باولو ماتييه عالم الآثار وحليف النظام المخلوع

أكاديمي مختص في لغات الشرق القديم وآثاره… الثورة السورية .دمشق
أنهى باولو ماتييه (مواليد 1940) دراسة الآثار الكلاسيكية والتاريخ القديم سنة 1962، وجاء في السنة التالية إلى سوريا، واختار التنقيب في موقع تل مرديخ، قرب سراقب – محافظة إدلب، ونال موافقة الجهات المعنية. قاد بعثة من جامعة روما لا سابينزا، بدأت أعمالها سنة 1964، وحالفه الحظ بعد سنوات معدودة في الكشف عن آثار مدينة إبلا، مركز أهم مملكة في وسط سورية خلال القرن الرابع والعشرين ق.م، ولم تكن معروفة من قبل.
كما نقّب في موقع صغير يدعى تل الفري، غربي الرقة، على نهر الفرات، خلال موسمين قصيرين في سنتي 1972-1973، بمشاركة عالم الآثار السوري المرحوم عدنان البني، وذلك مساهمة في الحملة الدولية لإنقاذ مواقع أثرية أصبحت فيما بعد ضمن نطاق البحيرة التخزينية التي تكونت بعد إنشاء سد الطبقة.
كان اكتشاف إبلا أبرز حدث في أوساط الباحثين عن الآثار في الشرق القديم، وفّرت للأثري الشاب شهرة عالمية، رشّحته ليكون نجماً في هذا المجال، وعضواً في عدد من الأكاديميات العلمية الأوربية. كما حظي بتقدير السوريين العاملين في مجال الآثار، والمهتمين بها، على الرغم من أن بيتّيناتو الباحث اللغوي الذي اختاره ماتييه لقراءة الكتابات التي اكتشفها في القصر الملكي في إبلا حاول تحريف الحقائق المستخلصة منها، ونشر أفكار صهيونية أثارت ضجة عالمية.
حظي ماتييه بمرور الزمن بصلة وثيقة مع رأس النظام المخلوع، ونال منه وسامين، باسم الشعب السوري: الأول من الدرجة الأولى سنة 1978، والثاني من الدرجة الثانية سنة 1986. وازدادت علاقاته متانة وحميمية مع رأس النظام المخلوع بشار الأسد وشريكته في الإجرام أسماء الأسد، وصلت درجة الزيارات العائلية الشخصية التي تناقلتها وسائل الإعلام، فبدا مروّجاً لسياسات النظام السوري في الخارج.
ولم يكتف بذلك؛ بل أسهم في تكريم سيدة الإجرام في سوريا، ومنحها شهادة الدكتوراة الفخرية في مجال الآثار من جامعته سنة 2004، وتسلّمتها ضمن احتفال مهيب أُقيم في رحاب إبلا، المملكة السورية الأقدم. وتلا ذلك منحها وسام رئاسة الجمهورية الإيطالية الذهبية سنة 2008.
وفي غمرة أحداث الثورة السورية؛ توقفت أعمال التنقيب الأثري، لكنه ظل يتردد إلى البلاد، وكافأه النظام المخلوع بوسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة في حزيران 2023؛ في الوقت الذي كان المجرمون يمطرون فيه سكان تل مرديخ وسراقب، والشمال السوري كله بالبراميل المتفجرة التي تحصد مئات الأرواح، وتدمّر وتشرّد.
لا شك أنه كان يسمع تلك الأخبار آنذاك، ويرى مشاهد الإجرام وصور الدمار في وسائل الإعلام، ولكنه لم يأبه بمعاناة السوريين، واختار الوقوف إلى جانب النظام البائد، وربما خدمه في محافل خارجية.
لقد لخّص نتائج أعماله في تل مرديخ خلال 47 سنة (1964-2010) في كتاب ضخم صدر سنة 2022، بعنوان “إبلا: الآثار والتاريخ”، ليختم به مسيرته العلمية، وينهي عمله في إبلا. وهو جهد علمي مشكور، ولكن السوريين لن ينسوا تجاهله معاناتهم وجرائم حليفه بحقهم، وعدم الوفاء للشعب السوري، ولأبناء تل مرديخ الذين تصبب العرق من جباهم وهم يحفرون معه في العراء خلال أيام صيفية لاهبة دامت زمناً طويلاً.
بئس الباحث العالِم الذي يختار المصلحة الشخصية والوقوف إلى جانب الطاغية، ولا يبالي بالجرائم التي تطال الشعب والعامل الذي يسهم في تحقيق نجاحاته. إنه لا يستحق تلك الأوسمة التي مُنحت له باسم الشعب السوري، بل يجب سحبها. العدالة تقتضي ذلك.