د. فالح الحمـــراني.. جريدة المدى
حظيت الخطوات المتزامنة التي تؤشر الى دخول العرا ق مرحلة جديدة من التحولات الهيكلية الحادة التي تتداخل فيها ملفات الإصلاح الداخلي بالحسابات الجيوسياسية المعقدة، بمتابعة وتحليل دقيقين من قِبل كبريات الصحف والمنصات الإعلامية الروسية، وفي مقدمتها صحيفة «نيزافيسيمايا غازيتا» ووكالة الأنباء الرسمية ريا نوفوستي» لما تحمله هذه التطورات من رسائل مباشرة تعيد رسم خارطة النفوذ الإقليمي والدولي في بلاد الرافدين.
فعلى صعيد التطورات الداخلية، اعتبرت القراءة التحليلية لصحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” غير الحكومية: أن وصول حملة التطهيرات والمداهمات إلى قيادات عسكرية برتب رفيعة (لواء وعميد وعقيد) في وزارة الدفاع يُمثل تحولاً نوعياً وبمثابة “بالون اختبار” حقيقي لإرادة الدولة. لقد كانت المؤسسة العسكرية العراقية تاريخياً بمأمن عن التحقيقات الجنائية والملاحقات القضائية. وإن هذا التطور الهيكلي جاء عقب الكشف عن مخالفات مالية وإدارية دارت حول عقد بقيمة 71 مليون دولار مخصصاً لإعادة إعمار وتجهيز مستشفى عسكري في بغداد. وترى التقارير الروسية أن هذه الخطوة لم تكن معزولة، بل جاءت كامتداد للحملة الموسعة التي انطلقت في الثامن والعشرين من حزيران الماضي. وأسفرت الحملة في موجتها الأولى عن اعتقال 47 مسؤولاً وبرلمانياً استناداً إلى الاعترافات الصادمة لنائب وزير النفط المعتقل عدنان الجميلي. وقادت الحملة مؤخراً بالتنسيق مع السلطات القضائية في إقليم كردستان العراق إلى مصادرة شحنة ضخمة من الذهب بلغت 358 كيلوغراماً من السبائك.
أما على الصعيد الجيوسياسي والإقليمي، فقد ربطت وكالة ” ريا نوفوستي” والصحف الروسية بشكل وثيق بين توقيت هذه التطهيرات العسكرية الداخلية والزيارة الرسمية التي أجراها الزيدي إلى واشنطن ولقائه بالرئيس دونالد ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث.
وأشارت القراءة الروسية إلى أن محاربة الفساد الإداري وعقود التسليح تُعد في جوهرها بناءً لـ “غطاء قانوني وسياسي” يمهد الطريق لتنفيذ الشروط الأمريكية الرامية لنزع سلاح الفصائل المسلحة الموالية لإيران وفرض السيادة الكاملة، بالتزامن مع جدولة انسحاب قوات التحالف الدولي المقررة في أيلول المقبل. وأبرزت المنصات الروسية أن إصرار رئيس الوزراء العراقي على إتمام الزيارة والجلوس إلى جانب ترامب، رغم الضغوط المسبقة الكثيفة التي مارستها القيادة الإيرانية على بغداد لإلغاء أو عرقلة الرحلة، يُعد إشارة واضحة على رغبة العراق في تنويع شراكاته الدولية وإثبات استقلالية قراره السيادي والتحلل من الهيمنة الإقليمية الأحادية.
ورصدت أن، ردود الفعل الإيرانية الأولية — بحسب القراءات الروسية — تتأرجح بين محاولة الاحتواء الدبلوماسي والضغط الميداني المكتوم. فبينما تميل طهران رسمياً إلى التهدئة لتجنب دفع بغداد نحو ارتماء كامل في الأحضان الأمريكية، فإنها تعمد عبر حلفائها في الداخل العراقي إلى إرسال رسائل ميدانية حذرة (مثل خروقات الطائرات المسيّرة) لتذكير الحكومة بأنها لا تزال تمتلك أوراق القوة. وتخلص الصحافة الروسية إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد نوعاً من الفتور والتوتر المستور في العلاقات بين بغداد وطهران؛ إذ تترقب الأخيرة عودة رئيس الوزراء لمطالبته بضمانات وتطمينات متبادلة، في وقت يبدو فيه أن قطار التطهير الحكومي و”جعل السلاح حكرًا بيد الدولة” قد انطلق بالفعل، مستنداً إلى دعم دولي وزخم داخلي غير مسبوقين.
وجرت الإشارة إلة أن رئيس الوزراء العراقي حظى في واشنطن بترحيب الرئيس دونالد ترامب ووزير الحرب بيت هيغسيث، و”الضوء الأخضر” لمواصلة حملة حكومته. وأوضحت التحليلات الروسية أن الولايات المتحدة ترى في هذه التطهيرات خطوة أساسية لتمكين بغداد من السيطرة الكاملة على السلاح بعد الانسحاب المقرر للتحالف الدولي، بينما تراقب موسكو وطهران بحذر مدى تأثير هذه الحملة على نفوذ الفصائل القريبة من إيران في المعادلة العراقية.
ولاحظت صحيفة نيزافيسيمايا غازيتا: غير أن حملات التطهير كانت تقتصر حتى الآن بشكل أساسي على كبار المسؤولين والنواب ورجال الأعمال المرتبطين بقطاعي الكهرباء والنفط، ولم تمتد إلى الجيش؛ وهي المؤسسة التي نادراً ما كانت تخضع لمثل هذه التحقيقات رغم الاتهامات القديمة بوجود انتهاكات. ولا يُستبعد أن تكون الاعتقالات الأخيرة بمثابة بالون اختبار في هذا الاتج اه. وقد تزامنت هذه التوقيفات من حيث التوقيت مع زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة، وهي الزيارة التي عمل المسؤولون الأمريكيون على الإعداد لها طويلاً، وترددت شائعات بأنها كادت أن تفشل بسبب الضغوط التي مارستها القيادة الإيرانية على بغداد المركزية.
وابرزت ان الزيدي تحدث أثناء لقاءه مع مع دونالد ترامب، عن ضرورة تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين، والإنهاء الرسمي لانسحاب القوات الأمريكية من البلاد والمقرر في أيلول/سبتمبر من هذا العام، فضلاً عن العمل على تعزيز احتكار الحكومة العراقية لحيازة السلاح واستخدامه. وصرح أحد المسؤولين الأمريكيين لموقع‘ أكسيوس’ قائلاً:‘ إن استعداد الزيدي للجلوس إلى جانب الرئيس ترامب وهو يتحدث عن إيران كان مثالاً صارخاً يظهر جدية نواياه في التقارب مع الولايات المتحدة، على الرغم من المعارضة الإيرانية›.
ونوهت بأشادة ترامب بشدة بجهود الزيدي، مؤكداً أنه‘ غيّر هذا البلد بشكل كبير خلال فترة زمنية قصيرة، خاصة فيما يتعلق بالموقف تجاه الولايات المتحدة’. وشدد سيد البيت الأبيض خلال المباحثات قائلاً:‘ إنه لشرف عظيم لنا أن نستضيف رئيس وزراء العراق، فهو مقاتل كبير ومحب كبير لأمريكا. إن العراق يمتلك إمكانات هائلة بفضل النفط وعوامل أخرى، ولكن بفضل النفط تحديداً نحن بصدد إبرام العديد من الصفقات›.
وبخصوص مباحثات الزيدي مناقشات المنفصلة مع وزير الحرب بيت هيغسيث؛ أفهَمَ الوزير الأمريكي ضيفه أن بغداد بحاجة إلى ما هو أكثر من مجرد تقليص الاعتماد على النفوذ الإيراني. وكتب هيغسيث عبر منصة‘ إكس’:‘ لتعميق شراكتنا، يجب على العراق أن يفرض سيادته وينزع سلاح الميليشيات الموالية لإيران. كما تتطلع الولايات المتحدة إلى أن تكون قوات الأمن العراقية، بما في ذلك البيشمركة والهياكل الأخرى في إقليم كردستان العراق، قادة في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)’. من جانبه، أكد الزيدي أن حكومته لن تسمح لأي جماعة في العراق بامتلاك السلاح بعد أن يقلص التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة وجود بعثته القتالية على الأراضي العراقية في الثلاثين من سبتمبرالمقبل.»