د. أمجد السوّاد…جريدة المدى
عندما نتحدث عن اليمين واليسار في أوروبا وأمريكا فإننا نتحدث عن مفهومين تشكلا داخل التجربة السياسية الغربية، ولذلك لا يمكن إسقاطهما بصورة حرفية على بقية دول العالم. فاليسار الغربي ارتبط تاريخياً بالمساواة الاجتماعية وحقوق العمال ودور الدولة في توفير الخدمات العامة وتقليص الفوارق الاقتصادية، بينما ارتبط اليمين بصورة أكبر بالملكية الخاصة واقتصاد السوق والمحافظة الاجتماعية وتقليل تدخل الدولة في الاقتصاد. لكن هذه الحدود لم تبقَ ثابتة. فقد أصبحت الاشتراكية الديمقراطية تقبل اقتصاد السوق، وأصبح اليمين في كثير من البلدان يقبل بدولة الرفاه، في حين ظهرت تيارات يسارية جديدة أكثر وضوحاً في قضايا الثروة والعدالة الاجتماعية، وتيارات يمينية شعبوية تركز على الهجرة والهوية الوطنية والسيادة.
لكن ما يجري اليوم في عدد من الدول الغربية يستحق التوقف عنده. فبعد سنوات بدا فيها أن اليسار التقليدي قد فقد جزءاً كبيراً من قدرته على التأثير وأن أحزاب الوسط أصبحت أقرب إلى إدارة النظام القائم منها إلى تغييره، نشهد في المقابل صعوداً لليمين الشعبوي والمتطرف في عدد من المجتمعات. وقد جاءت الانتخابات الأخيرة في ولاية ساكسونيا أنهالت الألمانية لتقدم مثالاً شديد الدلالة. فقد حصل حزب البديل من أجل ألمانيا على نحو 44 في المئة من الأصوات، ليصبح القوة الأولى في الولاية ويحصل على 39 مقعداً من أصل 83، وإن كان عاجزاً عن تشكيل حكومة منفرداً. ولم يكن هذا الرقم مجرد نتيجة انتخابية محلية، بل كان رسالة سياسية قوية إلى الأحزاب التقليدية التي وجدت نفسها أمام غضب اجتماعي يتسع خارج الأطر السياسية المعتادة.
ولا ينبغي فهم هذا الصعود على أنه مجرد انتصار أيديولوجي لليمين المتطرف. فالظاهرة أعمق من ذلك. إنها تعكس أزمة ثقة في قدرة النظام السياسي التقليدي على تقديم حلول لمشكلات أصبحت تمس الحياة اليومية للمواطن بصورة مباشرة: ارتفاع تكاليف المعيشة، أزمة السكن، ضعف القدرة الشرائية، القلق على مستقبل الطبقة الوسطى، البيروقراطية، الهجرة، وتراجع الشعور بأن الدولة تعمل لمصلحة المواطن العادي.
وهنا تظهر مفارقة مهمة. فاليمين المتطرف يستطيع أن يحول هذا الغضب إلى خطاب عن الهجرة والهوية والسيادة الوطنية، بينما يستطيع اليسار أن يحوله إلى سؤال آخر يتعلق بالثروة والعدالة الاجتماعية ودور الدولة. ولذلك فإن صعود اليمين المتطرف قد ينتج بصورة غير مباشرة يساراً أكثر وضوحاً، لأن اليسار يجد نفسه مضطراً إلى إعادة تعريف مشروعه بدلاً من الاكتفاء بإدارة النظام القائم.
لقد كان اليسار التقليدي يتحدث عن العامل والنقابة والضرائب التصاعدية ودولة الرفاه. أما اليسار الجديد فيواجه أسئلة أوسع: من يملك الثروة؟ من يملك القرار؟ من يدفع ثمن الحروب؟ لماذا تزداد ثروات فئة محدودة بينما يعجز المواطن عن تأمين السكن أو العلاج؟ وهل تستطيع الدولة أن تتحدث عن العدالة والمساواة في الداخل بينما تمارس القوة والهيمنة في الخارج؟
ولهذا أصبحت قضايا الحروب والسياسة الخارجية جزءاً من النقاش الداخلي في المجتمعات الغربية. فالقضية الفلسطينية مثلاً لم تعد بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الأجيال الجديدة قضية خارجية بعيدة، بل أصبحت اختباراً لمفاهيم العدالة وحقوق الإنسان والقانون الدولي. وكذلك فإن الاعتراض على الحروب لا يرتبط دائماً بموقف أيديولوجي مجرد، بل قد يبدأ بسؤال بسيط: لماذا تنفق حكومتي أموالاً ضخمة على الحرب بينما أعاني من ارتفاع الإيجار وأسعار الغذاء وتكاليف الخدمات؟
ومن هنا فإن التحول السياسي في الغرب قد لا يكون انتقالاً من اليمين إلى اليسار بالمعنى التقليدي، بل خروجاً تدريجياً من هيمنة الوسط السياسي التقليدي. المواطن يبحث عن مشروع يفسر له سبب تراجع حياته أو شعوره بالأمان الاقتصادي والاجتماعي، واليمين يقدم تفسيراً يقوم على الهجرة والهوية والسيادة، بينما يحاول اليسار أن يقدم تفسيراً يقوم على تركّز الثروة واتساع الفوارق الاجتماعية وهيمنة رأس المال وضعف الدولة الاجتماعية.
لكن ماذا عن العراق؟
العراق يعيش أزمة مختلفة في ظروفها، لكنها تتقاطع مع التجربة الغربية في نقطة جوهرية: ماذا يحدث عندما يفقد مشروع سياسي كبير قدرته على إقناع المجتمع؟
لقد دخل الإسلام السياسي العراقي بعد عام 2003 مرحلة تاريخية ارتبطت في أذهان قطاعات واسعة من العراقيين بالمحاصصة والفساد وضعف الدولة وتغليب المصالح الحزبية والفئوية على المصلحة العامة. لكن المشكلة في العراق لم تتوقف عند فساد سياسي أو سوء إدارة. فقد نشأ مع المال السياسي تحول اقتصادي واجتماعي أعمق بكثير.
فالمال السياسي حين يقترن بالسلطة لا يبقى مجرد أداة لتمويل الأحزاب والانتخابات. وإذا كان جزء من هذا المال قد جاء من الفساد والعمولات والعقود والمنافع غير المشروعة والاستيلاء على موارد الدولة، فإنه يتحول إلى وسيلة لإعادة توزيع الثروة خارج القواعد الطبيعية للاقتصاد. وهنا تبدأ ظاهرة أخطر: إنتاج طبقة رأسمالية جديدة لا تتشكل أساساً من الإنتاج والاستثمار والمنافسة الاقتصادية، وإنما من قربها من مركز القرار السياسي.
وبمرور الوقت تتداخل السلطة بالثروة، وتتداخل الثروة بالنفوذ، ويتحول النفوذ إلى حماية سياسية، ثم تعود الحماية السياسية إلى إنتاج مزيد من الثروة. وهكذا تصبح العلاقة دائرة مغلقة: السلطة تنتج المال، والمال يعيد إنتاج السلطة، وكلاهما ينتج النفوذ الاجتماعي الذي يحمي النظام السياسي القائم.
هذه ليست مجرد ظاهرة فساد مالي. إنها عملية إعادة تشكيل للمجتمع العراقي نفسه.
فحين تتراكم الأموال لدى مجموعة مرتبطة بمراكز القرار السياسي، تتكون طبقة رأسمالية أوليغارشية تقف في أعلى الهرم السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وفي المقابل تتسع المسافة بينها وبين بقية المجتمع. ويصبح التفاوت الاقتصادي ليس نتيجة طبيعية لاختلاف الكفاءة أو الإنتاج أو الاستثمار، وإنما نتيجة تفاوت في الوصول إلى الدولة ومصادرها.
ومن هنا نشأ تمايز طبقي جديد داخل المجتمع العراقي. لم تعد الدولة مجرد مؤسسة يفترض أن تقدم خدماتها للمواطنين على قدم المساواة، بل أصبح الوصول إلى الدولة نفسه متفاوتاً. مواطن يصل إلى المسؤول عبر الهاتف، وآخر يحتاج إلى واسطة، وثالث يحتاج إلى حزب أو جهة نافذة، ورابع لا يصل إلى حقه إلا بدفع الرشوة.
وهنا تصبح الرشوة أكثر من فساد إداري. إنها جزء من اقتصاد سياسي كامل نشأ حول المال السياسي.
المعاملة الحكومية تصبح سلعة. الوظيفة تصبح سلعة. العقد يصبح سلعة. الاستثناء يصبح سلعة. وحتى تطبيق القانون يمكن أن يتحول إلى سلعة. وبذلك تدخل الدولة نفسها في دورة الاقتصاد غير الرسمي الذي صنعه المال السياسي. الإدارة التي يفترض أن تكون أداة لتنظيم المجتمع تصبح جزءاً من منظومة إعادة توزيع المنافع.
وهذا هو الجانب الذي يجعل الأزمة العراقية أعمق من مجرد تغيير حكومة أو تعديل قانون انتخابي أو استبدال حزب بآخر. فإذا بقيت الثروة التي تراكمت بفعل النفوذ السياسي خارج المساءلة، فإن المال سيبقى قادراً على شراء السياسة من جديد. وقد تتغير الوجوه بينما يبقى النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي أنتج تلك الوجوه قائماً.
لهذا فإن أي مشروع سياسي عراقي جديد لا يستطيع أن يكتفي بشعار مكافحة الفساد. السؤال الأهم هو: ماذا نفعل بالثروة التي أنتجها الفساد السياسي؟
وهنا ربما نجد في تجربة الإمام علي عليه السلام فكرة سياسية تتجاوز زمنها التاريخي إلى جوهر مفهوم العدالة الاقتصادية. فقد كان موقفه من المال العام واضحاً إلى درجة لا تحتمل التأويل، حين قال:
«والله لو وجدته قد تزوّج به النساء، ومُلك به الإماء، لرددته».
هذه العبارة ليست مجرد موقف أخلاقي من المال. إنها إعلان عن مبدأ سياسي بالغ الحداثة في جوهره: المال العام لا يتحول إلى مال مشروع لمجرد أن الزمن مرّ عليه، ولا يصبح حقاً مكتسباً لمجرد أن صاحبه استطاع أن يخفي مصدره أو أن يبني به نفوذاً اجتماعياً وسياسياً.
وبلغة عصرنا يمكن اختصار هذا المبدأ بكلمة واحدة: «لاستردنها».
ليست «لاستردنها» دعوة إلى مصادرة أموال الناس لمجرد أنهم أصبحوا أثرياء، وليست حرباً على الملكية الخاصة أو على الرأسمالية. إنها تمييز بين الثروة المشروعة والثروة التي نشأت من نهب المال العام واستغلال السلطة والاحتكار السياسي والعمولات والعقود الفاسدة.
وهنا بالضبط يمكن أن يلتقي مفهوم «اليسار الجديد» مع جوهر العدالة التي عبّر عنها الإمام علي عليه السلام.
العراق لا يحتاج بالضرورة إلى استيراد الماركسية أو تقليد اليسار الأوروبي. ولا يحتاج إلى يسار يضع الدولة في مواجهة الملكية الخاصة أو يحول الاقتصاد إلى ملكية حكومية شاملة. ما يحتاجه هو يسار عراقي جديد يجعل العدالة الاجتماعية واسترداد المال العام وتكافؤ الفرص في قلب المشروع السياسي.
يسار لا يقيس المواطن بانتمائه الطائفي أو الحزبي، بل بحقه في الدولة.
يسار لا يرى الغنى جريمة، لكنه يسأل عن مصدر الثروة.
يسار لا يحارب الرأسمالية المنتجة، لكنه يحارب الرأسمالية التي تصنعها السلطة.
يسار لا يصادر المال الخاص، لكنه يسترد المال العام.
يسار لا يرفع شعار المساواة لإلغاء الفوارق الطبيعية بين الناس، وإنما يمنع أن تتحول الدولة إلى آلة لإنتاج الفوارق الطبقية على أساس النفوذ السياسي.
ومن هنا تصبح «لاستردنها» مشروعاً سياسياً لا مجرد عبارة تاريخية. استرداد المال العام يعني تتبع الأموال التي خرجت من الدولة بطرق غير مشروعة، ومراجعة العقود والصفقات والعمولات، ومساءلة مصادر الثروات التي نشأت من استغلال السلطة، وإعادة الأموال إلى الدولة، ثم تحويلها إلى استثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية والإنتاج وفرص العمل.
والأهم أن عملية الاسترداد يجب ألا تتحول إلى انتقام سياسي. فالدولة العادلة لا تسأل الإنسان: من أي طائفة أنت؟ ولا: إلى أي حزب تنتمي؟ بل تسأل: كيف حصلت على هذه الثروة؟ هل حصلت عليها من إنتاج مشروع واستثمار قانوني أم من موقعك في السلطة؟
وهنا يصبح استرداد المال السياسي شرطاً لإعادة بناء المجتمع نفسه.
فإذا لم نسترد المال الذي أنتج الطبقة الأوليغارشية، فإننا لا نستطيع إعادة بناء الطبقة الوسطى. وإذا لم نوقف قدرة المال السياسي على شراء الانتخابات، فلن يكون التغيير السياسي كاملاً. وإذا لم نفصل الإدارة العامة عن شبكات المصالح الحزبية، فلن نستطيع بناء دولة قانون. وإذا بقي المواطن مضطراً إلى دفع المال أو البحث عن واسطة للحصول على حقه، فإن الدولة ستظل في نظره مؤسسة تخدم الأقوى لا مؤسسة تحمي الجميع.
ولهذا فإن العراق لا يحتاج فقط إلى تغيير سياسي، بل إلى إعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والثروة والمجتمع.
وهنا يمكن أن نفهم بصورة أفضل العلاقة بين صعود اليمين المتطرف في الغرب والحاجة إلى ظهور تيارات سياسية جديدة في العراق. التشابه ليس في الأيديولوجيا ولا في الظروف التاريخية. العراق ليس ألمانيا، والإسلام السياسي ليس هو اليمين المتطرف الأوروبي. لكن التشابه يكمن في الآلية السياسية: عندما يفقد النظام القائم قدرته على تقديم إجابات مقنعة، وعندما يشعر المواطن بأن الدولة لم تعد تعمل لمصلحته، ينشأ فراغ سياسي تبحث المجتمعات عن قوة جديدة لملئه.
اليمين المتطرف يملأ جزءاً من هذا الفراغ في الغرب بخطاب الهوية والهجرة والسيادة. أما العراق فهو أمام فرصة مختلفة: أن يملأ الفراغ بمشروع وطني اجتماعي جديد لا يعيد إنتاج النظام نفسه بأسماء جديدة.
انها ليست دعوة ليسار من النمط الغربي مضاد لليمين المتطرف بل اتجاه سياسي لا يماثل صورة اليسار التقليدي بوصفه عداءً للدين أو للملكية الخاصة أو للسوق. فالعدالة الاجتماعية ليست ملكاً لأيديولوجيا واحدة، كما أن الدفاع عن الفقراء لا يحتاج إلى إلغاء الأغنياء. المشكلة ليست في وجود الغني، وإنما في أن تصبح الدولة وسيلة لصناعة الغنى غير المشروع.
فالسؤال الحقيقي إذن ليس: هل سيصبح العراق يسارياً؟
السؤال هو: هل يستطيع العراقيون إنتاج مشروع سياسي جديد يعيد الدولة إلى المجتمع، ويعيد المال العام إلى الدولة، ويعيد السياسة إلى وظيفتها الأصلية؟
وعندها فقط تصبح عبارة الإمام علي عليه السلام، «لأستردنها»، أكثر من ذكرى تاريخية. تصبح مبدأً سياسياً حديثاً: أن ما أُخذ من المجتمع بغير حق لا تمنحه السلطة شرعية، وأن الثروة التي صنعتها السياسة الفاسدة لا ينبغي أن تتحول إلى أساس دائم لطبقة سياسية واقتصادية جديدة.
يسار يبدأ من حيث بدأ الإمام علي عليه السلام: من العدالة، ومن المال العام، ومن السؤال البسيط والحاسم: لمن هذه الثروة؟
ثم يقول بلغة عصرنا:
لاستردنها.