ملخص
تتيح الترجمة الفرنسية لرواية “الأرملة” الصادرة حديثاً في باريس عن منشورات “سوي” (ترجمة دومينيك نيدليك، 320 صفحة، 2026)، فرصة ثمينة لإعادة اكتشاف البدايات الأولى للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو، الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1998.
صدرت رواية ساراماغو في البرتغال عام 1947 تحت عنوان “أرض الخطيئة”، وظلت لعقود بعيدة من متناول القارئ العالمي، على رغم أنها كانت أولى ثمار تجربة الأديب الروائية. لكن عودتها إلى الواجهة تستحق بعضاً من الاهتمام، على رغم أن الكثير من الروايات الأولى التي كتبها أصحابها في سن الشباب قد تبدو، بعد أن حقّقوا المجد، وثائق أدبية أكثر منها أعمالاً مكتملة. إذ يشعر القارئ بخيبة أمل حين يعود إلى نصٍّ قديم لكاتب صار لاحقاً صاحب أسلوب ومشروع فكري واضح، وأصبح أحد أبرز الأصوات الأدبية في القرن العشرين.
حالة ساراماغو مختلفة إلى حدٍّ كبير. فـ”الأرملة” لا تقدم الكاتب الذي عرفناه في “الإنجيل بحسب المسيح” أو “العمى” أو “كل الأسماء” أو “انقطاعات الموت”. لكن فيها بذوراً واضحة لعدد من الموضوعات التي أثارت اهتمامه، كالصراع بين الفرد والمجتمع، وهشاشة الإنسان، والرغبة، والشعور بالذنب، والبحث عن معنى الحياة في عالم تفرض فيه الأعراف الاجتماعية والأخلاقية على الناس قيوداً قاسية. وقد وَصَفت بعض المقالات الصادرة في المجلات والصحف الفرنسية الرواية بأنها “مفاجأة سارة” وأنها من ضمن الأعمال الأولى التي تستحق إعادة الاكتشاف.
تدور أحداث الرواية في الريف البرتغالي، في مطلع القرن العشرين، وتتمحور حول ماريا ليونور، امرأة في الثلاثين من عمرها، أم لطفلين، تنقلب حياتها رأساً على عقب إثر وفاة زوجها المفاجئة. وقد كان الزوج، السيد ريبيرو، مالكاً لقريةٍ واسعة. فتجد الأرملة نفسها، بعد رحيله، في مواجهة عالم جديد من المسؤوليات والأعباء التي لم تكن معنية بها من قبل. فينهار توازنها النفسي وتدخل في حالة من الحزن والمرض. ويأتي طبيب العائلة لزيارتها باستمرار، محاولاً مساعدتها على استعادة رغبتها في الحياة. ومع تحسّن حالتها، تصبح مسؤولية إدارة البيت والقرية محور حياتها اليومية، إذ تجد ماريا ليونور نفسها مطالبة برعاية طفليها وبإدارة ملكية زراعية واسعة.
قيود المجتمع
غير أن عودة الأرملة إلى الحياة لا تُنهي أزمتها، فسرعان ما تصطدم بما يفرضه المجتمع من قيود وتقاليد ترى في الأرملة امرأة لا تستقيم حياتها من دون رجل. وفي مواجهة هذه النظرة، تتقدم الرغبة بوصفها قوة داخلية مستقلة، تتحدى ما يُنتظر منها وتكشف جانباً من ذاتها لا تستطيع الأعراف كبحه. لذلك تأتي زيارة أنطونيو، شقيق زوجها، لتوقظ في ماريا ليونور هذه الرغبة وتضعها أمام لحظة حاسمة. فتستسلم لإغوائه وتنشأ بينهما علاقة عاطفية وجسدية، تكتشفها الخادمة بينيديتا، مما يحوّل الرغبة من تجربة حميمة إلى مصدر للصراع، تتخذ فيه الخادمة موقع الرقيب والحَكَم. هنا يبدأ اضطراب نفسي جديد: لم تعد ماريا ليونور تواجه حزن فقدان الزوج وحده، وإنما أصبحت أسيرة الذنب والندم ونظرة الآخرين إليها.
تمنح هذه العقدة الرواية بعدها النفسي. لكن العقدة الأساس تكمن في التوتر بين الرغبة والقانون الأخلاقي الذي يفرضه المجتمع. فالأرملة ماريا ليونور، شخصية تحاول أن تفهم موقعها الجديد في الحياة، وأن تكتشف إذا ما كان يحق لها استعادة ذاتها كامرأة بعد موت زوجها. ومن خلال هذه الشخصية، يطرح ساراماغو، في سن مبكرة جداً، سؤالاً سيظل حاضراً في كل أعماله: كيف يستطيع الإنسان أن يكون حرّاً في عالم يضع له مسبقاً تعريفات جاهزة لما ينبغي أن يكون عليه؟
وتمثّل شخصية الخادمة بينيديتا سلطة المجتمع التي انتقلت إلى البيت. فهي ليست مجرد شخصية ثانوية تؤدي وظيفة سردية؛ حضورها يكشف كيف تتحول الأخلاق الاجتماعية إلى رقابة داخلية. فماريا ليونور تعاني من عقدة الذنب ومن الطريقة التي ينظر بها الآخرون إلى تصرفاتها. هكذا يصبح الذنب تجربة نفسية واجتماعية في آن واحد. هذه الحساسية تجاه علاقة الإنسان بالمؤسسات والأعراف والجماعة ستصبح من الموضوعات المهمة في عالم ساراماغو الروائي التي عالجها في العديد من رواياته.
أما على مستوى المبنى، فسيكتشف القارئ أن رواية “الأرملة” تختلف كثيراً عن أسلوب ساراماغو الذي عرفه في أعماله اللاحقة. فهي مكتوبة بلغة أكثر تقليدية، وببناء سردي أقرب إلى الرواية الكلاسيكية. لا نجد فيها الجمل الطويلة ذات الإيقاع الخاص، ولا التلاعب الواسع بعلامات الوقف، ولا ذاك التدفق السردي أو التداخل الشهير بين صوت الراوي وأصوات الشخصيات المختلفة التي تجعل القارئ ينخرط في تيار متواصل من الكلمات والأفكار؛ وهي كلها سمات ستغدو لاحقاً من أبرز ملامح أسلوب هذا الأديب البرتغالي، الذي ابتكر لنفسه لغة روائية فريدة، تحرّرت من كثير من أعراف السرد المألوف، فغدت جزءاً أصيلاً من رؤيته للعالم. فاللغة عند جوزيه ساراماغو ليست مجرد أداة للسرد، وإنما وسيلة للتفكير، وللنفاذ إلى ما يستتر وراء الواقع. ومن خلال هذا الأسلوب الذي يتجلى في “العمى” و”انقطاعات الموت”، يتحوّل الخيال إلى مرآة للكشف عن تناقضات الحياة، واضعاً الإنسان والمجتمع والسلطة والموت موضع مساءلة.
الواقعي والمتخيل
وتنبع فرادة ساراماغو كذلك من قدرته على مزج الواقعي بالمتخيّل، والتاريخ بالأسطورة، واستدعاء الشخصيات الحقيقية إلى جوار شخصيات يبتكرها، حتى تبدو شخصياته، في لحظات كثيرة، وكأنها تكتسب استقلالاً خاصاً وتفرض على الكاتب منطقها ومسارها. لذلك لا تتجلى عبقرية الأديب البرتغالي في أسلوبه اللغوي المميّز وحده، وإنما في قدرته على تحويل الشكل الروائي ذاته إلى أداة للتفكير والتساؤل الفلسفي والإنساني، والتي بدأت تباشيرها تلوح منذ روايته الأولى. فالرواية عنده ليست حكاية تُروى فحسب؛ إنها طريقة في رؤية العالم، وكشف ما يخفيه، وإعادة اكتشاف الإنسان في علاقته بالواقع والآخر والمصير.
ولعل المكان يمنح رواية “الأرملة” أيضاً جواً خاصاً. فإيقاع الحياة اليومية الذي يسير ببطء داخل القرية، فضلاً عن وحدة المكان يعكسان ضيق العالم الذي تتحرك فيه البطلة. فالبيت، والخدم، والأطفال، والحقول، والطبيب، والأقارب، كلها عناصر تشكل فضاءً مغلقاً تراقب فيه الشخصيات بعضها بعضاً. في المقابل، ثمة لحظات من الضوء تتأتى من وصف الطبيعة ومن الأطفال وبراءتهم. فالأطفال يضحكون ويتنزهون في الحقول المشمسة، فيما تبدو المناظر الريفية أكثر اتساعاً من المجتمع الذي يحاصر ماريا ليونور، مما ينشئ تناقضاً جميلاً بين الطبيعة المفتوحة والعالم الإنساني المقيد بالشعور بالخوف والعار والواجب.
ويبدو أن فهم رواية “الأرملة” جيداً، يفرض وضعها في مسرى حياة صاحبها المولود باسم جوزيه دي سوزا، في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1922 في أسرة ريفية شديدة الفقر، والذي لم تتح له ظروف عائلته المادية متابعة تعليمه الأكاديمي، ما اضطره للالتحاق بمدرسة مهنية لتعلم الميكانيك وحرفة صنع الأقفال. لكن الشاب شقّ طريقه في عالم الثقافة من خلال العمل في الترجمة والصحافة والتحرير والتدقيق اللغوي. وكانت المكتبة العامة في لشبونة، وفق الشهادات الوارد
نشر ساراماغو “الأرملة” وهو في 24 من عمره، ثم دخل في فترة طويلة من الصمت الأدبي، لأنه لم يقتنع هو نفسه بقيمة تجربته الروائية الأولى. فقد كتب آنذاك أن المستقبل لا يبشر بشيء عظيم لكاتب “الأرملة”. لذا انصرف إلى العمل الصحافي والسياسي. لكن هذه القطيعة تجعل قراءة هذه الرواية اليوم أكثر إثارة للاهتمام مما مضى، لأنها تضعنا أمام نصٍّ سردي لكاتب كان يختبر حينها إمكاناته الأدبية.
في هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى مسار جوزيه ساراماغو السياسي الذي شكل أيضاً جزءاً مهماً من تكوينه. فقد انضم الرجل إلى الحزب الشيوعي البرتغالي عام 1969، وعاش سنوات الدكتاتورية البرتغالية تحت حكم أنطونيو سالازار. وبعد ثورة القرنفل التي قامت عام 1974، تولى منصب نائب رئيس تحرير “جريدة الأخبار اليومية”. لكنه في خضم التحولات السياسية، فقد عمله عام 1975.
فعاد في هذه الفترة من حياته إلى الكتابة الروائية، وبدأ بإصدار روايات كرّست مكانته في الأدب البرتغالي والعالمي، كـ “العمى” و”قصة حصار لشبونة” و”الذكريات الصغيرة” و”انقطاعات الموت” و”الآخر مثلي” و”الطوف الحجري” و”كل الأسماء”، و”الإنجيل بحسب يسوع المسيح”، الذي أثار جدلاً واسعاً في البرتغال، بسبب تعامل ساراماغو مع الإنجيل كنصٍّ قابل لإعادة التخيل الأدبي، مستنداً إلى إيمانه بقدرة الأدب على تغيير ما يبدو ثابتاً في التاريخ، محرّراً النصّ الكتابي من القراءة الوحيدة.
كان من نتيجة صدور هذا الكتاب انتقال ساراماغو إلى جزيرة لانزاروت، حيث عاش مع زوجته ومترجمته بيلار ديل ريو، علماً أنه حصل عام 1995 على أرفع جائزة أدبية في اللغة البرتغالية، ثم جاءت جائزة نوبل عام 1998، لتجعل منه أول كاتب ناطق بالبرتغالية يحصل على هذه الجائزة العالمية. توفي جوزيه ساراماغو في لانزاروت عام 2010.
باختصار، تبدو رواية “الأرملة” أشبه بصورة قديمة تظهر فيها ملامح وجه الأديب قبل أن تكتمل. والأجدى أن نقرأها كشهادة على بدايات ساراماغو ولو لم تبلغ، على صعيد المبنى، الأسلوب الذي ميّز أعماله. لكنها، بالتأكيد تكشف عن عين روائية حسّاسة تجاه الإنسان المحاصر بين رغباته ومتطلبات المجتمع. ولعل صدورها في ترجمة فرنسية بعد أكثر من سبعة عقود على ظهورها باللغة البرتغالية تتيح للناطقين بالفرنسية والمهتمين بنتاج الأديب البرتغالي وضعها ضمن الخريطة الكاملة لأعماله، بغية الوقوف على المسافة الواقعة بين إصداره الأول وإصداراته التي أصبحت لاحقاً من أهم الإصدارات الروائية في الأدب الأوروبي الحديث، والتي ستضعه، بعد نصف قرن تقريباً، في مصاف كبار كتّاب الأدب العالمي.
