طهران- تفتح التطورات الأخيرة المرتبطة باتفاق الإطار بين واشنطن وطهران المجال للتأويل حول طبيعة التفاهمات غير المعلنة، والحدود الفاصلة بين المناورة السياسية والالتزامات المالية الواقعية.
الحديث الجاري في كواليس الساسة وأروقة الصحافة الغربية والإيرانية حول رصد تمويلات ضخمة تصل إلى 300 مليار دولار مخصصة لصندوق إعادة إعمار إيران، لا يمثل مجرد رقم عابر في معادلة التفاوض، بل يعكس عمق الفجوة بين الطموحات الاقتصادية لطهران والشروط الصارمة التي تفرضها الإدارة الأميركية، فضلاً عن الحذر الإقليمي البالغ من التورط في تمويل مسارات سياسية لم تتضح معالمها النهائية بعد، خصوصا أن ما حصل ليس اتفاقا نهائيا.
ويأتي النفي الحاسم من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي أكد فيه أن الولايات المتحدة لن تستثمر أي مال في إيران، ليعيد رسم الخطوط الحمراء لإدارته أمام الناخب الأميركي والمجتمع الدولي.
ويبدو أن الموقف الأميركي يسعى بوضوح إلى الفصل التام بين المضي في “اتفاق سلام” أو “اتفاق إطار”، بما يضمن تفكيك الطموح النووي الإيراني وتأمين مضيق هرمز، وبين تقديم مكافآت مالية مباشرة من جيوب دافعي الضرائب الأميركيين.
◄ دول الخليج تدرك أن الانخراط في تمويل صناديق إعمار لإيران لا يمكن أن يتم دون ضمانات أمنية وسياسية
وينسجم هذا السلوك مع العقيدة السياسية للرئيس ترامب القائمة على مبدأ العوائد المباشرة وتجنب الانغماس في تحمل تكاليف مادية لأزمات الشرق الأوسط، بل يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك عبر تصنيف الأنباء المتداولة حول التمويل الأميركي المباشر كنوع من الدعاية السياسية الموجهة من خصومه في الداخل.
وفي مقابل النفي الأميركي الصارم تكشف التسريبات والمعطيات المتداولة في وسائل الإعلام عن وجود هذا الرقم بالفعل ضمن طروحات المذكرة الإطارية، لكن بصيغة مغايرة تماما تعتمد على الاستثمارات الخاصة والصناديق الإقليمية والدولية المشروطة بالامتثال التام والكامل.
فالإدارة الأميركية لا تمانع، وفق هذا المنظور، فتح الباب أمام الشركات الدولية أو الشركاء الإقليميين للاستثمار في البنية التحتية الإيرانية المتهالكة، بشرط أن يثبت النظام الإيراني تخليه الدائم والموثق عن السعي لامتلاك أسلحة نووية، وكف يده عن زعزعة استقرار المنطقة، وهو ما يعني تحويل صندوق الإعمار المفترض من “شيك على بياض” إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي طويلة الأمد تُصرف دفعاتها بناءً على تقييم السلوك الإيراني خطوة بخطوة.
من جهتها، تجد طهران نفسها أمام معضلة حقيقية، فهي تحتاج إلى هذا التدفق المالي الضخم لتعويض الخسائر الهيكلية الجسيمة التي لحقت باقتصادها ومنشآتها الحيوية نتيجة لسنوات العقوبات والحرب الأخيرة، وتجاهد لتسويق أي اتفاق إطاري أمام الرأي العام الداخلي والمحافظين على أنه انتصار يضمن حقوق الشعب الإيراني ويجلب مئات المليارات.
لكن الاصطدام بالواقع الأميركي الذي يربط الاستفادة من الصندوق بتقديم تنازلات سيادية مؤلمة تشمل التفتيش الدولي الصارم والتخلص من اليورانيوم المخصب، يقلص هوامش المناورة الإيرانية، ويجعل الوعود الاقتصادية مجرد حبر على ورق ما لم تقدم طهران التزامات جوهرية غير قابلة للتراجع.
ويدخل الموقف الخليجي، المتمثل في تصريحات الخارجية القطرية، كعنصر توازن حذر في هذه المعادلة المعقدة. فإعلان الدوحة عدم قدرتها على التعليق بشأن تخصيص مبلغ 300 مليار دولار، مع التأكيد القاطع على أنه لم يتم صرف أي أموال قطرية بموجب هذا الإطار حتى الآن، يعكس إستراتيجية إقليمية عامة قائمة على “التريث والتحوط”.
◄ يبدو أن الموقف الأميركي يسعى بوضوح إلى الفصل التام بين المضي في “اتفاق سلام” أو “اتفاق إطار”، بما يضمن تفكيك الطموح النووي الإيراني وتأمين مضيق هرمز
الدول الخليجية، ورغم رغبتها في رؤية استقرار حقيقي وشامل في المنطقة وإنهاء لغة الحروب، تدرك تماما أن الانخراط في تمويل صناديق إعمار لإيران لا يمكن أن يتم دون ضمانات أمنية وسياسية واضحة وملموسة، ودون مباركة دولية تضمن ألا تتحول هذه الأموال بطرق مباشرة أو غير مباشرة إلى دعم أنشطة مهددة للأمن الإقليمي. كما أن هذا الموقف يضع الكرة في ملعب طهران لإثبات جديتها في التحول إلى “دولة طبيعية” قادرة على بناء علاقات اقتصادية واستثمارية مستقرة مع جيرانها.
إن التضارب الراهن في الأنباء والتصريحات حول صندوق الإعمار يكشف الطبيعة الهشة لاتفاقات الإطار المبدئية، إذ يظهر بوضوح كيف يمكن أن يتحول بند اقتصادي مفترض إلى مادة للاشتباك السياسي. فالرقم الفلكي المطروح، والذي يقارب حجم الضرر الاقتصادي الإيراني، يبدو أنه استُخدم في غرف التفاوض المغلقة كحافز لحث طهران على التوقيع، لكنه تحول فور خروجه للعلن إلى عبء سياسي يحاول كل طرف التبرؤ من تبعاته المالية المباشرة مع الاحتفاظ بمكاسبه السياسية.
ويمثل صندوق إعادة إعمار إيران نموذجا صارخا لـ”الدبلوماسية المشروطة برأس المال”، حيث لا توجد أموال مجانية في عالم المصالح الدولية. وستبقى الأيام والأسابيع القادمة، وخصوصا مع بدء المحادثات الفنية المعمقة، هي الكفيلة بتوضيح ما إذا كان هذا الصندوق سيتحول إلى رافعة حقيقية لدمج إيران في الاقتصاد الإقليمي والدولي، أم أنه سيظل مجرد مناورة تفاوضية سقفها التخفيف الجزئي والمؤقت للعقوبات، بينما تبقى وعود الإعمار الكبرى معلقة في انتظار تغيير جوهري وحقيقي في سلوك طهران السياسي والعسكري.