…اساس ميديا
استيقظت دول المنطقة فجر الأربعاء الماضي على هزيمة جمهورية مدوّية في انتخابات التجديد النصفي الأميركية، بعد أسبوع من هزيمة بنيامين نتنياهو في إسرائيل. سقط شريكا قرار الحرب على إيران في صناديق الاقتراع، فتعالت التساؤلات عن مصير حروب لبنان وإيران وغزة واليمن. غير أن الوقائع تقول إن تبدّل الوجوه لا يعني تبدّل السياسات، فالدولة العميقة في واشنطن باقية، والحروب قد لا تنتهي بسقوط من أشعلها.
راقبت دول المنطقة، بشكل مكثف يشوبه القلق، انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة. فإضافة إلى الدور المهيمن الذي تلعبه واشنطن في تقرير مسارات ومصائر ملفات أساسية في العالم، فإنها منخرطة مباشرة بحرب في المنطقة تقرر مآلاتها شكل خرائط الشرق الأوسط وتوازناته.
إذ ما نامت دول المنطقة على استطلاعات رأي تتوقع صعوبة فوز الحزب الجمهوري والاحتفاظ بأغلبيته في الكونغرس وميل نحو خسارة تقليدية يمر بها كل رئيس، استيقظت على هزيمة تاريخية مُدوية منيّ بها الحزب الجمهوري لصالح انتصار تاريخي شامل للحزب الديمقراطي المعارض. فماذا يمكن أن يعني الأمر لمنطقتنا؟
سقوط الثنائي… وبقاء الحروب
قبل أسبوع من انتخابات أميركا منيّ بنيامين نتنياهو، شريك الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قرار الحرب ضد إيران، بهزيمة في إسرائيل. كان ترامب، وعلى نحو مفاجئ تدخّل في تلك الانتخابات وأعلن دعمه لترشح رئيس الوزراء الإسرائيلي. وكما حصل إثر دعمه ترشح رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان وقبله وبعده ترشح جايير ثم فلافيو بولسونارو في البرازيل، فشل نتنياهو، ثم تراجعت حظوظه بالالتفاف على الفشل وفق ما حملته أخبار واشنطن عن هزيمة كاسحة مني بها ترامب وحزبه وإدارته. بدا أن احتمال خروج نتنياهو من السلطة بات الأرجح، وبالتالي فإن مستقبل حروب الثنائي نتنياهو- ترامب باتت تحت المجهر.
بدا الشرق الأوسط صبيحة يوم الأربعاء يطرح أسئلة بشأن مصابه من دون الاهتداء إلى أجوبة ويقين. قد لا يشكل الحدث انقلاباً بشأن نهايات الحروب في لبنان وإيران واليمن وغزة. لكن الحدث يفرض تحولات وقراءات كثيرها ضبابيّ لجهة هذه السابقة النادرة في الكونغرس التي رسمت موازين قوى جديدة للحكم في واشنطن. انتهت حروب نتنياهو من دون أن تنتهي حروب إسرائيل. والأرجح أن رؤوساً، ستدفع ثمن حروب ترامب من غير أن يعني ذلك توقف حروب الولايات المتحدة.
زامير يعارض إيران لا لبنان
أظهر الجيش الإسرائيلي مخالب معترضة على أجندات نتنياهو السياسية. ففيما كان الأخير يروّج، عشية انتخابات الكنيست، لضربات عسكرية ضد إيران خدمة لحملته الانتخابية ويحرّض حليفه ترامب عليها، لم يجد رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير سبباً وجيهاً وأدلة حاسمة تبرر القيام بتلك الضربات. غير أن زامير نفسه ومعه غادي آيزنكوت المرشح الأوفر حظاً لتشكيل حكومة إسرائيل المقبلة ما زالا يجدان كل الأدلة والمبررات لمواصلة العمليات العسكرية ضد “الحزب” في لبنان. ووفق تلك المقاربة، فإن احتمالات الحرب في لبنان تبقى ماثلة ومتقدمة، تندرج ضمن الوعود الانتخابية والضرورات الأمنية التي ما زالت مؤسسات الأمن والدفاع تجدها مطلّة من الحدود الشمالية.
يمكن تصوّر أن “الحزب” يمني النفس بأن تحوّلات مشهد الكونغرس في الولايات المتحدة من شأنه إنعاش آمال لطالما عقدتها إيران على الديمقراطيين منذ الرئيس باراك أوباما. ينهل “الحزب” آماله من شماتة إيرانية عاجل رئيس مجلس الشورى الإسلامي في إيران محمد باقر قاليباف بالتعبير عنها. وجد في تصويت الأميركيين تصويتا ضد الحرب وبالتالي نهاية لها. وإذ يسرّب “الحزب” إبلاغه الرئيس نبيه بري، مرة أخرى، أنه لن ينخرط في حرب إسناد جديدة، فإن التعليق المنشود لتلك الحرب من شأنها انتشاله من مأزق لبنان والبيئة التي يستند إليها. غير أن تراجع احتمالات الحرب جدلاً، لا يعني تخلي الولايات المتحدة عن تنازلات طهران وحزبها في لبنان.
الدولة العميقة في أميركا لا تتغيّر
حين خرج ترامب من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018 وفرض ما أسماه “العقوبات التاريخية” عليها، عوّلت طهران على صبر يسقط بعدها ترامب ويعود ديمقراطي آخر على رأس السلطة. كان لإيران ما تمنت وجاء الديمقراطي جو بايدن عام 2020 رئيساً، وهو الذي كان يشغل فوق ذلك منصب نائب الرئيس في عهد أوباما، ما كان من شأنه رفع مستوى الطمأنينة في إيران.
ابتسمت طهران حينها، لتكتشف لاحقاً أنه خلال 4 سنوات من ولاية ذلك الديمقراطي “الحنون”، لم تقبل واشنطن بعقد اتفاق مع إيران كان وعد به في حملته الانتخابية. أدركت طهران قبل غيرها ما ثبت لاحقاً مع ترامب بأن الدولة العميقة في الولايات المتحدة تقف وراء موقف بايدن ثم موقف ترامب وحربه بعد ذلك.
تسرّعت طهران وتعجّل قاليباف. قد يقيّد الكونغرس الديمقراطي تمويلات لقرارات ترامب وخططه. لكن الولايات المتحدة في حالة حرب ضد إيران لن تنهيها إلا بصفقة ترضي تلك الدولة العميقة تقوم على الضعف الذي أصاب دولة الوليّ الفقيه. ما زال قرار الحرب والسلم بيد ترامب بصفته رئيس البلاد والقائد الأعلى لقواتها المسلحة. وإذا ما وجدت الإدارة والدولة من ورائها أن تحقيق الهدف ما زال يحتاج إلى الأدوات الغليظة، فإن الكونغرس الديمقراطي لن يتجرأ سياسيا وأخلاقيا على قطع التمويل عن جنود أميركيين في الميدان.
واشنطن منقسمة… والحرب مستمرة
ستعيد انتخابات أميركا ترتيب السلطة في واشنطن. وستتصادم صلاحيات البيت الأبيض مع صلاحيات مجلسي الشيوخ والنواب في الكونغرس. يعتمر ترامب “قبعة” الفيتو، فيما الديمقراطيون يشحذون أسلحة المساءلة والمحاسبة والتلويح بمعركة لعزل رئيس البلاد. لكن حدّة النزالات لن تطال بديهيات سياسات خارجية ودفاعية تطال سمعة الولايات المتحدة ومصالحها الاستراتيجية في العالم. وفيما يمتلك ترامب صلاحياته كاملة محررة من أية قيود حتى 3 كانون الثاني المقبل موعد بدء ولاية الكونغرس الجديد، فإنه مع ذلك مضطر للأخذ بالاعتبار المزاج الناخب المعادي للحرب، وفق ما يروّج نائبه جي دي فانس الذي يجعل من موقفه حصاناً رابحاً لطموحاته الرئاسية.
إذ تراقب أطراف الحروب في لبنان وإيران وأوكرانيا واليمن الحروب الراهنة، فإن من الحكمة عدم التعويل على تحوّلات أميركية لقلب الطاولة هنا وهناك. قد يجد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المستاء من مشهد الكونغرس في الحدث مناسبة للخروج من الحرب بما تيسّر قبل أن تقوى شوكة ديمقراطيين عادوه منذ بدء حربه على أوكرانيا عام 2022. وقد تجد إسرائيل في الحدث مناسبة للخروج من جنون ما بعد “الطوفان” وترتيب حروبها خارج حسابات بقاء نتنياهو.
مع ذلك، يبدو من المستبعد أن تمتلك إيران من الحنكة ما يمكّنها من الخروج من دوامة الأزمات التي تزداد غرقاً فيها كلما عاندت وكابرت، وراهنت على وقائع تجاوزها الزمن، ولن يكون في وسع تجديد أكثر من نصف أعضاء الكونغرس الأميركي أن يعيد إليها الحياة أو يمنحها صلاحية جديدة. وحين يرى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي أن الاعتقاد بإمكانية تبدّل السياسة الأميركية تجاه إيران بفعل التحولات الحزبية أو تغيّر موازين القوى داخل المؤسسات الأميركية هو خطأ في الحسابات، فإن قوله يبدو سديداً في جوهره، وإن كان لا يعكس، في مقصده، وعياً كافياً باللحظة الراهنة ولا إدراكاً لخصوصيتها ودلالاتها.
