في العشرين السنة الأخيرة، تحوّل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (1929-2026) إلى رمز ثقافي، ألماني ووطني، وأوروبي إقليمي. أتذكّر عيد ميلاده التسعين، لمّا خصّصت جريدة “دي زايت” Die Zeit الألمانية المعروفة ملحقًا كاملًا للتعريف بفلسفته ونظريته التواصليّة المعروفة. وفي شهر حزيران/ يونيو 2019، ألقى الفيلسوف الألماني محاضرة في جامعة فرانكفورت حضرها 3000 شخص. هناك، في الجامعة، عادت إلى الواجهة ذكريات جيل الروّاد من جامعة فرانكفورت حيث صنع هابرماس اسمه لمّا كان أستاذًا مساعدًا لأحد أهم أعمدة مدرسة فرانكفورت وهو الفيلسوف ورائد النظرية النقدية تيودور أدورنو (1903-1969). كان أدورنو أستاذًا في تلك الجامعة أمام الطلاب الذين وصفهم بأنّ دمار الحرب العالمية الثانية جرّدتهم من أي قدرة على التفكير الطوباوي بخصوص مستقبل أوروبا، ولاحقًا لمّا اندلعت الثورات الطلابية في أوروبا سنة 1968، وقف أدورنو نفسه ضدّ الطلاب، إذ اعتقد أنّهم بخيالاتهم الطوباوية قد وصلوا إلى مكان أكثر مما هو مطلوبٌ وممكن.
مثل كانط، آمن هابرماس بالقوة التحررية للعقل، وبأنّ غاية العقل هي مساعدتنا من أجل الوصول إلى سبلٍ أفضلٍ للعيش الإنساني المشترك. دافع هابرماس عن فكرة أن التعايش السياسي الذي يؤدي إلى الاجتماع الوطني في الفضاء العام يجب أن يكون خاليًا من الهيمنة. هذا ما سمّاه بـ”قوّة الحجة الأفضل التي لا تُمارَس قسرًا”. مع أنّ الواقع العياني والتجربة المُباشرة خاليتان من ظروف تسمح بنقاشٍ يكون خاليًا بشكل مطلق من الهيمنة، إلا أنّ جوهر فكرة هابرماس ينصّ بأنّ حيثية أنّ هنالك ظروفًا تسمح بنقاشاتٍ خالية من الهيمنة أكثر من ظروفٍ أخرى، بمعنى أنّ هنالك ظروفًا تقترب من المثالية أكثر من ظروف أخرى. وكلما كانت الحوارات متحررة وخالية من الإكراه أكثر، كانت احتمالات حصول الاتفاق الاجتماعي-السياسي الحقيقي ممكنة أكثر.
ومثل هيغل، يمتلك هابرماس فلسفة تاريخٍ من نوع خاص، وهي لا تسير مثل فلسفة هيغل بشكل ضمني إلى الحرية المتجسدة في الدولة الوطنية. هابرماس يتجاوز الليبرالية التقليدية الكلاسيكية. التاريخ من خلال استخدامنا للعقل داخله لا شكّ سوف يسير في اتجاه معين، ولكن من الصعب تحديد نقطة نهاية محددة. الاتجاه هو تجاوز حدود الدولة القومية الوطنية، وتشكيل اقتصاد عالمي ذي خصائص ديمقراطية- اجتماعية. النقد الفلسفي الأعمق لهابرماس هو أنّ نظرته إلى دور العقل غير مفهومة: فمن جهةٍ العقل هو عامل مسبب في الشؤون العالمية، ومن جهةٍ العقل أداة تفسير التغيرات السببية. فلسفيًا: هذا موقف لا يمكن الدفاع عنه. ومثل ماركس، يرى هابرماس أنّ العائق الرئيسي أمام استخدامنا للعقل الحر هو قوى الهيمنة المرتبطة بالشكل الحديث من الرأسمالية، القوى التي تردم الفجوة بين الخطاب والسلطة، وتجعل فكرة المصلحة العامة غير قابلة للتصور.
خارج ألمانيا، لاقت أفكار هابرماس صدى كبيرًا وتحديدًا في الولايات المتحدة الأميركية، حيث كان من أبرز مفسّريه ومحاوريه أناس مثل نانسي فريزر وريتشارد رورتي وسيلا بن حبيب، وعادة ما يوصف هابرماس بالنسبة لطلاب الفلسفة بشيئين وهما أنّ كتابته الفلسفية هي تجريد ثقيل لا تُحتمل قراءتها وبأنّ مسيرته الفكرية والفلسفية انعكست على تطور ألمانيا الغربية والجمهورية الفدرالية الموحدة. وأعتقد بأنّ المقولتين غير صحيحتين. أظنّ أنّ هابرماس كتب أرفع نثرٍ جدلي فلسفي في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وأيّ شخصٍ يحمل الألفة والحبّ للغة الألمانية سيفهم أنّ حضوره في الوجدان الثقافي الأوروبي هو أضخم بما لا يُقاس من وضعية فيلسوف أميركي محصور داخل الأسوار الأكاديمية مثل جون رولز.
وُلد هابرماس في دسلدورف سنة 1929 عام انهيار وول ستريت، وكان أبوه عضوًا في الحزب النازي، ومثل غونتر غراس وآخرين من جيله، خدم هابرماس في منظمة “شبيبة هتلر”. هابرماس كان من أوائل الشباب الألمان ممّن شكّلت تجربة الحرب لديهم درسًا لابتعاد جذري عن فكرة القومية، ومرارًا أصرّ هابرماس على أنّ تجربة النازية تجعل ألمانيا مؤهّلة بشكل فريدٍ من أجل لعب دور طليعي في أي مشروع سياسي ما بعد قومي. رغم ذلك، كان هابرماس يرى علامات نهوض اليمين من حوله في كل مكان بشبابه، كإعادة التسليح الأميركي لألمانيا وتطهير الجامعات من الشيوعيين. وفي الحرب الثقافية ضد النازية، كان هابرماس من أبطال الحركة الطلابية في محاربة آثار النازية الآفلة
ومع ذلك، تبقى مسألة إبادة غزّة، وربطه يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر بـ”المسألة اليهودية”، هما أكثر موقف صادم في كلّ حياة هابرماس السياسية والفكرية. بعد أسابيع من يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وبعد التوضّح التام للطابع الإبادي لردّ الفعل الإسرائيلي، أصدر هابرماس مع زملاءٍ له بيانًا ركّز فيه على ثلاثة أمور بشكل أساسي: المسؤولية التاريخيّة الألمانية إزاء اليهود، وإدانة “معاداة السامية” وهجمات حركة حماس، وحقّ إسرائيل في الانتقام! ضمنيًا، جاء موقف هابرماس اعتذاريًا للآلة العسكرية الإسرائيلية التي كانت قد أخذت الشكل الإبادي الموثّق الكامل. بغياب الرواية الفلسطينية والذات الفلسطينية في بيان هابرماس، كشف التوتّر بشكل واضح بين التزاماته الكونية الأخلاقية والسياسية المزعومة وبين موقفه الملتبس حول ما إذا كانت الذات الفلسطينية تمتلك حقّ “الأهلية التواصلية الكاملة”. الصياغة الحذرة إزاء حقّ الفلسطينيين في البيان، وتأييده الكامل للحقّ الإسرائيلي بالرد، وردّه على وصف ما يجري بإبادة جماعية كأمرٍ “مبالَغ فيه”، كلّ هذه النقاط بدأت تضع كلَّ فلسفة هابرماس على المحكّ. ماذا لو كانت كلّ ادعاءات الفكر الهابرماسي، مع جزء كبير من كلّ ادعاءات التنوير الغربي، متمركزةً حول الذات الأوروبية البيضاء؟ النقطة هي أنّ مفهوم “الفضاء العام” مرتبط بتطور بين ثلاثة عناصر داخل الحضارة الغربية وهي البرجوازية والرأسمالية والديمقراطية. هذه العوامل الثلاثة يجب أن تكون متواجدة معًا كي يُخلق مفهوم الفضاء العام، إذْ أنّ البرجوازية التي تنشأ وتصعد طبقيًا بفضل الربح الرأسمالي، تصير تفكّر بالفضاء العام لإدارة العملية الديمقراطية. ووقود التواصل بين هذه العناصر الثلاثة هو: الاستعمار. “الفضاء العام” الهابرماسي لم يكن ليكون ممكنًا لولا التوسع الأوروبي و”الاستكشافات الاستعمارية”.
ولأنّ هابرماس لا يشير إلى الاستعمار، ولو بشكل عابر، في كلّ حديثه عن “الفضاء العام”، يصير ينكر الطابع الاستعماري لتطور الفكرة الديمقراطية نفسها، وبالتالي لا يستطيع تخيّل إسرائيل كشكلٍ من أشكال الاستعمار الاستيطاني.