى بالملف البيولوجي له، وهو محاولة تقدير الجنس، والعمر التقريبي عند الوفاة، والطول، والأصول. ولا يعتمد الخبير على عظم واحد فقط، بل يدرس عدة أجزاء من الهيكل العظمي، مثل الحوض، والجمجمة، وعظم الفخذ، والأسنان، ونقاط التحام العظام، ثم يجمع هذه المعلومات للوصول إلى تقدير علمي أكثر موثوقية.

في المثال الافتراضي نفسه، قد يُلاحظ الخبير وجود موضع التئام في عظم الساق، وآثار براغٍ معدنية تتوافق مع ما ذكرته العائلة عن العملية الجراحية التي خضعت لها المفقودة. وقد لا تكفي هذه العلامة وحدها لتأكيد الهوية بشكل نهائي، ولكنها تُضيّق دائرة البحث إلى حد كبير. فإذا كان الرفات يعود إلى امرأة في عمر قريب من عمر المفقودة، وبِطول مُماثل، ومع وجود العلامات المميزة نفسها على عظم الساق، أصبحت عملية تحديد الهوية أكثر مصداقية وموثوقية، بعد اتباع منهجيات تحديد الهوية الأساسية المُتعارف عليها علمياً وعالمياً.

ويتمثل الدور الآخر لقسم الأنثروبولوجيا في دراسة سبب الوفاة، إذ تُدرَس الإصابات الموجودة على العظام، خاصة الإصابات التي حدثت حول وقت الوفاة، فإذا ظهرت على الجمجمة أو العظام آثار تتوافق مع إصابات نارية، أمكن للخبير أن يذكر أن الرفات يحمل دلائل على تعرض الشخص لطلق ناري، ومع ذلك، ينبغي أن تكون الاستنتاجات دقيقة؛ إذ يمكن في بعض الحالات تقدير سبب الوفاة أو آلية الإصابة بدرجة عالية من الثقة، بينما في حالات أخرى، لا تسمح حالة الرفات بذلك، خصوصاً إذا لم يترك سبب الوفاة أثراً واضحاً على العظام.

تزداد صعوبة العمل عندما يكون الرفات مختلطاً. ففي مقبرة تضم عشرة أشخاص، قد تختلط العظام بسبب طريقة الدفن، أو مرور الزمن، أو تدخلات غير علمية لاحقة. وعندها لا يعود السؤال مقتصراً على: «من هذا الشخص؟» بل يمتدُّ إلى سؤال آخر: «أي عظم يعود إلى أي فرد؟» في هذه الحالات، يحاول الخبراء تحديد الحد الأدنى لعدد الأفراد، ثم فرز العظام ومطابقة بعضها ببعض قدر الإمكان، وقد تنجح هذه العملية جزئياً أو كلياً، بينما تفشل أحياناً إذا كان الرفات شديد التشظي أو الاحتراق أو الاختلاط.

لهذا السبب، لا يُمكن التعامل مع المقابر الجماعية بخفة أو بطرق عشوائية؛ فأيُّ استخراج غير علمي قد يؤدي إلى خلط الرفات وفقدان الأدلة، ويحرم العائلات من معرفة هوية أحبائها أو استلام رفاتهم كاملاً.

أمّا العمل العلمي المنظّم، فهو لا يُعيد العظام إلى المختبر فقط، بل يحاول أن يعيد للضحايا أسماءهم، وللعائلات حقها في المعرفة، ويوفر للقضاء أدلةً يمكن أن تساعد في فهم ما حدث ومحاسبة المسؤولين.

لماذا يُعدُّ استخراج الرفات بطريقة غير علمية أمراً مدمراً على مدى الأجيال؟

قد يحاول بعض الأشخاص استخراج الرفات من المقابر الجماعية بحسن نية أو لأسباب أخرى، إلا أن القيام بذلك من دون اتباع منهجية علمية قد يُخلّف ضرراً جسيماً لا يُمكِن تداركه.

فعند التعامل مع المقابر الجماعية، يتصدر جرد الرفات مهام المختصين بغية تحديد العظام التي تعود إلى كل ضحية على حدة، فإذا عُبِث بالمقبرة أو اختلطت الأجزاء، أصبح من الصعب، وربما من المستحيل، جمع العظام العائدة لكل فرد، الأمر الذي يُعرقل دراسة الرفات وتقدير خصائصها البيولوجية وعلاماتها المميزة، ويحد من إمكان تحديد الهوية أو تقدير سبب الوفاة. وهذا لا يعني خسارة معلومة علمية فقط، بل قد يحرم العائلات أيضاً من حقها في المحاسبة والتقاضي في قضايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

ولا يقتصر الضرر على الحاضر، بل يمتد أثره إلى المستقبل أيضاً. فحين يعجز المختصون عن جمع كلِّ العظام العائدة للضحية نفسها، يفضي الأمر إلى استلام العائلة – حتى إذا أمكن تحديد الهوية – رفات ابنها ناقصاً، وقد لا تستلم في بعض الحالات إلا جزءاً واحداً من الرفات، مثل عظم الفخذ فقط.

وهذا من أكثر الأمور إيلاماً لذوي المفقودين؛ إذ يتعدى الضرر خسارة الأدلة، ليمسّ حق العائلة في معرفة الحقيقة واسترداد رفات أحبائها بما يحفظ الكرامة.

لماذا لم يستخرج الرفات بعدُ لدراسته في المختبرات؟ وهل سوريا وحدها تفتقر إلى هذا التخصص؟

«تعاني سوريا من نقص في الأطباء الشرعيين، وتفتقر تماماً إلى خبراء الأنثروبولوجيا الشرعية، مما يُعيق إجراء تحقيقات شرعية سليمة». من مقالة بعنوان: الحالة الراهنة للأنثروبولوجيا الشرعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، المنشورة عام 2025 في المجلة المصرية للعلوم الشرعية، (سندي منصور، ونيكولاس ماركيز غرانت، وماريا بينيتو، وآخرون).

فهذا التخصص غير موجود في الجامعات السورية؛ لأن دكتاتورية الأسد كانت تعادي كلَّ مَن يسعى إلى التحقيق في انتهاكاتها، كما استغلت الطب الشرعي السوري للتستر على جرائمها بحق المعتقلين، من خلال إصدار شهادات وفاة مزوّرة تدّعي أن المعتقلين والمعتقلات تُوفُّوا نتيجة أزمة قلبية أو غيرها من الأسباب الملفقة. ولي أصدقاء قُتِلوا تحت التعذيب في المعتقلات، ولم يتمكن أهلهم، حتى بعد مرور عدة سنوات، من استلام سوى شهادات وفاة كاذبة، تعزو وفاتهم إلى المرض، دون أن يُسلَّم الرفات إلى ذويهم لدفنه بكرامة.

وفي وقت لاحق، درّبت سلطات الأسد، بالتعاون مع الصليب الأحمر، بعض كوادر الطب الشرعي، وكان معظمهم من أطباء الأسنان، غير أنها استخدمت ذلك في عمليات التعرّف على مفقودي الجيش السوري السابق، بينما تركت مئات الآلاف من العائلات السورية دون حق التعرّف على مصير أحبائها المفقودين والمعتقلين؛ كما أن هناك حالات متعددة مارست فيها سلطات الإجرام الضغط على الطبابة الشرعية بهدف استخراج إقرار بتحديد الهوية على الرغم من عدم قناعة الطبابة الشرعية بذلك من الناحية العلمية. لم يكن القصد من هذه الدورات تدريب كوادر الطب الشرعي السوري، بل كان هدفها تعزيز آلة الإجرام والكذب على عائلات المجندين والعسكريين السوريين، لا سيما أن هذه الدورات كانت تقتصر على بضعة أسابيع، وهي مدة لا تؤهل أبداً للعمل على ملف المفقودين.

لا تُعدُّ سوريا المثال الوحيد الذي يفتقر إلى الخبرة في علم الأنثروبولوجيا الشرعية (الفيزيائية) بعد مرحلة الدكتاتوريات، إذ إن دخول هذا العلم إلى الدول التي تحرّرت من الدكتاتورية ارتبط بعمليات البحث في المقابر الجماعية. فمثلاً، بدأ إنشاء الفريق الأرجنتيني للأنثروبولوجيا الشرعية عام 1984، وذلك بعد انتهاء الدكتاتورية فيها عام 1983، وتلاه الفريق الغواتيمالي الذي أُنشِئ عام 1997 إثر انتهاء الصراع المسلح في 1996، كما تشكّل فريق في البيرو عام 2001 عقب انتهاء الحرب الداخلية عام 2000.

ولا يمكن الحديث عن هذه المنظمات الخبيرة الثلاث دون التنويه بأن إنشاءها جاء نتيجةً لسعي العائلات وضغطها لإنشاء آليات للبحث عن المفقودين، ولاستدعاء الخبير الدكتور كلايد سنو Clyde Snow) (1928-2014، وهو خبير أميركي متمرّس في هذا المجال، وقد استُدعي من الولايات المتحدة إثر ضغط العائلات في أميركا اللاتينية على حكوماتها من أجل إنشاء هذه الفرق المتخصصة، التي أسهمت في وقت لاحق بشكل كبير في تطوير هذا العلم ومنهجياته، ونشره في عدد كبير من الدول من خلال نشاط أعضائها. ومن هذه الدول اليوم سوريا، إذ أجروا زيارات قصيرة لدعم تنمية الخبرات المحلية، غير أن هذه التدريبات لا تزال قاصرة حتى اليوم عن معالجة ملف المفقودين الضخم.

أمّا في إسبانيا، فقد نهضت عائلات المفقودين وكافحت، بعد انتهاء حقبة فرانكو عام 1975 وتجاوز تبعات انقلاب عام 1981، لدفع المختصين المحليين العاملين في مجالات علمَي الآثار والأنثروبولوجيا الشرعية، فضلاً عن السياسيين، إلى التحرك من أجل التعرّف على المفقودين، وقد أسفر ذلك عام 2000 عن إطلاق الموجة الحديثة للنبش العلمي، التي تتضمن استخدام الخبرات الأنثروبولوجية المحلية في مجال البحث عن المفقودين.

كما بدأت عمليات البحث عن المفقودين في العراق عقب انتهاء حقبة صدام حسين عام 2003، وذلك عبر تعزيز الخبرات المحلية في علم الأنثروبولوجيا الشرعية، بدعم من اللجنة الدولية للمفقودين (ICMP)، واللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، ومع ذلك لا يزال العراق يعاني نقصاً شديداً في خبراء الأنثروبولوجيا الشرعية المتمرسين والمتخصصين في تقنيات التعرّف على الرفات البشري، ويواصل بناء قدرات فرقه المحلية بالتعاون مع الخبرات الدولية.
أمّا في الكويت، فقد عملت السلطات، منذ 1991، بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، على متابعة ملف المفقودين بعد حرب الخليج عام 1990، إلا أنها تعاني أيضاً من غياب الخبراء المحليين والمتخصصين في علم الأنثروبولوجيا الشرعية.

ما هي الحلول الممكنة في سوريا في مجال الأنثروبولوجيا الشرعية؟

تواجه الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا إرثاً كبيراً وتحدياً هائلاً في معالجة ملف المفقودين، وقد تعاونت مع عددٍ من الجهات الخبيرة، مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، واللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP)، والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين (IIMP)، كما تلقى عدد من العاملين السوريين تدريبات مكثّفة قصيرة في مجالات عدة، ومن بينها الأنثروبولوجيا الشرعية، بالتنسيق مع الفريق الغواتيمالي (FAFG)، والفريق الأرجنتيني (EAAF). مع ذلك، ما زال موضوع بناء الخبرات المحلية عمليةً تحتاج إلى وقتٍ وجهدٍ، وقد يكون من المناسب في المرحلة الحالية اتباع المسار اللاتيني والعراقي باستقدام الخبرات الدولية لتدريب كوادرنا المحلية على دراسة الرفات المستخرج من المقابر التي تتولاها الهيئة الوطنية حالياً. وفي موازاة ذلك، ينبغي أن يُبنى المسار الأكاديمي السوري في الأنثروبولوجيا الفيزيائية أو الحيوية ضمن كليات العلوم الطبيعية أو الأنثروبولوجيا (علم الإنسان)، كما هو الحال في إسبانيا والأرجنتين وكولومبيا، لضمان استمرارية بناء الخبرات السورية والاعتماد على المختصين المحليين.

في النهاية، لا تُمثّل الأنثروبولوجيا الشرعية مجرد تخصص علمي لدراسة الرفات العظمية، بل هي أداة لإعادة الاسم والكرامة للضحايا، ولمساعدة العائلات على الوصول إلى الحقيقة. وفي سوريا، حيث يتداخل الألم الفردي مع الذاكرة الجماعية، يُصبِح بناء الخبرات المحلية في هذا المجال ضرورة علمية وإنسانية ووطنية، لا ترفاً أكاديمياً.