أظهرت الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل أخيراً مدى هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار في حرب إيران. وبمقدار ما تتوافر مؤشرات على رغبة كل من إدارة ترامب وإيران في إبرام اتفاق ينهي الحرب، تتوافر مؤشّرات أخرى إلى أنهما ليسا في عجلة من أمرهما.
منذ انطلاق مفاوضات إسلام أباد، في العاشر من ابريل/ نيسان الماضي، والرئيس ترامب يطلق يوميا تصريحات توحي بأن اتفاقا بات في متناول اليد. لكن تلك التصريحات لم تكن تعكس الواقع بمقدار ما كانت تكتيكاتٍ تهدف إلى تهدئة أسواق النفط، كبح جماح التضخم، رفع أسواق الأسهم، وتقليص عوائد سندات الخزينة الأميركية أمام موجة بيع كبيرة. وقد كان رهان ترامب الفعلي وما زال، أن يؤدّي الحصار إلى اخضاع إيران، مع عدم العودة إلى الحرب، خشية التورّط أكثر بمستنقع أكبر من فيتنام أو العراق. ويبدو، حتى اللحظة، أن استراتيجية ترامب تنجح في إبقاء أسعار النفط منخفضة نسبياً، إذ يبقى سعر برميل النفط في حدود 95 دولارا للبرميل الواحد، رغم أن أسواق الطاقة العالمية تفقد أكثر من 13 مليون برميل يوميا نتيجة إغلاق مضيق هرمز والحصار على موانئ إيران. ورغم أن سعر برميل النفط ارتفع بنحو 50% قياسا بفترة ما قبل الحرب، الا أنه يبقى منخفضا مقارنة بسعره عند اندلاع الحرب الروسية- الأوكرانية، والذي تجاوز حينها 140 دولارا للبرميل، رغم أن الإنتاج العالمي لم يتأثر كثيراً. الفكرة هنا أنه طالما ظلت أسعار برميل النفط أقل من مائة دولار لن يشعر ترامب بإلحاح التوصل إلى اتفاق مع إيران، وسيبقى يراهن على نتائج الحصار، وهو ما فعله مع فنزويلا، ويفعله حاليا مع كوبا. ويبقى، فوق ذلك، عدم التوصل إلى اتفاق مع إيران أفضل، بالنسبة اليه، من التوصل إلى اتفاق يشبه اتفاق أوباما، دع جانيا مسألة أن يكون سقفه أوطأ.
من جهة أخرى، رغم أن إيران تئن تحت خسائر الحرب والحصار، ولها، قطعا، مصلحة في إنهائهما، إلا أن تياراً فيها يرى أن المكاسب ستكون أكبر فيما لو تمكنت من الصمود فترة أطول، بشرط عدم عودة الحرب. يؤكد هذا تجاوب إيران السريع مع جهود انهاء جولة التصعيد أخيراً مع إسرائيل. ولعل من نافل القول الإشارة إلى أن إيران لا تثق بإدارة ترامب، وترى أنها إذا تمكنت فقط من “جرجرة” المفاوضات حتى الانتخابات النصفية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، والتي صار من شبه المؤكد أن يخسرها الجمهوريون (ما لم تقع مفاجآت كبرى)، فإن هذا سوف يصرف ترامب عنها، حيث سيبدأ الديمقراطيون، على الأرجح، في إجراءات لعزل الرئيس، ومحاسبة ادارته على شبهات فساد، وسوء إدارة، وتضارب مصالح، وغيرها. لو حصل هذا، تمنّي إيران النفس، فإنها ستظفر بجائزتين كبيرتين، يضغط عليها ترامب حاليا للتخلي عنهما، وهما: مضيق هرمز واليورانيوم المخصب بنسبة 60%.
إذا تمكنت إيران من فرض نظام إدارة خاص بها على المضيق، وتحصيل رسوم على عبور السفن، فهذا يعني انتزاع مورد دخل سنوي قد يتجاوز حجمه إيراداتها من تصدير النفط (يجري الحديث عن رسم يصل إلى مليوني دولار عن كل ناقلة نفط أو غاز). وهذا يعني أيضا أموالاً أكثر بكثير من الأموال المجمّدة في الخارج بفعل العقوبات الأميركية. ولا حاجة للتفصيل في أن السيطرة على المضيق سوف تعطي إيران، أيضا، نفوذاً سياسيّاً هائلا، ليس فقط في المنطقة، بل في العالم. أما اليورانيوم المخصب بنسبة 60% فقد صارت أهميته اليوم أكبر لإيران مما كانت عليه في أي وقت مضى. وإذا كان النظام في إيران لم يفكر سابقاً بامتلاك سلاح نووي، فربما بات يرى الآن أن هذا السلاح خياره الوحيد للبقاء. وإذا كانت إيران تستخدم “هرمز” والتهديد بضرب منشآت الطاقة في دول الخليج لردع الولايات المتحدة عن ضربها، فإنها لا تملك أي ردع تجاه إسرائيل، كما دلّت موجة التصعيد أخيراً (وقد فصل الكاتب هذا في مقالة في “العربي الجديد” الأسبوع الماضي). هذا يفسّر لماذا ترفض إيران مطلب التخلي عن اليورانيوم المخصّب، كما يفسّر ضغوط ترامب الشديدة عليها لفعل هذا. إذا صدقت تقديراتنا هنا بشأن الاستراتيجيات التفاوضية لكل من ترامب وإيران، فهذا يعني أننا لسنا قريبين من اتفاق، اللهم إلا إذا طرأت مستجدّات غيّرت حسابات أحد الطرفين أو كليهما.