ملخص
يقام في قصر فلورنسا معرض أرشيفي يستعيد ذاكرة المفكر والكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو، بعنوان “أمبرتو إيكو واسم الأشياء، العلامات، الواقع والتأويل”. مثل هذا المعرض يطرح على الحركة الأدبية العربية أسئلة حول غياب ظاهرة الأرشيف الذي من المفترض أان يكون مرجعاً لدراسة الأدباء العرب وكتابة سيرهم الشاملة، عبر الوثائق والصور.
تلعب الأرشيفات الفنية والأدبية دوراً كبيراً في تحديث الكتابة التاريخية، وجعلها تخرج من إطار المقاربة التاريخية الضيقة المعتمدة على الوثيقة المادية التقليدية، صوب فضاء كتابة أرحب تتلاقى فيها الشواهد والمعارف والرؤ
يمنح الأرشيف للمؤرخ المعني بالتأريخ الأدبي مادة مصدرية مذهلة لتجديد صنعته والخروج بها من هواجس النقل والتدوير. يعد الأرشيف قاطرة منهجية تمنح للكتابة التاريخية أصالتها الوجودية وإمكان ضخ دماء جديدة في شرايينها، لدرجة تدفعها إلى تهديم كل البنى التقليدية. لم تنجح الكتابة التاريخية العربية من الخروج من بوتقة الاتجاه الوضعاني الذي يحنط فعل التفكير ويجعل المؤرخ متقوقعاً حول الوثيقة المادية في إطارها الضيق، إذ على رغم ما يتشدق به المؤرخون العرب من حداثة معرفية وتماه مع الأفق الفكري الذي بلوره تيار مدرسة الحوليات مع مارك بلوك ولوسيان فيبر، إلا أن الواقع يظهر عكس ما ذهبت إليه تلك الكتابات. فهناك تناقض معرفي بين الإيمان الذاتي بقيمة تجديد الوثيقة، وبين الخروج من شرنقتها صوب مدارات التطبيق.
الأرشيف أفق للتفكير
لا نعثر على مؤرخ عربي واحد، اعتمد في مشروعه الفكري على الأرشيف البصري الذي توفره لنا الفوتوغرافيا والسينما واللوحة، لإعادة كتابة تاريخ عربي جديد. فغالب ما يوجد من أبحاث على جدتها وعمقها، تعتمد على معاهدات دبلوماسية ومذكرات سياسية وسجلات محاكم التفتيش. وهي وثائق تبقى تقليدية في نظر رواد “الأنال” (الحوليات)، ولا تكرس سوى تبعية عمياء لمفهوم “الحدث” الذي أصبح في نظر فرناند بروديل، يمارس نوعاً من التعتيم على الباحثين والمؤرخين في قراءة التاريخ. أصبح التاريخ في نظر صاحب “حركية الرأسمالية” (1977) ينظر إليه كسلسلة أحداث، وليس كبنية ضاربة في عمق الكارتوغرافيا التاريخية. وهو ما يجعل التاريخ يغدو إشكالياً، يبتعد من كل ما له علاقة بالسرد والحدث والإخبار، كما تبلور معالمه في التأريخ العربي خلال العصر الوسيط داخل الكتابة الخلدونية وغيرها.
لكن في مقابل ذلك، لا نعثر على أبحاث أكاديمية تقرأ التاريخ العربي على ضوء أرشيفات بصرية. فمفهوم الأرشيف حظي منذ سبعينيات القرن الـ20، بأهمية بالغة في كتابات ميشال فوكو وجاك دريدا وبول ريكور ومارك فيرو، لا بوصفه مستودعاً لحجز بقايا الماضي، وإنما بصفته مختبراً يمنح الخطاب التاريخي شرعية امتداد سلطة الماضي في رحابة الحاضر. فهذه المقاربات المختلفة تظل مغيبة داخل واقع البحث التاريخي العربي الذي بدا في السنوات الأخيرة، تحركه أهداف “كمية” وليست “نوعية”.
إن الانغماس في مواضيع من قبيل جراج السياسة وميثولوجيات الأسر الحاكمة والتاريخ الحدثي والتحولات الاجتماعية والبنيات الاقتصادية تتكرر من مؤلف إلى آخر، كأن التاريخ لا يمكن قراءته إلا من باب المجتمع والسياسة والاقتصاد. في حين أن هناك أفلاماً سينمائية وأعمالاً أدبية راودت التاريخ وجعلته مادة للتفكير والتخييل وبناء علاقة أنطولوجية مع الواقع، إذ نعثر على روايات لأدباء عرب مثل فواز حداد وعبدالإله بلقزيز وبنسالم حميش وعبدالرحمن منيف وحسن أوريد، جعلت من التاريخ مسرحاً لأحداثها بطريقة أصبحوا من خلالها يكتبون تاريخاً لمجتمعاتهم عبر جنس الرواية.
التاريخ ليس فقط ما نقرأه في المصادر والمراجع، بل ما نشاهده في الأفلام وما نسمعه في المقاطع الموسيقية، وما نتنفسه في الفضاءات العامة المفتوحة من تماثيل ولقى أثرية وغيرها. بهذه الطريقة يغدو التاريخ كائناً حياً يعيش بيننا ويسهم بصورة يومية في امتحان حاضرنا ويدفعنا إلى بذل مجهود كبير في التنقيب داخل أرشيفاتنا، بغية القبض على حرارة التاريخ وتحويله إلى أداة فكرية تدين ذاكرة الواقع وجراحه.
فإذا كان التاريخ في تعريفه الكلاسيكي عبارة عن أحداث وقعت في الماضي، فإن الأرشيف خزان صور وسجلات ووثائق تمتح وجودها من هذا الماضي، لكنها تمنح المؤرخ فسحة للعيش في ديمومة المستقبل. من هنا تأتي قيمة المحفوظات الأرشيفية التي تتنزل منزلة عميقة ومرموقة داخل الثقافة الغربية، على أساسها أنها تلعب دوراً محورياً في تنشيط الذاكرة التاريخية، وتجعلها تنفح على قضايا وإشكالات ظلت في حكم اللامفكر فيه داخل التاريخ العربي، الحديث منه والمعاصر.
إنتاج الذاكرة
يطرح المعرض الأرشيفي الذي يستعيد ذاكرة المفكر والكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو بعنوان “أومبرتو إيكو واسم الأشياء، العلامات، الواقع والتأويل” في قصر فلورنسا، كثيراً من الأسئلة الفكرية القلقة حول مفهوم الأرشيف في علاقته بالأدباء وتاريخهم الشخصي. فهو معرض له سياق نوعي خاص وداخل ثقافة تعلي من قيمة الذاكرة الأدبية، لكون المؤسسات الثقافية الغربية تؤمن بقيمة الأدب وما يمارسه من سحر خلاق على حياتنا، ويدفعنا إلى نسج نوستالجيا مدهشة مع الكلمات والواقع والفضاء والذاكرة والجسد. فالتراث الأدبي وإن كان في باطنه مجرد مشروع تخييلي، فإن ما يتركه كاتب أو مفكر في حجم صاحب “اسم الوردة” (1980) لا يمكن إلا أن يصبح تراثاً رمزياً يحتفى به.
هذا التقليد العريق له فلسفته وميكانيزماته اشتغاله وتأثيره في مؤسسات ثقافية ومتاحف فنية تستغل هذا الموروث الأدبي، من أجل إعادة بناء ذاكرة حية له. لذلك فإن عملية تنظيم معرض فني من هذا النوع، تمثل في عمقها عملية فكرية لتنشيط الذاكرة وتسليط الضوء على لحظات متوهجة من الحياة الفكرية لأمبرتو إيكو، فهذا الأرشيف المعروض والمكون من صور فوتوغرافية ورسائل ومخطوطات أصلية ومحتويات بصرية ووثائق ذاتية تسلط الضوء على حياته الشخصية ونمط عيشه وتفكيره.
ويتيح أرشيفه المعروض إلى غاية الـ26 من يوليو (تموز) من الشهر الجاري، إمكان إعادة النظر في سيرة أعماله الأدبية والفلسفية، بما تمثله من ركيزة أساسية داخل الفكر المعاصر. ذلك أن صاحب “التأويل بين السيميائيات والتفكيكية” يعد قطباً من أقطاب الفكر المعاصر ونموذجاً أصيلاً للمثقف الموسوعي، صاحب السياحة الطويلة في تاريخ الفكر الإنساني. ذلك أن الزخم الفكري الذي طبع حياة أمبرتو إيكو والجوائز التي حظي بها والتمثيلات الدولية التي شارك فيها، تجعل معرضه الأرشيفي حدثاً ثقافياً بامتياز بالنسبة إلى الباحثين والنقاد والمؤرخين.
لذلك فأعمال المعرض تمنح المؤرخ صورة أثيرة عن حياة عاشها إيكو والمنعرجات الفكرية التي طبعت مساره الأكاديمي، بما يجعلها تبرز على السطح كأحداث تاريخية ضارب في جسده الشخصي.
تأتي قيمة أرشيف صاحب “نزهات في غابة السرد” في كونه يقدم الجانب المنسي من حياته الشخصية والمجهول في سيرته الفكرية، فهو أرشيف يظهر الطريقة التي بها يتجسد المعنى عبر دروب السرد والعلامة والصورة والفيديو، إذ يحاول منظمو المعرض عبر هذا الانخراط الثقافي أن يجعلوا من “البصري” آلية فكرية لبناء علاقة جديدة مع عالم إمبرتو إيكو. ليس الأرشيف هنا استعادة للماضي الأدبي وملامحه الفكرية، بل هو محاولة أصيلة لبناء تصور أنطولوجي حول الطريقة التي تغدو بها الصورة مدخلاً لإنتاج ذاكرة مطبوعة بالتحولات.
مسارب جديدة
من هنا تفتح المواد الأرشيفية زوايا مغايرة لمقاربة حياة أمبرتو والوقوف عند اللحظات المشرقة من حياته، بما يجعله حاضراً في الذاكرة الجمعية، بيد أن هذا التركيز على الصورة يبلور عمق رهان أمبرتو إيكو بالصورة وانشغالاته الفكرية بالتأريخ للجميل والقبيح، فهو من المفكرين الذين لم يبق خطابهم حكراً على النص، بل تعامل مع الصورة بمختلف تجلياتها الفنية وأنساقها البصرية، بما يجعل قادراً على إنتاج ما بات يسمى في الفلسفة المعاصرة بـ”فكر الصورة”.
إن عنصر الصورة أصبح مؤثراً في الواقع وتكاد تكون مفتاح الحياة المعاصرة، وذلك بسبب اقتحامها لكل ما هو حميمي داخل الواقع وتحويله إلى مادة قابلة للعرض. هكذا تنهال علينا الصور من حيث لا ندري، إنها تؤثر في كياننا وتغير حواسنا وتتحكم في تفكيرنا. لكن في حالة أمبرتو إيكو فإن الصورة لا تدين الماضي، بل تأتي عبارة عن شهادة حقيقية تجاه ماضي الأديب أو المفكر. على هذا الأساس، يعتبر المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران أن الصورة تمثل ذلك العبور الخفي والساحر بين الواقعي والمتخيل، ما دامت الصورة تشكل البنية البراديغمية المؤسسة لثنائية الواقع والمتخيل. فالواقعي يتسرب إلى المتخيل ويصبح جزءاً منه. لكن صاحب “في الجماليات” يطهب بعيداً بهذا الطرح العلمي، بحيث يعتبر في كتابه “السينما أو الإنسان المتخيل” (1977) أن الواقعي “لا يبرز إلا حينما يكون منسوجاً بالمتخيل الذي يقويه ويمنحه تناسقاً وكثافة وبعبارة أخرى يشيؤه”.
إن المعرض يمنح المؤرخ الأدبي مساحة كبيرة للتفكير في سيرة الرجل، ويتيح له إمكان كتابة سيرة “حقيقية” على ضوء الوثائق الجديدة. فهناك وثائق ورسائل ورسوم توضيحية بصرية تقدم معلومات جد مهمة بالنسبة إلى القارئ، فهي عناصر أرشيفية مهمة يستغلها المؤرخ لبناء تصور معرفي لسيرته الذاتية. فقد ركزت أعمال المعرض على الجانب البصري المتمثل في الرسوم التوضيحية التي كثيراً ما جعل منها أمبرتو إيكو آلية منهجية تساعده في التفكير في بناء أفكاره ومواقفه. فهذا التعلق بـ”البصري” نابع من فطنة المؤسسات الثقافية بمدى حب أمبرتو إيكو للفن والسينما وقدرته في سياقاته علمية مختلفة على الكتابة في النظرية الفلسفية الجمالية (الإيستيتيكا)، بما يطبعها من تحولات فلسفية عميقة.
