حين فرض وباء كورونا في أواخر العقد الماضي نمطه على العالم، كثرت توقعات الاقتصاديين والصحافيين المتخصصين التي تعلن أن الاقتصاد العالمي، والاقتصاد الأميركي من ضمنه، سيدخل في دوامة من الانهيارات المتتالية، يغذيها تضخم مصطنع، بسبب نقص الإمدادات، وتعثر العمالة، واضطراب سلاسل التوريد، وركود حاد يتأتى من ضرب العصب الأساسي للاستهلاك، والمتعلق بإشغال الأحياز العامة، في الوظيفة أو التواصل الاجتماعي والعاطفي. وهو ما بدا مهددًا بالموت البطيء في ظل سياسات الحجر المنزلي والخوف من العدوى.
لكن المحللين، مختصين وعموميين، لم يتوقفوا عند هذا الحد. رأوا أن الاضطراب المؤدي إلى انهيارات حتمية، سيضرب أيضًا وحكمًا سوق الأسهم. وهذا ما لم يحدث. كانت محطات التلفزيون في تلك الفترة لا تكف عن التبشير بانهيار سوق الأسهم، لأن المنطق السليم يقول ذلك. فإذا كانت سوق الأسهم هي المعبر الرمزي عن حال السوق الفعلي، فإن انهيار دعائم السوق الفعلي سيؤدي إلى انهيار سوق الأسهم، وزواله كرمز حتى. المنطق سليم، لكن الوقائع التي تغذيه لم تكن كذلك. لم تنهر سوق الأسهم، بل شهدت ارتفاعات قياسية، وما زالت تشهدها حتى اليوم.
بعض الاقتصاديين الحصيفين انتبهوا متأخرين، بعد أن خسر كثيرون من متابعي محللي الشاشات ثرواتهم الصغيرة التي استثمروها في سوق الأسهم، واكتشف هؤلاء بعد وقوع واقعات كثيرة، أن الانهيار ليس حتميًا في هذه السوق. ذلك أن نسبة من المستثمرين، أدركت أن المستقبل الذي قد تهدده أوبئة أو حروب، لن يتسنى له أن يكون آمنًا، إلا حين ينجح العلم في صناعة قلاع محصنة ضد الحروب والأوبئة والأعاصير وحتى الاحتباس الحراري. وأن تمويل هذه الأبحاث لا مفر منه. وبالتالي فإن المراهنة على الشركات المتقدمة تقنيًا هو الخيار الأنسب، لمراكمة الثروة عبر المضاربة، ولضمان التمتع بها عبر تشجيع الأبحاث التي قد تنتج ابتكارات على كل صعيد، تؤمن للبشرية، أو للمحظوظين من أبنائها حماية مستقبلية.
| وول ستريت لا تسعّر “سبيس أكس” بوصفها شركة نقل وشحن فضائي، بل تسعّرها بوصفها المتعهد الحصري لبناء سفينة نوح الكونية (Getty) |
مع ذلك، لا يختصر هذا التحليل الرواية كاملة. ثمة أسباب تدفعنا إلى الموافقة على جزء من هذا التحليل. وثمة أسباب تدفعنا إلى نقده بوصفه مولودًا من رحم الفكرة الأساسية، والتي يقع الخطأ في قلبها. تلك الفكرة التي تقول إن سوق الأسهم هي الاقتصاد الرمزي للسوق الفعلي. والحق، إن كل التضخم الذي حصل في أسعار الأسهم يشهد على خطأ هذه النظرة. فالشركات التي تضخمت أسهمها، لم تكن معنية بالتحصين المباشر، معظمها على الأقل، بل كانت معنية بإنتاج ما لا نعرف فائدته في المستقبل. وما قد يُفرض علينا كمستهلكين. ثمة عامل أساسي يدعم هذا التحول في النظرة إلى سوق الأسهم، وهو السبب المتعلق بكون سوق الأسهم لم يعد مرتبطًا مباشرة بالاقتصاد الفعلي. وإن كان الاقتصاد الفعلي ما زال مؤثرًا، في بعض جوانب هذه السوق.
أول هذه العوامل يتصل على نحو مباشر بواقع أن سوق الأسهم تُمول من فائض الثروة، مما يفيض عن الحاجة، لا من الأصول الضرورية لنمو الاقتصاد وتأمين سلامة التجارة والإنتاج. هذه السوق لا تعمل في منطقة الخطر، بل تعمل في منطقة الراحة. الاستثمار في صناعة بطاريات من مواد غير المستخدمة حاليًا، ليس أمرًا ملحًا للبشرية. لكنه يستشرف احتمال حدوث اضطراب جيو اقتصادي، أو اندلاع حرب في منطقة حيوية بثرواتها، أو ندرة في المواد المستخدمة لصناعة هذه البطاريات. لكنه ليس ملحًا على النحو الذي تلح فيه الحاجة لتزويد السوق بسيارات جديدة ليتمكن البالغون حديثًا سن العمل من شرائها. وليس ملحًا أبدًا أن تكون هذه السيارات كهربائية.
العامل الثاني الذي يدعم انفصال سوق الأسهم عن الاقتصاد الفعلي، متعلق بالأول، لكنه يوضحه ويعطيه معنى. ويمكن وصفه على النحو التالي: إذا كانت السوق الفعلية مهتمة بتأمين كمية الخبز اللازمة لإطعام شعب دولة ما، اليوم، وليس غدًا، فإن سوق الأسهم تهتم بتأمين كمية الخبز اللازمة لإطعام ملايين ومليارات الذين لم يولدوا بعد. الزراعات العمودية، مختبرات البذور، السيارات ذاتية القيادة، البحث عن بدائل للطاقة، كلها أمور تتعلق بحاضر الأجيال المقبلة، وليس بمستقبل الأجيال الحالية. وهناك فارق جوهري بين الأمرين. فالأجيال الحالية قادرة على الاكتفاء من التقدم بسيارة كهربائية موجودة اليوم، ويتم إنتاج أعداد هائلة منها. لكن الأجيال المقبلة، قد تعاني من اضطرابات اجتماعية، مناخية، سياسية، تجعل من سيارة المستقبل الكهربائية واحدة من حاجاتها. هذه الاستثمارات لا تتصل بما نحتاجه حقًا لننجو. بل بما ستحتاجه شعوب المستقبل لتنجو، مما نظنه كوارث حتمية ستحل بالأرض إن لم نبدأ بعلاجها اليوم. هذا الافتراض يجعل سوق الأسهم أقدر على التطور والازدهار في ظل الأزمات أو نذر الأزمات. ذلك أن حلول الأزمة أو معاينة ظلالها المنذرة بحلولها قريبًا، سيجعل المستثمرين يمعنون في الاستثمار ليتمكنوا من معالجة الأزمة المقبلة على الأقل.
العامل الثالث يتعلق بطبيعة النقد نفسها. إذ لطالما كان التحليل الاقتصادي ينطلق من فكرة بديهية ومنطقية: العملة، أي عملة، هي وسيط خفيف الوزن وقابل للحفظ لتبادل السلع. لكن أحداثًا كثيرة عصفت بالعالم، قد يكون أبرزها على الإطلاق (قرار الحكومة الأميركية الذي قضى بفك ارتباط الدولار بالذهب في سبعينيات القرن الماضي، وحمى المضاربة على العملات العالمية في تسعينيات القرن نفسه، وفرض المراقبة المباشرة على التحويلات المالية، بدعوى محاربة الإرهاب، في بدايات القرن الحالي). هذه الأحداث جعلت من العملة الأميركية خصوصًا، وبعض العملات الأخرى بحدود معينة، سلعة بعد أن كانت وسيطًا. والحال، فإن التدفقات اليومية على المصارف الأميركية، والقدرة على إقراض الدولار الواحد أكثر من مرة، وحجم الدولار الورقي المخزن خارج الولايات المتحدة، وضخ الفيدرالي أموالًا هائلة في السوق أثناء الأزمات والأوبئة، جعلت من الثروة الدفترية تتناسل من نفسها، من دون حاجة مباشرة لمعادلتها بسلعة منتجة، أو بثروة مخزونة. ما سمح لسوق الأسهم أن تولّد ثروات مالية من المال نفسه وليس من الثروات المادية. وهذا يجعل هذه السوق أكثر استقلالية عن سوق السلع التي تلبي الحاجات الضرورية للبقاء. ذلك أن سوق الأسهم باتت تلبي الحاجة لمعالجة القلق من المستقبل. فالمستثمر حين تحل الجائحة، لا يشتري أسهمًا لإيجاد لقاح لها فقط، بل يشتري أسهمًا لتأمين مقعد في سفينة نوح التقنية.
ولعل المثال الأوضح والأكثر فجاجة على هذا الانفصال البنيوي بين القيمة المادية وقيمة الخيال، يتجلى اليوم ونحن على أعتاب دخول شركة “سبيس أكس” إلى سوق الأسهم. فإذا ما حاولنا قياس الشركة بمنطق الاقتصاد التقليدي، أي بالنظر إلى قيمتها الفعلية المحكومة بأسعار الحديد والمحركات، وكلفة تصنيع الصواريخ والمنشآت الأرضية، ومقارنتها بقيمتها الدفترية الجنونية في السوق، سنكتشف حفرة معرفية لا يمكن ردمها بالأرقام الحسابية الصرف. إن هذا الفارق الهائل والخيالي في التقييم لا يعبر عن حجم الأرباح التي تحققها الشركة اليوم من إطلاق الأقمار الصناعية، بل يعبر بدقة عن سعر “صك الغفران التقني” الذي يشتريه المستثمر. وول ستريت لا تسعّر “سبيس أكس” بوصفها شركة نقل وشحن فضائي، بل تسعّرها بوصفها المتعهد الحصري لبناء سفينة نوح الكونية، والمهندس الوحيد القادر على تأمين هجرة بديلة للبشرية – أو لصفوتها المالية- خارج الأرض عند حلول الكارثة الحتمية. القيمة الفعلية هنا هي قيمة تجارة الوهم بامتياز. تجارة تقتات على الرعب من المستقبل وتبيع الأمل بالنجاة في قوارب فضائية، مما يجعل القيمة الدفترية مجرد تفصيل مادي تافه لا يعتد به في بورصة القلق الإنساني.
هذا القلق هو بالتحديد امتياز الأقوياء. من يستطيع أن يغذي هذا القلق هو الذي سيربح المستقبل. ذلك أن الدول التي تعالج مشكلات من قبيل انهيار قيمة عملاتها أمام الدولار، أو صعوبة تنامي أسواق العمل، أو محاولة تثبيت دورها في الجغرافيا المحيطة بها بقوة السلاح والشغب المسلح، تبدو كما لو أنها تخوض كل جهادها في مستنقع لا نجاة منه. وهذا قد يفسر لماذا ثمة اقتصادات ستبقى متصدرة في المستقبل دون غيرها، قد يكون أبرزها الاقتصادان الأميركي والصيني. ذلك لأن هذه الاقتصادات المستثمرة بقوة في العلوم والتقنيات، تملك خاصية مشتركة، ألا وهي: استخدام الحاضر كرأسمال استثماري في خيال النجاة.